Menu

من النكبة إلى طوفان الأقصى: فلسطين بين رسوخ الوجدان الشعبي وتذبذب المواقف الرسمية

د. وائل الزريعي

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

إن الجغرافيا السياسية ل فلسطين تفرض نفسها على خريطة الأمن القومي العربي، كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، فلا يمكن تجاهل الأهمية الجغرافية، و التاريخية، و الحضارية لفلسطين، كجسر واصل بين جناحي المنطقة العربية، كما لا يمكن تجاهل الدور الذي يلعبه الكيان الصهيوني كسكين مغروس في خاصرة الجسد العربي ، وهي المهمة المكلف بها منذ صناعته كقاعدة إمبريالية متقدمة لإحباط أي محاولة نهوض أو تكامل بين دول المنطقة، من خلال السيطرة على الموارد الاستراتيجية العربية من موارد المياه في سوريا ولبنان، إلى الممرات البحرية في المنطقة العربية، وصولاً إلى السيطرة على موارد الطاقة المكتشفة حديثاً كغاز شرق المتوسط. بسقوط فلسطين سقط الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما تؤكده الأحداث على مدار 78 عاماً من النكبة، فالكيان الصهيوني يزداد غطرسة، وعبثاً بأمن الدول العربية ومواردها واستقرارها، ورغم محاولة الأنظمة العربية إغماض أعينها، وإنكار تغول المشروع الصهيوني وتمدده، فإن الحقيقة جلية كالشمس، فكل محاولة لتجاهل خطورة وجود الكيان الصهيوني في المنطقة والتعايش معه، وهم استراتيجي وخيانة للجغرافيا والتاريخ. فاستعادة فلسطين لا تعني فقط رد الحق لأصحابه، لكن رأب الصدع في جدار الأمن القومي العربي، وإعادة امتلاك العرب للسيادة على مواردهم. منذ النكبة عرف الموقف الرسمي والشعبي العربي تفاوتاً في المواقف من مركزية القضية الفلسطينية، يمكن تقسيم هذا التباين إلى خمس مراحل تاريخية:

المرحلة الأولى يمكننا أن نسميها مرحلة الصدمة، وهي المرحلة الممتدة من النكبة إلى النكسة، مع سيطرة الكيان الصهيوني على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وصولاً إلى السيطرة على أراضي دول عربية محيطة، حيث عرفت هذه المرحلة رفع شعار قومية القضية الفلسطينية من النظام الرسمي العربي، في تناغم تام مع الموقف الشعبي العربي، وهي مرحلة شكلت فيها فلسطين إحدى ثوابت الوجدان والوعي العربي ليس بوصفها مجرد صراع إقليمي على أرض محتلة، بل لكونها عنواناً للدفاع عن الهوية والكرامة العربية. أما المرحلة الثانية فهي الفترة من النكسة إلى حرب أكتوبر، حيث رُفِع شعار إزالة آثار العدوان، وسط انسجام بين الموقف الرسمي والشعبي العربي على مركزية القضية الفلسطينية ومحوريتها في المواجهة مع قوى الاستعمار. ثم المرحلة الثالثة، وهي بداية التسويات والانقسام التي بدأت بخروج مصر من دائرة الصراع مع الكيان الصهيوني، ولعلها أول وأخطر ضربة لمركزية القضية الفلسطينية، لما سببته من انقسام رسمي عربي بين دول رافضة لوجود الكيان ودول وقعت اتفاقيات تعترف بوجوده، وهو ما انعكس أيضاً على الشارع العربي، وأحدث تباينات حول الموقف من الكيان الصهيوني، وعلى الرغم من تشكل موقف شعبي رافض للتطبيع بعد اتفاقية كامب ديفيد، لكنه لم يستطع إحداث تغيير في السياسات الرسمية، لتتحول القضية الفلسطينية تدريجياً إلى قضية الشعب الفلسطيني بدلاً من قضية العرب المركزية، ليأتي اتفاق أوسلو كعنوان لمرحلة تكرس اعتبار القضية الفلسطينية (قضية الفلسطينيين)، فدخلت القضية الفلسطينية مرحلة التهميش، وتراجع الموقف الشعبي لصالح الهموم الداخلية، وليكون ذروة ذلك مرحلة الهرولة نحو التطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني، فيما يعرف بالاتفاقيات الإبراهيمية. لكن رغم تذبذب المواقف السياسية الرسمية، والهموم الاقتصادية والاجتماعية بقيت قضية فلسطين كالجمرة تحت هذا الرماد في الوجدان العربي، ورغم محاولات التهميش والتطبيع والتسويات الجزئية، ومحاولات التغييب من الأنظمة الرسمية العربية بقيت فلسطين حية ومؤثرة في الشارع العربي، ليكون طوفان الأقصى المعول الذي هدم جدار الصمت الذي بنته الأنظمة الرسمية حول القضية الفلسطينية، وليفجر بركاناً كان خامداً تحت رماد التطبيع، في لحظة عاش فيها الإنسان العربي استعادة الكرامة مع مشاهد كسر هيبة الكيان الصهيوني، لكن العدوان الأخير على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر سلط الضوء على الحجم الحقيقي للفجوة بين الموقفين الرسمي والشعبي من مركزية القضية الفلسطينية، حيث لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً هاماً في تجاوز السردية الرسمية العربية عن العدوان على قطاع غزة، فرغم سيطرة الخوارزميات التي تروج لرواية الاحتلال على محتواها، إلا أن ما يبث من صور وفيديوهات من داخل القطاع كان كفيلاً بكسر الصورة التي كان الإعلام الرسمي العربي يروجها عن القضية الفلسطينية، لتتحول هذه المنصات إلى أداة إعلامية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي العربي، بما أظهرته من فجوة بين ما يتداول في الفضائيات الرسمية، وحقيقة ما يشاهده المواطن العربي عبر هاتفه.

