Menu

ورقة تقدير موقف .. إيران ترمي بقفاز التحدي بوجه ترامب وحسابات الحقل الأمريكي لم تراع حسابات البيدر الإيراني

عليان عليان

بوابة الهدف

بعد انتهاء أزمة الاحتجاجات في الشارع الإيراني على خلفية غلاء المعيشة وخفض سعر صرف العملة الإيرانية ، رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عقيرة تهديده ل إيران بعد أن خذل عملاءه في الشارع بقوله " قادمون ..استمروا" ، وراح يصرح بين الفينة والأخرى بأن حاملة الطائرات النووية " لينكولن" في طريقها من المحيط الهادي إلى بحر العرب وستتبعها حاملة الطائرات العملاقة "جيرالد فورد" .

وصلت حاملة الطائرات إلى بحر العرب ، وبات ترامب وجوقته " كاشنر ووويتكوف وماركو روبيو وبيت هيغيث" تتناوب لغة التهديد بالحرب لإسقاط النظام في إيران ، وعلى الهامش نجل شاه إيران السابق رضا بهلوي يفرك يديه فرحاً، بأن ساعة عودته على ظهر بارجة حربية أمريكية قد اقتربت لحكم إيران ، وراح بعض المحللين والمراقبين يعقدون المقارنات بين القوة العسكرية الأمريكية والقوة العسكرية الإيرانية ، ليخلصوا إلى استنتاجات بأن ميزان القوى مختل بنسبة عالية جدا لصالح الولايات المتحدة ، ما يمكن الإدارة الإمبريالية من إسقاط النظام، أو إسقاط قيادات أساسية فيه واستبدالها بقيادات أخرى كما حدث في فنزويلا.

 

حسابات الحقل غير مطابقة لحسابات البيدر

لا يخالجنا أدنى شك ، في حال نشوب الحرب، بأن الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق منذ العدوان على العراق في العامين 1991 ، و 2003 ، قادر على توجيه ضربات قاسية جداً للمنشآت الإيرانية الأمنية والاقتصادية ، بحكم الإمكانات العسكرية الهائلة التي يجري الكشف عنها يوميا في المنطقة مثل: الطائرات الشبحية المتطورة ، وطائرات الدعم والقيادة وأنظمة الدفاع الجوي ، والطائرات من طراز "إي-3 سينتري" (E-3 Sentry) المخصصة للإنذار المبكر والتحكم جوّا "أواكس (AWACS) / ، وحاملتي الطائرات "لينكولن" و"جيرالد فورد، اللتان تحملان على متنهما ما يزيد عن (10) من مشاة البحرية ( المارينز) وطائرات مقاتلة متنوعة، على غرار "إف-35″ و"إف-22″ و"إف-15" و"إف-16″، إضافة إلى طائرات تزود بالوقود جوًّا من نوع "KC-135" لدعم العمليات الطويلة المدى ، والقواعد الجوية العديدة في المنطقة، التي جرى تعزيزها بعتاد إضافي يشمل طائرات حربية ومروحيات ودعم لوجستي للقوات البحرية والجوية ألخ

ما تقدم صحيح جداً ، لكن فات ترامب وجوقته ، أن حسابات الحقل غير مطابقة لحساب البيدر في الحالة الإيرانية ،ارتباطاً بمجموعة عوامل أبرزها :

أولاً: أن ميزان القوى العسكري ليس العامل الرئيسي دوماً في حسم الحرب ، وأن هناك عوامل أخرى كابحة لفعالية ميزان القوى ، من ضمنها :

  1. إرادة القتال لدى الطرف الآخر المستهدف
  2. البعد الوجودي في المواجهة
  3. البعد العقيدي في المواجهة
  4. الإمكانات العسكرية المحلية المتطورة جداً في مجالات البر والبحر والصواريخ بعيدة المدى وسلاح الطيران المسير.

وهذه الأبعاد كلها متوفرة بامتياز لدى جمهورية إيران الإسلامية ، فإرادة القتال متوفرة لدى جماهير الثورة الإيرانية منذ دخول آية الله الخميني إيران 1979 وحتى اللحظة، ولعل خروج 26 مليون متظاهر في ذكرى انتصار الثورة يرفعون قبضاتهم " الموت لأمريكا .. الموت لإسرائيل" لمؤشر على إرادة القتال الإيرانية .

