في تطور العلاقة أو تدهورها بين الأونروا وحكومة الكيان الإسرائيلي، هناك مفارقة غريبة لكنها إلى حد ما مفهومة؛ لأنه في الوقت الذي تقوم به قوات الاحتلال بإخلاء وهدم ونسف مبانٍ تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الجراح و القدس الشرقية المحتلة، تنفيذاً لقرار الكنيست الإسرائيلي الذي اتخذه قبل عدة أشهر، والقاضي بإنهاء خدمات الأونروا في الأراضي المحتلة، وبرغم الاعتداءات المتكررة على منشآت الأونروا، وتدمير معظمها في قطاع غزة، ومنع الأونروا من إدخال المساعدات إلى المدنيين في غزة؛ تُقدم إدارة الأونروا على اتخاذ إجراءات تعسفية بحق اللاجئين الفلسطينيين، وأبرزها حذف كلمة وخارطة فلسطين من المناهج، وسعيها الدائم لتعديل هذه المناهج، بما يتماهى مع الأيديولوجيا الصهيونية التي تزعم بأنه ليس هناك فلسطين أو شعب فلسطيني؛ ما يشكل ضرباً للقضية الفلسطينية وأساسها ومحورها حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين شُردوا من أرضهم ووطنهم عقب نكبة 1948. هذا الحدث الذي يعتبر تزويراً وتحريفاً للوقائع التاريخية، والحق التاريخي الفلسطيني الذي كفلته القرارات الدولية، ومنها قرار 181 و194 و338، وقرار الأمم المتحدة مؤخراً الذي سجل اعتراف أكثر من 155 دولة بفلسطين، وما اعتبر تجاوزاً أيضاً لقرارات الاتحاد الأوروبي ومنظمات الأمم المتحدة الأخرى فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. كل هذا يتم وكأن الأونروا ليست من هذه المنظمات، والتي باتت هي بدورها مهددة بالإغلاق وإنهاء خدماتها في الأراضي المحتلة.
إن فرض قيم ومبادئ مثل "الاستقلالية والحيادية، وعدم التحيّز" لتغيير المفهوم الحقيقي لقيم العدل والمساواة وحل النزاعات فقط للتصالح والتسامح مع المحتل والتنازل عن الحق؛ إنما يعتبر خطوة مماهجة لغسل أدمغة أطفالنا، وخلق حالة من الاغتراب بين واقعهم وماضيهم، وقتل الوعي الفلسطيني، ودفعهم للقبول بالعدو الذي احتل أرضهم وشرد آباءهم وأجدادهم، ولا زال يمارس كافة أنواع القتل والإبادة. إن ما تقوم به الأونروا ليس جديداً، بل إنها ما انفكت عن المضي في هذا المخطط الذي بدأته في ستينيات القرن الماضي؛ بهدف الحيلولة دون وجود مناهج وطنية، وبرامج من شأنها تعزيز الانتماء والهوية الوطنية والتمسك بالحقوق، وتزوير وتحريف الحقائق، وقتل الأمل بالعودة إلى الديار. بيد أن معلمينا ومربينا استطاعوا مواجهة هذا المخطط بشتى الأساليب، رغم الإجراءات التعسفية التي قضت أحيانا إلى فصل البعض منهم وحرمان أسرهم من عائدات وظائفهم. ولم تقف هذه الإجراءات عند الأونروا فحسب، بل تعدّت إلى تَدخّل شريكها الاتحاد الأوروبي لصالح دولة الاحتلال في حذف موضوعات معينة تفضح جرائم الاحتلال، أو استبدالها بموضوعات أخرى ،ومثال ذلك ما تم في كتاب "لغتنا الجميلة" للصف العاشر (حذف نص مجزرة الطنطورة وتم استبداله بنص "البلاستيك صديقنا الأبيض"، حذف شعار النسر وعبارة دولة فلسطين ، ووزارة التربية والتعليم ، كما حُذف