ولعل المؤشرات الكمية والنوعية لاستطلاعات الرأي المختلفة أبلغ دليل على ما أحدثه الطوفان من نفض للغبار عن صورة فلسطين في الوجدان العربي. ففي استطلاع لأحد مراكز الدراسات العربية في 16 دولة عربية، بلغت نسبة تعبير المواطنين العرب الذين أعربوا عن احساسهم بالغضب والقهر والإحباط بسبب مشاهد العدوان على قطاع غزة 97%. كما تجاوزت نسبة التضامن التام مع الشعب الفلسطيني 92%. ربما يتساءل البعض عن ترجمة هذه الأرقام في الشارع، وأنها ليست بمستوى الأثر النفسي من حيث الفعل، لكن ذلك يمكن إرجاعه للقيود الرسمية المفروضة في بعض الدول على التظاهر، ورغم القيود المفروضة، و تضليل الإعلام الرسمي في بعض الدول فقد سُجّل ارتفاع في التأييد للمقاومة الفلسطينية باعتبارها حقاً مشروعاً بنسبة بلغت 67%، مع ارتفاع في نسبة الاستياء من موقف الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الغربية كفرنسا وألمانيا وبريطانيا بسبب التواطؤ الواضح مع الكيان الصهيوني. وهو ما كشف عنه مؤشر الرأي العربي لعام 2025، كأحد أهم استطلاعات الرأي العام في المنطقة العربية، عن إجماع شعبي لافت على مركزية القضية الفلسطينية، واعتبار قضية فلسطين هي قضية جميع العرب، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم بنسبة بلغت 80%، حيث سجلت كل من الأردن وتونس والجزائر والكويت أعلى نسبة تأييد شعبي متجاوزة 90%. وربما أبلغ تعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، هو حملات المقاطعة بالأخص في مصر ودول الخليج، والتي تسببت في إغلاق مقرات العديد من العلامات التجارية المتواطئة مع الكيان، وخروجها من السوق العربي، ومحاولة بعضها إعادة ترميم صورتها في الشارع العربي حفاظاً على مكاسبها الاقتصادية. مما يذكّر بحالة مشابهة من المقاطعة للشركات الداعمة للاحتلال خلال فترة الانتفاضة الأولى، وهو ما دفع شركات دولية لتعديل سلوكها تحت ضغط الإجماع الشعبي، إلا أن الحالة الراهنة أكثر شمولاً وأعمق تأثيراً بفضل امتداد الفعل الشعبي إلى الفضاء الرقمي، وتعدد أدوات المقاطعة. كما ارتفع معدل الرفض الشعبي للتطبيع مع الكيان إلى 87 %، ولعل ذلك ساهم في تعطيل مشاريع التطبيع الرسمية بشكل مؤقت. لكن على النقيض من الموقف الشعبي، كانت المواقف الرسمية باهتة من العدوان على غزة، و لعل حالة الغضب في الشارع هي ما دفعت بعض الانظمة لتعديل مواقفها السياسية الرسمية استجابة لصوت الشارع، الذي اصبح ينظر لها كجزء من المؤامرة على الشعب الفلسطيني. أما استطلاعات مراكز الدراسات الغربية فهي تصل لنتائج مشابهة. فيشير مشروع الباروميتر العربي، و هو أحد المشاريع البحثية الهامة لجامعة بريستون بالولايات المتحدة إلى أن نسبة 80 % من المواطنين العرب يعتبرون فلسطين قضية الجميع، اما معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى فيرصد في عينة إحصائية عن الرأي العام في مصر أن 97 % من المصريين يطالبون بموقف عربي صارم من الكيان الصهيوني، و يحذر المركز الأوروبي للسياسات الخارجية، و هو مركز يركز على السياسة الاوروبية، والأمن من أن ازدواجية المعايير الاوروبية تجاه القضية الفلسطينية قد دمرت صورة أوروبا في العالم العربي. أما مراكز الأبحاث التابعة للكيان الصهيوني فهي أيضا لا تغفل هذا العنوان، فقد حذر معهد دراسات الامن القومي من معضلة دول الخليج العالقة بين البراغماتية السياسية والغضب الشعبي المتصاعد بسبب الاوضاع في فلسطين، فيما يرى مركز القدس للشؤون العامة أن غضب الشارع العربي يرفع من كلفة التطبيع، ويعزز الرواية الفلسطينية، وتتفق مراكز الأبحاث في الكيان الصهيوني على اعتبار الرأي العام العربي تهديدا استراتيجيا للتطبيع لكونه قوة خفية تقيد خيارات الحكومات المنخرطة في بناء وتطوير العلاقات مع الكيان الصهيوني.

