لم يعد الجولان السوري المحتل بالنسبة لإسرائيل مجرد "منطقة عازلة"، بل بات جزءاً من مقاربة أمنية جديدة بالتحوّل من خط دفاع عسكري تقليدي إلى ساحة إعادة تأهيل لتحقيق دمج ديموغرافي وبنيوي كامل، يعاد تشكيله لفرض واقع جيوسياسي غير قابل للتراجع.
ومن هذا المنطلق عملت الحكومة الإسرائيلية على إقرار خطة استيطان جديدة في مرتفعات الجولان بين عامي (2026-2030) بميزانية تبلغ (نحو 334 مليون دولار)، بالتوازي مع توقيع وزارة الدفاع الإسرائيلية عقداً بقيمة 50 مليون دولار مع شركة (4M) الأمريكية التابعة لمؤسسة (Ondas) لتطهير الشريط الحدودي من الألغام، ليمثل ذلك انتقالاً جذرياً في "العقيدة الأمنية الإسرائيلية"، وتفرض في الوقت ذاته تحديات غير مسبوقة على الأمن القومي السوري.
الهندسة الديموغرافية للجولان
تسعى إسرائيل من خلال خطتها الخمسية للتوسع الاستيطاني في الجولان بهدف إحداث ثورة ديموغرافية وبنيوية في الهيكل الاستيطاني، إذ يتركز هذا التمويل الضخم على عدة محاور أساسية:
1. تحويل مستوطنة "كتسرين" إلى المدينة الأولى في الجولان: من خلال إنهاء الطابع الريفي للمستوطنات عبر توسيع المستوطنة وتحويلها رسمياً إلى مدينة مركزية من خلال استيعاب أكثر من 3000 عائلة استيطانية جديدة بحلول عام 2030.
2. تعزيز البنية التحتية التعليمية والبحثية: من خلال التمويل إنشاء فرع ومستشفى بيطري وكليات تابعة لجامعة "كريات شمونة" داخل الجولان، لخلق جاذبية اقتصادية وأكاديمية تضمن استقراراً ديموغرافياً طويل الأمد ومستداماً للمستوطنين.
3. دمج الأراضي الزراعية والمشاريع التكنولوجية: رصد مبالغ لتطوير البنى التحتية للمستوطنات القائمة وتوسيع رقعتها الزراعية، والاعتماد على مشاريع الطاقة المتجددة (الرياح والطاقة الشمسية).
هذا التوسع ترافق مع جملة من التطورات الأخرى التي شهدها الجنوب السوري، إذ لم تعد التحركات الإسرائيلية مجرد دوريات استطلاعية فقط، بل تحولت إلى عمليات سيطرة فيزيائية وبناء بنية تحتية عسكرية دائمة داخل العمق السوري، من خلال تركيز التوغلات لإحكام السيطرة على التلال الاستراتيجية مثل "تل الأحمر الغربي"، والذي يمنح إسرائيل إشرافاً نارياً وبصرياً كاشفاً لعمق ريف القنيطرة الأوسط، إضافة لتدمير النسيج العمراني الحدودي بالقيام بعمليات تجريف وهدم للمنازل في أكثر من 23 منشأة مدنية ومنازل في قرى (الحميدية، رسم الروادي، والرفيد) الواقعة في المنطقة المنزوعة السلاح سابقاً، وتحويل محيطها إلى سواتر ترابية وخنادق، لمنع عودة السكان وتأمين حقل الرؤية للقواعد الإسرائيلية المستحدثة، مما أدى للتمركز ضمن نقاط حيوية ضمن مايعرف بمنظومة "الحزام الذكي".
بالتالي عند تفكيك السلوك العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري، نجد أن تل أبيب لا تتبع استراتيجية احتلال عسكري تقليدي (كثيف الجنود)، بل تطبق استراتيجية "الضم التدريجي عبر التمكين التكنولوجي والهندسي"، من خلال استبدال الموانع بـ "القواعد الارتكازية"، حيث أنشأ الجيش الإسرائيلي ما لا يقل عن 9 إلى 10 قواعد عسكرية ومراكز مراقبة ثابتة داخل الأراضي السورية (خارج حدود الجولان المحتل عام 1967)، هذه القواعد لا تعمل كحصون دفاعية فقط، بل كـ "نقاط ارتكاز هجومية وديناميكية" تتيح للمدرعات الإسرائيلية التدخل الفوري في أي بلدة سورية مجاورة في حال رصد أي تحرك مريب، ما يلغي حاجة إسرائيل للاحتفاظ بآلاف الجنود على مدار الساعة.
تحول العقيدة الأمنية
ترتبط الخطة الإسرائيلية أيضاً، بالعقد الذي وقعته وزارة الدفاع الإسرائيلية مع شركة (4M) الأمريكية، لإزالة الألغام الحدودية لنحو 3 كيلومتر مربع في المنطقة العازلة ضمن اتفاقية 1974 على الحدود السورية، هذا العقد يحمل في طياته دلالات تتجاوز البُعد الإنساني التقليدي لتطهير الأراضي، والاستعانة بشركة أمريكية يمنح العمل شرعية فنية وتغطية دولية، ويقلل من وطأة الانتقادات القانونية الدولية حول التصرف في أراضٍ محتلة، حيث تدرج إسرائيل هذه العمليات تحت لافتة تأمين الحدود وتطوير البنية التحتية المدنية، ويرتبط بإزالة العوائق البرية أمام أية عملية.
