Menu

أيمن المدهون "أبو محمد".. الرفيق الذي لم يُنزل شراع الرحيل

حنظلة

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

يأتي الخامس والعشرون من ديسمبر مثقلاً بالوجع، لا يمرّ عادياً ولا يشبه سواه من الأيام. يومٌ يعود مُحمّلاً بالذكرى، يفتح جرح الفقد من جديد ويترك في القلب غصّة لا تهدأ. ففي هذا اليوم من عام 2023، وبينما كانت غزة تقاتل لتبقى واقفة، وتدفع أثمان وجودها وكرامتها، ارتقى الرفيق أيمن المدهون (أبو محمد)، عضو اللجنة المركزية لفرع قطاع غزة، بعد أن اختطفته قذيفة غادرة وهو في ذروة عطائه وحضوره.

رحل أبو محمد، لكن ما تركه لم يرحل معه؛ فقد بقي أثره في الناس وبين رفاقه ومحبيه، في العمل، وفي التفاصيل الصغيرة التي لا تُرى سريعاً. غاب الجسد، وبقي المعنى عصيّاً على النسيان، لا تقدر السنوات على محوه، ولا ينجح الركام في طمس حضوره.

شكّل غيابه صدمةً ثقيلة في قلب المسيرة. رحل أبو محمد وبقي أثره حاضراً، عنيداً، يتسرّب في العمل اليومي، وفي الوجوه التي تعلّمت منه معنى الالتزام، وفي الطريق الذي سار عليه بثبات حتى آخر لحظة. ولم تستطع السنوات محو ما تركه، ولن ينجح الركام في طمس أثر من عاش منخرطاً حتى النهاية؛ لأن من يرحلون وهم في قلب الفعل يواصلون حضورهم في ذاكرة القضية ومسيرتها.

في أزقة الشيخ رضوان، ما زال صدى خطاه حاضراً، كأن المكان يرفض الاعتراف بالغياب. هناك، وفي أزقة مخيمات مدينة غزة، نشأ شبلاً من أشبال انتفاضة الحجارة، تَشكّلت ملامحه الأولى على وقع المواجهة والإرادة، وتعلّم مبكراً أن الطريق يُعبّد بالفعل والتضحية. ولذلك، فإن غيابه ترك فراغاً كبيراً لا يمكن تجاوزه، وضربةً موجعة في جسد العمل الجماعي، وندبةً عميقة في ذاكرة الرفاق الذين عرفوه بالعمل لا بالقول، وبالحضور الصادق لا بالادعاء. رحل من الأزقة التي شهدت بداياته، لكن أثره ظلّ معلّقاً على جدرانها وفي تفاصيلها الصغيرة، شاهداً على جيلٍ حمل الحجر أولاً، ثم حمل الفكرة والموقف حتى النهاية.

كان "أبو محمد" التجسيد الحي لـ "المناضل العضوي"؛ ذاك الذي نبت في حضن الثورة طفلاً تَشرّبت ملامحه قيمها، وشاباً صار هو نفسه ممارسة يومية لبرنامجها النضالي. وكان الانتماء عنده التزاماً مقدساً يبدأ من أصغر المهمات وصولاً إلى أكثرها تعقيداً.

لم يعرف "أبو محمد" الترف التنظيمي، ولم يساوم يوماً على الجهد، وكان يعمل بصمتٍ، مؤمناً بأن الضجيج لا يصنع أثراً، وأن شرف المناضل يُقاس بما ينجزه لا بما يقال عنه، ولم يتعالَ يوماً على أي تكليف، ولم يتهرب من أي واجب، فكان "ماكينة عمل" لا تهدأ، ينجز بدقة وإتقان ما يعجز عنه الكثيرون.

وحين تولى أحد المسؤوليات القيادية في فرع غزة، كان ذلك استجابةً لقرار الرفاق الذين رأوا فيه شخصاً يمكن الاعتماد عليه والاستفادة من خبراته التنظيمية والإدارية؛ فشغل عضوية اللجنة المركزية لفرع قطاع غزة لدورتين متتاليتين، وتولى أمانة السر، مُسخّراً كل طاقته لخدمة الفكرة وتطوير المؤسسة.

وقد كان في عمله التنظيمي، وفي أمانة السر المركزية، بمثابة "الصندوق الأسود" للتفاصيل، وحافظ الخيوط الدقيقة، وصاحب الحس الإداري النادر، ممتلكاً قدرة استثنائية على تحويل التكنولوجيا إلى سلاح نضالي؛ فبرمج وصمم وطور، وكان من أوائل من أسسوا الحضور الرقمي للجبهة، مُحولاً الشاشة إلى ساحة اشتباك لا تقل ضراوة عن الميدان.

وخلف صلابة المقاتل، سكنت روح إنسانية دافئة؛ فمن خلال "منتدى الحنين" الذي قام بتصميمه مع عددٍ من الرفاق، خلق مساحةً يسارية تقدمية جمعت الرفاق في داخل فلسطين وخارجها في بيتٍ واحد، أدار فيه بذكائه وحنكته أصعب النقاشات الفكرية، مُحولاً المنتدى إلى جسر يربط القلوب قبل المواقف.

يا أبا محمد.. في ذكراك الثانية، لا نقف لنبكي، بل لنستلهم المعنى. لا ننعى جسداً غاب، بل نستحضر نهجاً لا يموت. غادرتنا وأنت تقبض على بوصلة التحرير، مؤمناً أن فلسطين من بحرها إلى نهرها حق لا يقبل المساومة.

نم قرير العين.. ذكراك باقية في كل تصميمٍ وبرنامج أنجزته، وفي كل كادرٍ تعلم منك أن العمل بصمت هو أصدق أنواع الانتماء، وفي كل فكرة حرية لا تكسرها القذائف.

سنكمل الطريق بذات الإيمان، حتى نلتقي في فجر الحرية الذي نذرت عمرك لأجله.

سلام لروحك الطاهرة، وسلام لغزة التي أنجبتك وظلت تسكنك حتى الرمق الأخير.

 

ReplyForward

Add reaction