فنظام الجمهورية الإسلامي ليس نظاما ليبراليا بل نظاماً مفعم بالعقيدة، وهذه العقيدة تفعل فعلها فعل آلاف الصواريخ، عندما تأخذ الحرب السمة الوجودية " بقاء النظام أو إسقاطه".

ثانياً: رغم الخلل في ميزان القوى ، يستطيع الطرف المستند إلى العقيدة وإرادة الشعب وإلى السلاح الصاروخي المحلي المتطور وإلى تكامل أسلحة البحر والبر ، أن يحيد بإمكاناته المصنعة محلياً مفاعيل ميزان القوى بنسبة كبيرة ، وما جرى في قطاع غزة أكبر برهان على ذلك، إذ أن فصائل المقاومة بأسلحتها البدائية المصنعة محليا ، والمستندة إلى حاضنة شعبية عظيمة ، تمكنت من تحقيق الصمود في مواجهة قوات الاحتلال المدعومة بترسانة حلف النيتو وأجهزة استخباراته، ومن تحقيق انتصارات تكتيكية هائلة .

ثالثاً: وفي الحرب غير المتناظرة بين أيران وأمريكا تملك إيران كماً هائلاً من المدن الصاروخية التي تضم الأسلحة الصاروخية المتطورة الفرط صوتية والنقطية التي تتجاوز مداياتها 2000 كيلومتر ، حيث اختبرت هذه الصواريخ في حرب أل (12) يوماً عندما دمرت أحياء بكاملها في تل أبيب ، وأصابت أهدافاً محددة بدقة في حيفا وتل أبيب وبئر السبع حيث فشلت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية ومنظومة ثاد الأمريكية في التصدي لها .

يضف إلى ما تقدم فإن إيران تدخل الحرب بدعم عسكري غير مسبوق من حليفيها الإستراتيجيين روسيا والصين ، في مجال الدفاع الجوي والطائرات الحربية ، والتشويش الإلكتروني ، وفي المجال الاستخباري المتطور.

 

نقاط قوة أم نقاط ضعف

ما يجب الإشارة إليه هنا أن نقاط القوة الأمريكية التي سبق ذكرها تنطوي على نقاط ضعف في الحرب غير المتناظرة... كيف ؟

  1. القواعد الأمريكية

رغم التفوق العسكري الهائل للولايات المتحدة ، الذي يهدد به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يومياً ، فإن القوات المسلحة الإيرانية في المقابل ، وفي إطار استخدامها لتكتيكات الحرب غير المتناظرة ، تستطيع أن تضرب قواعد ومصالح أمريكا في مقتل عبر سلاح المسيرات المتقدم (شاهد) وسلاح الصواريخ ، لا سيما وأن لديها بنك أهداف ( 63) قاعدة في " الشرق الأوسط" يمكن الوصول إليها وتدميرها ، ومن ضمنها القواعد الموجودة في دول الخليج، التي تضم شبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية (الرئيسية والمؤقتة) التي تتجاوز الـ 25 موقعاً، وتتركز بشكل أساسي في قطر ، البحرين، الكويت، الإمارات، والسعودية، وذلك كجزء من تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط لحماية المصالح الحيوية وتأمين الممرات المائية وحماية الكيان الصهيوني.

 

  1. البوارج الحربية

الترسانة البحرية العسكرية ممثلةً بحاملتي الطائرات "لينكولن وجيرالد فورد" ومعهما العديد من المدمرات و (13) سفينة بالشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ، لدعم أي عملية عسكرية محتملة ، تشكل خطراً هائلاً في أية مواجهة عسكرية محتملة ، لكن هذه الترسانة قابلة للضرب والتحييد من قبل الصواريخ الباليستية والفرط صوتية الإيرانية.

وليس أدل على ذلك أن مئات الصواريخ اليمنية التي انطلقت من جبال اليمن لتدك حاملة الطائرات " جيرالد فورد" في البحر الأحمر ، رداً على قصفها للعاصمة اليمنية صنعاء ولبقية المدن والموانئ اليمنية ، سبق وأن ألحقت أضراراً كبيرة بهذه الحاملة العملاقة وبالطائرات وبالقوات على متنها، ما اضطر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يرسل مفاوضين إلى مسقط ليتفاوض مع المفاوض اليمني ، وليوقعوا على اتفاق " شبه إذعان" مفاده: أن تتوقف صنعاء عن قصف السفن الحربية الأمريكية ، مقابل أن لا تعترض الإدارة الأمريكية على استمرار صنعاء في قصف المواقع الاستراتيجية في الكيان الصهيوني.