هذا يعكس تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية من "الدفاع المرن" إلى "الضم الهجومي"، إذ ارتكزت العقيدة على مفهوم الدفاع المرن العميق، حيث صُنفت المنطقة عسكرياً كخط صد ومراقبة وحقول ألغام واسعة لعرقلة أي تقدم بري مدرع من جهة دمشق، إلا أن التطورات الأخيرة تكشف عن تحول العقيدة الإسرائيلية نحو "الضم الهجومي المستدام"، ويظهر هذا التحول في شقين:
1. تحويل الجدار الأمني إلى بيئة استثمارية وسكانية: إن إزالة الألغام من الشريط الحدودي لا تعني تفكيك الدفاعات، بل إعادة صياغتها باستبدالها بـ "دفاعات ذكية عريضة" (مسيرات، مجسات استشعار، جدران فيزيائية متطورة، وتوغل مدرع موضعي مثلما حدث في مناطق درعا والقنيطرة لإنشاء مناطق عازلة).
2. استغلال الانكشاف الاستراتيجي السوري: إذ أن تفكك المؤسسة العسكرية السورية السابقة وتراجع القدرة التقليدية على تنفيذ الهجمات منح تل أبيب نافذة تاريخية لتفكيك منظومات الموانع القديمة.
يمثل الترابط بين التوسع الديموغرافي ونزع الألغام خطراً كبيراً على الأمن القومي السوري على المديين المتوسط والبعيد، إذ يؤدي إلى وجود حزام استيطاني ديموغرافي كثيف ومطهّر تكنولوجياً عند الحدود يجعل من أي محاولة للاختراق أو شن عمليات استنزاف محاطة برصد تكنولوجي فائق، ويحول أي مواجهة إلى مساس مباشر بـ "مدنيين إسرائيليين" في نظر المجتمع الدولي، مما يمنح إسرائيل مبرراً لشن ضربات تدميرية واسعة في العمق السوري.
إضافة لذلك قضم الأراضي وإنشاء "المناطق العازلة المتقدمة"، حيث ترافق نزع الألغام مع توغلات جرافات الجيش الإسرائيلي في مناطق بين درعا والقنيطرة، يهدف إلى إعادة ترسيم الحدود جغرافياً وأمنياً، وفرض حظر حركة على الجانب السوري، مما يفقد دمشق سيادتها الفعلية على شريطها الحدودي، كما أن تحويل الجولان إلى تجمع مدني يضم مدناً كبرى (كتسرين) وفروعاً جامعية، يهدف إلى إقناع المجتمع الدولي والبيئة الإسرائيلية الداخلية بأن الجولان بات جزءاً لا يتجزأ من الدولة العبرية كتل أبيب وحيفا، وبالتالي إسقاط صيغة "الأرض مقابل السلام" تاريخياً وقانونياً.
هندسة العزل الأمني جنوباً
تستغل إسرائيل مرحلة الانتقال السياسي في دمشق وحالة إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية لفرض قواعد جديدة، فرغم عدم صدور أي تهديدات عسكرية من الإدارة السورية الحالية، إلا أن إسرائيل ترد على أي تحرك سياسي أو سيادي سوري باستعراض القوة الميدانية، على سبيل المثال فور صدور المرسوم الجمركي السوري بمقاطعة البضائع الإسرائيلية، رد الجيش الإسرائيلي بقصف مدفعي على محيط بلدة "طرنجة" وتكثيف عمليات المداهمة، لبعث رسالة مفادها أن الحدود الأمنية باتت تحت سيطرة تل أبيب، وأي محاولة سورية لفرض السيادة القانونية ستقابل بالتصعيد الميداني.
كما تخلق هذه الاستراتيجية واقعاً جيوسياسياً شديد التعقيد يفرض التحديات التالية على الأمن السوري، بتحويل السيادة السورية إلى سيادة منقوصة فعلياً، عبر نقل الحدود بحكم الأمر الواقع إلى عمق الأراضي السورية (خلف الخط الأصفر)، تحرم إسرائيل الدولة السورية من السيطرة على حزامها الزراعي والاقتصادي في ريفي القنيطرة ودرعا.
إن المخطط الإسرائيلي في الجولان والجنوب السوري المتزامن مع توسع التوغلات وتفكيك حقول الألغام التقليدية، يهدف إلى إيجاد وقائع جديدة ضمن بيئة متغيرة يتم استغلالها لتحقيق التوسع، باستغلال الانكشاف الاستراتيجي الحالي لدمشق، مما يتطلب من صانع القرار السوري بناء استراتيجية مضادة تعتمد على التمسك بالقانون الدولي وتثبيت السكان المحليين في قراهم لمنع إفراغ المنطقة جغرافياً.

