قضية فلسطين من أعدل قضايا التاريخ، وما زالت عدالتها حاضرة في وعي شعوب العالم. على الرغم من نكران الحكومات الاستعمارية لهذه العدالة، وبالرغم من وجود الكيان الاستعماري الاستيطاني على جغرافيتها منذ سبعة عقود ونصف، فإن بقاءه كان ولا زال محصلة رؤى استعمارية متجددة ولم تتوقف مفاعيلها بدءًا من ظهورها في عصر الاستعمار أوروبا في القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا، ولا زال الاستعمار يجدد رؤاه وأفكاره ومخططاته حتى اللحظة.
وقد استطاع الاستعمار في لحظة تاريخية فارقة، وفي ظل غفوة استدامت طويلًا واستحالت إلى سبات طويل غاب فيه الوعي العربي عن فطنته وقوميته، أن يزرع الكيان في قلب الأمة العربية. ولم يكن هدفه محصورًا في جغرافيا فلسطين بقدر ما كانت فلسطين المرحلة الأولى من استراتيجية التحكم في مسار ومستقبل المنطقة العربية كلها، بادئًا بخطوته الأولى الاستراتيجية نحو فلسطين وما تمثل، وبما يلبي مصالح الغرب الإمبريالي لأمد طويل، ارتباطًا بما استخلصه من أهمية هذه المنطقة استراتيجيًا على المستوى الأمني والسياسي والاقتصادي، وارتباطًا برؤيته ويقينيته بأن خطر العرب يكمن في وحدتهم كأمة واحدة أو مملكة واحدة ويشكلون الخطر التاريخي على أوروبا المستقبل بما يملكون من عقيدة عربية وإسلامية — جيو- ثقافية — وجغرافيا ممتدة من الخليج العربي إلى المحيط، يختزن في باطنها كنوز البترول والغاز والمعادن المختلفة.
فكان المخطط مبكرًا يستهدف المنطقة في وحدتها وضرورة تفتيتها وتقسيمها إلى دويلات ومشايخ أولًا، وثانيًا خلق وعي انقسامي دولي بين نخبها وزعماء قبائلها وشعوبها بديلاً عن وعيها العربي الغريزي وأحلامها في الوحدة العربية والإسلامية التي عبر عنها مفكرو النهضة العربية مع نهايات "الرجل المريض" الدولة العثمانية. فوضع الغرب استراتيجيته الجيوسياسية التي تقوم على تمرحل التحكم في مسار المنطقة عبر تقسيمها أولًا دولتياً وصناعة الوعي التقسيمي، وثانيًا خلق الهويات الفرعية على حساب الهوية العربية المتشكلة تاريخيًّا ليصبح كل إقليم حاملًا هويته المناطقية معتزًا بها ومدافعًا شرسًا عنها ومالكًا حصريًّا لثروة البلاد المسيطر عليها. وأوجد وثبّت زعاماتها ومشايخها على رأس دول مصنعة، ليكونوا أمناء على هذه البلاد دون غيرهم وموروثةً لمن جاء بعدهم من أبناء وأحفاد صاروا أمناء على تراث آبائهم وأجدادهم ومتمسكين بهذه الهويات التفتيتية نابذين أي فكر وحدوي عربي.
وكان الغرب الاستعماري يدرك أن هذا التغيير في الوعي ومنظومات التراث والمناقبية البدويّة وأخلاقياتها يحتاج إلى زمن طويل من التكيف والتطويع والتغيير، فاستثمر الزمن وراهن على تبنّي السلف من الشيوخ والقيادات وصاياه، فأورثها ثقافته وحداثته في جامعاته ومدارسه وكلياته العسكرية العريقة ليبني أجيالًا متغرِّبة حاملةً ثقافة الغرب الاستهلاكية ومبهورةً بحضارته، ولم تعد تملك هذه الأجيال من بداوتها وتراثها إلا تلك الحطة والعقال والجلابية والعباءة التي يتخفى في داخلها كل نوازع الابتعاد عن الأصالة والعروبة والإسلام. وكلما طالت مرحلة التدجين الثقافي تتسارع عملية التحول السياسي والاجتماعي والاقتصادي والانطواء الهوياتي، فيضعف الانتماء العربي والثقافي رويدًا رويدًا، ويكبر الانعزال عن الهم العربي وقضاياه الوطنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ويلجأ الاستعمار مرة أخرى إلى الخداع الحداثوي المظهري لدى بعض الدول العربية لا سيما الدول الخليجية التي تملك الثروات البترولية، فيدفع بالتحديث العمراني باعتباره حضارة عمرانية تضاهي صور الغرب الحداثوية، من فتح الأسواق الحرة وحرية الاقتصاد وإقامة الأبراج وناطحات السحاب تأسياً مع ثقافة الأبراج والمولات لدى الغرب التي تعبر عن الاحتكارات الرأسمالية باعتبارها ممرًا حداثويًّا تضاهي الغرب وأكثر في حجمها وتوسعها وتركيز نشاطها الرأسمالي. ويرسم الاستعمار أنظمة ومؤسسات تقود هذا التحول التدريجي عبر خبرائه ومهندسيه ورأسمالييه.