فبالنظر للمؤشرات المختلفة يمكننا أن نصل لإجابة واضحة حول مركزية القضية الفلسطينية، ملخصها أن هناك انسجاماً شبه تام بين مواقف الشعوب العربية تجاه القضية الفلسطينية، ورفضاً لكافة أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، لكن هذا الموقف يقابله موقف رسمي متذبذب، مما يعكس حجم الفجوة بين تطلعات الشعوب وسياسات الدول. يوم السابع من أكتوبر استطاع الفدائي إخراج القضية من خانة انتظار الحلول الدولية إلى دائرة الفعل الفلسطيني، كما كان لصمود الشعب الفلسطيني الفضل في تصويب البوصلة الأخلاقية للشارع العربي، وتأجيج جذوة القضية الفلسطينية في وجدان الشعوب العربية. ربما لم يغير الطوفان ميزان القوى لكنه قلب ميزان الوعي في الشارع العربي، لكن حالة الوعي التي تشكلت خلال العدوان الأخير على قطاع غزة لن يكتمل أثرها ما لم تتحول إلى ضغط سياسي منظم، وإلى مقاطعة اقتصادية مؤسسة، وإلى خطاب إعلامي بديل؛ فإما أن تكون هذه الحالة الوجدانية قوة دافعة حقيقية، أو تظل لهيباً تحت الرماد، فالتحدي اليوم ليس في إثبات مركزية القضية الفلسطينية، فذلك حقيقة راسخة، لكن المطلوب هو تحويل هذا الإجماع الشعبي إلى حالة استنهاض جماعي، تواجه عدواً يتربص بالأمة من المحيط إلى الخليج.