وإذا كان هو حال حاملة الطائرات جيرالد فورد مع الصواريخ اليمنية، فكيف سيكون حالها مع الصواريخ الفرط صوتية النقطية الإيرانية ومع أسطول الطائرات المسيرة الإيرانية (شاهد) التي قد تصيب الحاملة والجنود في مقتل ، ومع الغواصات الصاروخية الإيرانية ومع أسطول الطرادات والزوارق الصاروخية التي تجوب بحر العرب والخليج العربي على مدار الساعة ، وقد سبق وأن صرحت قيادات عسكرية إيرانية "أن أول من يدفع الثمن من أرواحهم هم جنود المارينز في حاملتي الطائرات " لينكولن وجيرالد فورد".

 

  1. صناعة النفط

كما تشكل المنشآت النفطية والغازية التي تملكها عملياً وتديرها شركات أمريكية وبريطانية هدفاً سهلاً جدا للصواريخ الإيرانية ، فإذا كانت صواريخ صنعاء إبان العدوان السعودي على اليمن على مدى سبع سنوات عطلت عمليا صناعة النفط السعودية بنسبة عالية ، بعد أن فشلت صواريخ باتريوت في صدها، فما بالك بالصواريخ والمسيرات الإيرانية الأكثر تطوراً.

 

الحرب الإقليمية وإدارة الصراع

ما نلمسه من مواقف وتصريحات المستويين السياسي والعسكري وعلى رأس هذين المستويين تصريحاتً مرشد الثورة آية الله علي خامنئي ، يؤكد أن القيادة الإيرانية تدير الأزمة المشتعلة مع الإدارة الأمريكية بعقل واع ووفق حسابات دقيقة .

فالمستوي السياسي ( مرشد الثورة ورئيس الجمهورية ووزير الخارجية) يؤكد صباح مساء أن جمهورية إيران الإسلامية تعمل على الجبهتين الدبلوماسية التفاوضية والجبهة العسكرية وأنها تحبذ الحل التفاوضي على أرضية جهوزيتها العسكرية .

وفي هذا السياق كانت مشاركة وزير الخارجية على رأس وفد إيراني في مفاوضات مسقط في السادس من فبراير (شباط) الجاري، إذ أنه في لقاء مسقط نجح الوفد الإيراني في حصر المفاوضات في الجانب النووي مفشلاً الطروحات الأمريكية بشأن التفاوض حول سلاح إيران الصاروخي، وحول دعم أيران لحلفائها في المنطقة (حزب الله والمقاومة العراقية والمقاومة الفلسطينية وحركة أنصار الله اليمنية) حيث طرح كل من الوفدين الإيراني والأمريكي رؤيته لحل المسألة النووية .

وفي لقاء جنيف بمقر السفارة العمانية بتاريخ 17 فبراير / شباط الجاري، صدرت إشارات متباينة عن الجانبين الأمريكي والإيراني، فالجانب الأمريكي عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل متناقض ومرتبك، بوصفه المفاوضات بأنها كانت جيدة ، وأن المفاوض الإيراني جيد وسيء وصعب في نفس الوقت. لكنه لم يستجب للطلبات والشروط الأمريكية في مسألتي تصفير البرنامج النووي، وترحيل اليورانيوم المخصب إلى دولة في الخارج، تستثنى منها روسيا والصين ، في حين راح نائبه "جي دي فانس" يصرح بأن إيران لم تأخذ بالخطوط الحمراء التي يطرحها الرئيس ترامب .

أما وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، فقد وصف اللقاء مع الأمريكيين في سفارة سلطنة عمان في جنيف، واللقاء الذي سبقه مع رفائيل غروسي رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية، بأنها “لقاءات جدية جدا”، وأن الأجواء كانت “بناءة أكثر”، وأن الطرفين تمكنا من المضي قدماً والاتفاق على مبادئ توجيهية تمهد الطريق لصياغة اتفاق مشترك" مشيراً إلى هذا لن يحدث بالضرورة بسرعة، لكن على الأقل بدأنا في المسار".

لكن ما يجب الإشارة إليه أن إيران- حسب عراقجي- لم تتنازل عن أي خط أحمر من خطوطها الحمر وهي :عدم التنازل عن برنامجها النووي، ورفضها تعليق تخصيب اليورانيوم ونقل اليورانيوم المخصب( 418) كيلو غرام بنسبة 60 في المائة إلى الخارج، وعدم التنازل عن منظومتها الصاروخية ، وعدم الإذعان للطلب الأمريكي بشأن وقف الدعم لحلفائها في العراق ولبنان واليمن و فلسطين ، في حين تراجعت واشنطن عن مسألة تصفير البرنامج النووي .

