نتنياهو وأركان حكومته من اليمين المتطرف بن غفير وسموتريتش وأوريت ستروك وعميحاي إلياهو وغيرهم من غلاة المتطرفين، يصفون الإعتداءات الممنهجة التي ينفذها ما يسمون أنفسهم بشباب وفتيان التلال، بأنها أعمال فردية لمجموعة من الأطفال والفتيان الفوضويين. وهي ليست نهجاً أو فعلاً موجهاً ضد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، ويجد الرعاية والحماية في المستويات الأمنية والسياسية والعسكرية والقضائية، حتى أن رئيس جهاز " الموساد" الإسرائيلي في الفترة من 2011 – 2016،تامير باردو، قال حول جرائم المستوطنين بحق الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية "بأنها تجعله يخجل من يهوديته وتذكر بما إرتكب من جرائم ابادة جماعية بحق اليهود في أوروبا الغربية"، وكذلك المعلق العسكري في صحيفة" يديعوت احرونوت" العبرية رون بن يشاي قال: "بأن ما يرتكب من جرائم بحق الشعب الفلسطيني، هي جرائم حرب وهذا يعني بأن تلك الجرائم والهجمات ليس عمليات عنف أو تعبير عن أعمال فردية، بل تعبر عن نهج موجه ومنظم، بهدف بث الرعب والخوف في صفوفهم وطردهم وتهجيرهم والسيطرة على أرضهم".
كذلك هو الحال في الفيديو الذي انتشر لأحد المستوطنين، الذي يقوم بالإعتداء على إحدى الراهبات في ساحات مدينة القدس ، أن حتى لباسها الأبيض الرامز للسلام والمحبة والإنسانية لم يشفع لها أمام ثقافة وخطاب الكراهية والحقد من أن لا يجري استهدافها والإعتداء عليها بطريقة وحشية من قبل مستوطن حاقد تربى على عدم الإعتراف بوجود الآخر واحترامه.
هذه الإعتداءات المتكررة والمتواصلة، والتي مست برموز وقيادات دينية رهبان وقساسوة ومطارنة وبطاركة وأماكن دينية من أديرة وكنائس ومقابر على ما يبدو لا تعبر عن سلوك انحرافي، بل تحول هذا الفعل الى نمط وسلوك متكرر حيث تغيب المساءلة والمحاسبة، وبما يشجع على الإستمرار في هذا السلوك.
ورجال الدين الذين يفترض أن يكونوا خارج دائرة الصراع والإستهداف، نجد أنهم يجدون أنفسهم في قلب هذا الصراع، سواء بالشتم أو البصق أو رسم رموز وخط شعارات عنصرية على جدران كنائس وأديرة، وأكثر من مرة تعرضت كنائس للحرق أو الإعتداء وكسرت شواهد قبور .
ونتذكر أنه في عام 1998،قتل في كنيسة بالشياح في مدينة القدس أحد الرهبان على خلفية عنصرية. وكذلك جرى استهداف لكنائس في طبريا وبيسان، وخلال ثلاث سنوات فقط ارتفع عدد الإعتداءات بحق رجال الدين والمؤسسات الدينية المسيحية من 89 اعتداء إلى 155 اعتداء، وهذه الأرقام تؤشر الى مدى تنامي خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض على الإستهداف.
يفترض ان تكون القدس مدينة سلام، تصان فيها حرية الأديان والعبادة ولكن ما نشاهده ونراه،عن الكثير من القيود التي تضعها حكومة الإحتلال، على حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة، وخاصة الإنتهاكات التي لا تتوقف بحق الأقصى والقيامة. ويكفي أن نذكر بما يجري من استباحات وطقوس تلمودية وتوراتية ورقص وغناء ورفع أعلام اسرائيلية في ساحات المسجد الأقصى، والقيود المشددة على بوابات الأٌقصى وعلى القادمين للصلاة فيه، وإبعادات عنه، لم تطل فقط رموز دينية وسياسية ونشطاء ومرابطين/ات، بل استهدف الإعلاميين وحراس وسدنة الأٌقصى، سواء بالإعتقال أو الإبعاد عن الأٌقصى.
أما في كنيسة القيامة، ففي إحياء وإقامة شعيرة أحد الشعانين، والتي تهم مئات الملايين من العالم المسيحي، فقد منع البطريرك اللاتيني باتسابيلا وعدد محدود من المصلين من إقامة تلك الشعيرة، ومن بعد ذلك شاهدنا ما تعرض له المحتفلين بسبت النور من اعتداءات وقمع وتنكيل ومنع الوصول إلى كنيسة القيامة، وحتى الكشافة لم يسلموا من تلك الإعتداءات، والتي طالت زيهم الكشفي لنزع العلم الفلسطيني عنها.
العنف المرتكب بحق رجال الدين، أو المواطنين العزل، لا يحتاج الى تبرير، يكفي أن يتكرر حتى يعتاده الناس، ولعل الإعتداء على هذه الراهبة المسالمة يؤشر إلى تداعيات خطيرة على الإستقرار في المدينة والشعور بالأمن والأمان، وخاصة بأن الإحتلال يشن حرباً شاملة على الوجود الفلسطيني في المدينة بهدف إقصائي تهويدي عنوانه أن هذه المدينة المحتلة هي عاصمة أبدية لدولة الإحتلال لا حقوق وطنية ولا سياسية فيها للشعب الفلسطيني، وهذه المدينة يراد تغيير واقعها الجغرافي والديمغرافي لصالح المستوطنين بحيث يبدو المشهد الكلي فيها يهودياً تلمودياً توراتيا مصطنع على حساب المشهد العربي- الإسلامي – المسيحي الأصيل.