ولا يقف الأمر عند هذه الحدود، بل تقوم هذه المشيخات والدويلات باستدعاء ملايين العمال ورجال الأعمال. وتشير أكثر المصادر تحفظًا إلى أن أعداد الجاليات الهندية في الخليج العربي تصل إلى تسعة ملايين، عدا الآسيويين؛ لتصبح جزءًا فاعلًا في النسيج المجتمعي وعاملًا أساسيًّا في مؤسساتها الاجتماعية والأمنية من جيش واستخبارات وأمن واقتصاد، بما يشكل تهديدًا ديموغرافيًا وثقافيًا وسياسيًا في السنوات أو العقود القادمة. ويتم تضليل أو إقناع قادتها بأن كياناتهم المشيخية هي دول مركزية أو عظمى يمكنها أن تمد نفوذها إلى دول وقارات عبر أموالها المتدفقة من البترول، وفي الواقع هم وكلاء للقوى الاستعمارية في هذه البلدان.
وكذلك الحال، فقد مكّن الانفتاح الاقتصادي المبرمج والمخطط بمنهجية عالية وبتأنٍ وصبر كبيرين أن يتوغل النفوذ الغربي والأجنبي عمومًا إلى عمق الحياة الاقتصادية داخل البلد الواحد، وتستوطن الثقافة الغربية الاستهلاكية رويدًا رويدًا على كل المستويات، ولا توجد شاردة أو واردة إلا واليد الأجنبية حاضرة فيها. وذلك ضمن رؤية هادئة في سياق محو الهويات الوطنية واستبدالها بهويات تغريبية وهجينة. ولا يرى الغرب غضاضة في أن يسمع من هؤلاء الحكام بأنهم عرب أقحاح أو الظهور بزيهم العشائري التراثي أو البدوي أو التوشح بسيوف الزينة أو التمسك برموز المناسبات الوطنية.
فلا يهم الغرب الاستعماري الحفاظ على الشكل التراثي ما دام كل شيء في المضمون والسلوك قد تغير، بما فيها اللغة العربية التي لم تعد هي اللغة الأهم المستخدمة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسات التعليمية وغيرها. فلا يهم الغرب أن تسمي دولتك كما تريد، وإنما يهمه أن هذه الدولة أو تلك ذاهبة نحو محو الهوية الوطنية والعربية والدخول في عملية تغريبية تاريخية بعيدة عن عراقة الانتماء وأصالته.
وبرغم أن الاستعمار الغربي قد قسم البلاد العربية إلى دويلات، وكل دولة لها عيدها الوطني وعلمها ورموزها ونشيدها، إلا أن هذا الاستعمار لم يتوقف عند حدود هذا التقسيم؛ فالمرحلة التي نحن الآن نعيش صعوباتها هي مرحلة التفتيت مجددًا لتصبح كل دولة سايكس- بيكو مقسمة إلى دويلات جديدة، وهذه تسير على قدم وساق ولا يخفيها عباقرة الغرب أمثال برنارد لويس وغيره.
ف السودان مرشح للتفتيت، وليبيا والعراق واليمن وسوريا، ولكل دولة أوانها وزمنها التفتيتي القادم بعد أن تنضج الظروف المواتية والتي يعمل الغرب على إنضاجها من خلال خلق الهويات المناطقية والطائفية وإبقاء الدولة الأم تعاني من الإعياء الداخلي عقودًا كي يبدأ الانهيار الكبير ويصبح التفتيت هو الحل لمرض الدولة وأزماتها، بدءًا بخيار اللامركزية أو الانفصال أو الحكم الذاتي وغيرها من خيارات التفتيت المبرمج.
وعلى امتداد أكثر من عقود طويلة لم تستطع البلدان العربية أن تبني اقتصادًا مستقلاً يؤهلها أن تتحول إلى دول مستقلة وذات سيادة، ولم تستطع أن تبني جيوشًا لحماية استقلالها وحدودها، بقدر ما بنت اتفاقات ومعاهدات مع دول استعماريّة أخرى للدفاع عن كياناتها. وباتت على يقين بأن الغرب والولايات المتحدة هم من يحمون كياناتهم.
والأخطر من ذلك أن هذه الكيانات لا تخشى الاستعمار بقدر ما تخشى ما يسمى بالشقيقات العربيات، أي من جيرانهم العرب، فتلجأ إلى طلب الحماية الدولية وفتح القواعد الأمريكية في عموم بلدانها خشية من الأشقاء. ولما اكتمل غياب الوعي العربي لديهم وانهارت يقينيات وأخلاقيات وطموحات عربية، انضمت والتحقت بعض هذه الكيانات إلى أحلاف معادية للعرب والعروبة والإسلام، وتجسّد هذا الالتحاق في حلف ما يسمى بالسلام الإبراهيمي كآخر طبعة من التحولات الاستراتيجية في العقل العربي واستقالته من التفكير في المصير والمستقبل العربي أو ال قطر ي.
ثمة عقود أو قرون قد يحتاجها العرب لصحوة تعيد مفهوم الأمة إلى مكانه الطبيعي في العقل العربي، أو قد نحتاج إلى مزيد من الخراب والحروب حتى تبدأ عملية الاستفاقة. ولا بد لنا من درس في التخريب برؤى مظفر النواب كي نعيد إنتاج نهضة عربية.