نصٌ شعري حول مجزرة دير ياسين، واستبدل بنصٍ آخر عن النميمة، وحذف درس عن الآثار الفلسطينية واستبداله بدرسٍ عن ديلا لاما زعيم البوذيين، واستُبدل درس عن جدار الفصل العنصري بدرس عن هند الحسيني). وتكراراً لذريعة العجز المالي - الناجم عن امتناع الولايات المتحدة وغيرها عن تمويل برامجها – اقدمت الأونروا في جميع مناطق عملياتها على اتخاذ إجراءات تعسفية منها تخفيض ساعات الدوام على حساب الطلاب ورواتب الموظفين، وترافق هذا مع حسم 20% من راتب الموظف المحلي وليس راتب الموظف الدولي. ويُذكر هنا أن هؤلاء الموظفين الدوليين يقيمون في فنادق خمس نجوم سواء في سوريا أو لبنان أو في مصر. كما تم فصل نحو (575) موظفاً من غزة كانوا قد اضطروا للمغادرة إلى مصر بسبب ظروف الحرب، وخصخصة قسم الأمن والحراسة في إقليم الأردن؛ ما يعني إلغاء عدد من الوظائف، وإلغاء تثبيت الموظفين العاملين بعقودٍ غير دائمة، إضافة إلى وقف التوظيف وتحويل العقود من ثلاث سنوات إلى سنة، وعدم دفع بدل المخاطر لموظفي غزة.
إن نتائج كل هذه الإجراءات والإجراءات التقشفية - التي وعد بها المفوض فيليب لازاريني المنتهية ولايته - ستنعكس على تماسك الأسرة الفلسطينية، وحرمان أبنائنا من فرص التعلم والخدمات الصحية والاجتماعية، وانعكاس ذلك سلباً على حياة اللاجئين ومستقبلهم. ولقد وضعت هذه الإجراءات اتحادات العاملين في وكالة الغوث (الأونروا) أمام مجابهة مع إدارة الأونروا؛ والتي اتخذت أشكالاً مختلفة من الاعتصامات والاحتجاجات، إلى التهديد بالإضراب العام المفتوح. إن مثل هذه القرارات والإجراءات الجائرة لا تنحصر في مسألة تقليص خدمات الأونروا الإنسانية والإغاثية للاجئين الفلسطينيين؛ بل تهدف إلى إنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم بالعودة كما نص عليه القرار (194) الأممي، وبالتالي تفريغها من بعدها القانوني والسياسي والوطني وحصره بالبعد الإغاثي والخدمي والإنساني.
إن اكتفاء الأونروا بالتنديد والاستنكار لما تقوم به قوات الاحتلال من هدم لمقراتها وتدمير أجزاء واسعة من المخيمات التي تعتبر رمزاً وطنياً للهوية الفلسطينية، وخزان اللاجئين الذين ينتظرون العودة إلى ديارهم إضافةً إلى نزع صفة "المخيم" وتحويله إلى "حي" يعني إنهاء هذا الشاهد على نكبة فلسطين، ويعني شطب صفة اللاجئين عن سكانه تمهيداً لتوطينهم وإذابتهم مع السكان المحليين في الدول المضيفة ، كل هذا يدفعنا للقول إن إدارة الأونروا ليست إلا شريكا في المخطط الاسرائيلي الأمريكي؛ الهادف إلى محو الذاكرة والرمزية الفلسطينية، وتزوير الحقائق التاريخية للسردية الفلسطينية ، وغسل أدمغة أطفالنا ، ويمثل أيضا تراجعاً حقيقياً عن ولايتها التي أقرها قرار(٣٠٢) الصادر عن الأمم المتحدة ، وانتهاكاً جديداً للحماية القانونية والإنسانية والجسدية، التي لم تنفذ منذ إقرارها في الخمسين من القرن الماضي، بهدف فرض واقعٍ سياسيٍ وقانوني يكون بديلاً عن مسؤولية المجتمع الدولي تجاه قضية اللاجئين وحق العودة.