كما أكد عراقجي استعداد إيران لتقديم التزامات فنية وسياسية وإجراءات تقنية لضمان تخصيص برنامجها النووي حصرياً للأغراض السلمية، لكنه في ذات الوقت ربط تقديم هذه الالتزامات بشرط رفع العقوبات عن إيران .

 

تصعيد إيراني في مواجهة التصعيد الأمريكي

في مواجهة تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن التصعيد الأمريكي واستعراض العضلات العسكرية ، بالحديث المتكرر عن حاملتي الطائرات وحشد السفن الحربية ، ووصول مئات الطائرات الحربية الأمريكية المتنوعة إلى المنطقة ذات الاستخدامات التدميرية المختلفة.

وفي مواجهة تصريحاته المتكررة على منصة " Truth Social " بأنه إذا توصلنا إلى اتفاق فهذا أمر جيد ، وإذا لم نتوصل فستواجه إيران أموراً صعبة" من ضمنها شن العدوان لإسقاط النظام أو قتل مرشد الثورة علي خامنئي وابنه ، وتصفير تصفير صادرات النفط الإيرانية إلى الصين التي تستورد 60 في المائة من النفط الإيراني...ألخ

في مواجهة التصعيد الأمريكي، جاء التصعيد الإيراني الأبرز في إطار إدارة الصراع عشية لقائي مسقط وجنيف بين الوفدين الإيراني والأمريكي ، على لسان مرشد الثورة آية الله علي خامنئي ، ليؤكد أن إيران لا تفاوض من موقف الضعف بل من موقف القوة العسكرية ، بقوله : أن أية ضربة عسكرية أمريكية لإيران محدودة أو غير محدودة ستشعل حرباً إقليمية في المنطقة" ..."وأن السفن الحربية الأميركية خطيرة؛ لكنّ الأخطر منها هو السلاح القادر على إغراقها في قاع البحر، لافتًا إلى أن أقوى جيش في العالم قد يتعرض أحيانًا لضربة قاصمة لا يستطيع النهوض بعدها "

 

خيار الحرب الأكثر ترجيحاً

بات واضحاً أن الإدارة الأمريكية باتت تغلب لغة الحرب العدوانية لأنها فشلت في تركيع إيران وإخضاعها للشروط الأمريكية التي هي بالأساس شروط إسرائيلية ، نقلها نتنياهو للرئيس ترامب في زيارته الأخيرة لواشنطن ، ممثلةً بإنهاء البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني ، ونقل اليورانيوم المخصب إلى الخارج ، وتحجيم السلاح الصاروخي الإيراني ووقف دعم إيران لحلفائها في المنطقة.

وبات واضحاً أن إيران متمسكة ببرنامجها النووي، وببقاء اليورانيوم المخبصب داخل أراضيها، ومتمسكة بسلاحها الصاروخي بمداياته المختلفة ، وبدعمها لحلفائها في محور المقاومة، وأنها مستعدة للحوار حول نسبة التخصيب بما يخدم مشروعات الطاقة والطب النووي وغيرهما من الاستخدامات السلمية ، وأنها مستعدة لتقديم ضمانات تقنية بهذا الشأن .

 

خلاصة الأمر : إيران متمسكة بخطوطها الحمر ، والإدارة الأمريكية متمسكة بخطوطها الحمر فتارة توافق على حصر المفاوضات بالبرنامج النووي، وتارة تعود للتمسك باشتراطات نتنياهو.

وفي ضوء ما تقدم ، فإن خيار الحرب بات مرجحاً بعد أن تنهي الولايات المتحدة استعداداتها العسكرية ، لكن ما يلحظه المراقبون أن الإدارة الأمريكية باتت مرتبكة بشأن أهداف عدوانها على إيران ، فتارةً تعلن بأن الهدف من الحرب هو تصفية قائد الثورة آية الله علي خامنئي وابنه وبقية الملالي ، وتارة تتحدث عن إسقاط النظام رغم إدراكها أن القصف الجوي لا يسقط النظام ، وتارة تتحدث عن ضربة تستمر لعدة أسابيع لإضعاف النظام ، وتارة تتحدث عن ضربة عسكرية قوية محدودة لإجبار إيران على توقيع اتفاقية إذعان .