Menu

استنساخ البراق: كيف تبني الصهيونية جيوباً سيادية عابرة للقارات؟

نبال عمر

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

تعيش الأيديولوجية الصهيونية الحاكمة في تل أبيب في هذه المرحلة أدق أزماتها البنيوية، إذ لم يعد الشرخ والمأزق محصورين في حدود الجغرافيا المحتلة في فلسطين، بل تمددت شظاياه البنيوية لتصنع ظاهرة استعمارية واستخباراتية هجينة عابرة للقارات.

فخلف واجهات السياحة الدينية، وشعارات التسامح البيروقراطي، والاتفاقيات الأمنية، يقود تيار اليمين الديني المتطرف وحركة حباد الاستخباراتية الهيكل، مخططاً صامتاً وممنهجاً لإعادة هندسة الفضاء العام وبناء جيوب سيادية موازية في أقاليم متباعدة جغرافيّاً تشمل المغرب، وتايلاند، والفلبين.

إن هذا السلوك لا يمثل مجرد ممارسات تعبدية عابرة للحدود، بل هو كتالوج استعماري موحد يهدف إلى فرض السردية الراديكالية عبر استنساخ طقوس حائط البراق في عمق العواصم والمدن العالمية، مستغلاً حاجة تلك الدول ونقاط ضعفها السياسية والاقتصادية، مما ينتج تصدعات بنيوية مروعة ترتد بشكل مباشر على العمق والنفسية السياسية للداخل الإسرائيلي المأزوم.

ويتجلى هذا المخطط الاستراتيجي بوضوح في المحطة المغربية التي تمثل البُعد الأكثر حساسية وجدلاً في هذه المنظومة، حيث عمدت المجموعات الإسرائيلية الوافدة إلى أداء صلوات تلمودية علنية مكثفة، تشمل البكاء ومسح الأجساد، أمام سور باب دكالة التاريخي في قلب مدينة مراكش، بدلاً من الالتزام بالمزارات التاريخية المغلقة والمقابر اليهودية القديمة. وتكمن الخطورة الاستراتيجية هنا في نقل سردية الحائط والتباكي إلى معلم إسلامي وتاريخي أصيل لا علاقة له بالرواية الصهيونية، مستغلين في ذلك ثغرة الالتزام السياسي والاضطرار لحماية مسار التطبيع كدرع يمنع البيروقراطية المحلية من لجم هذه التجاوزات البصرية، حيث يسيرون وفق ذات التكتيك التدرجي الذي طُبِّق تاريخياً في القدس ؛ فيبدأ الأمر بفرض طقس عابر، يتلوه استغلال الاتفاقيات الرسمية لمنع تدخل السلطات، وصولاً إلى المطالبة اللاحقة بفرض واقع إداري وحماية أمنية خاصة للمصلين، وهو ما يعني عملياً قضم السيادة الوطنية المغربية وصناعة معزل أمني وسياسي يخضع لإدارة غير مباشرة من تل أبيب.

أما في جنوب شرق آسيا، وتحديداً في الجزر السياحية الشهيرة لتايلاند مثل كوه ساموي وبونغ تاو في مقاطعة بوكيت، فيأخذ المشروع طابعاً استيطانياً وتنظيمياً بالغ الخطورة تديره حركة حباد الدينية عبر شبكة واسعة تجاوزت دور الضيافة التقليدية لتتحول إلى مستوطنات رقمية ومجتمعات مغلقة بالكامل يمارس فيها آلاف الإسرائيليين طقوساً جماعية على الشواطئ تحاكي تماماً التجمعات عند حائط البراق. وتستغل الحركة في تايلاند ثغرة الرخاوة الإدارية والأمنية في الأطراف، والقدرة على شراء الولاءات المحلية والبلدية بالمال لتشييد منشآت أمنية واقتصادية مغلقة، حيث فرضت هذه المراكز منظومة أمنية مستقلة مسلحة وقامت بفرض شروط الطعام الحلال وفق الشريعة اليهودية على المتاجر والمطاعم المحيطة عبر سلاسل إمداد موازية، مستفيدة من رؤوس أموال ضخمة لشراء منشآت كاملة عبر واجهات محلية، مما خلق جيوباً جغرافية معزولة تعجز حكومة بانكوك المركزية عن فرض رقابتها عليها، فتحولت إلى بيئة حاضنة لمجتمع إسرائيلي موازٍ متمتع بالحصانة الفعلية.

وفي المقاطعات المحيطة بالعاصمة الفلبينية مانيلا ومناطق مثل أنخيليس، يكتمل الضلع الثالث للمصفوفة الاستعمارية مستهدفاً بيئة عقائدية محددة تستغل انتشار التيارات المسيحية الإنجيلية المتعاطفة مع السردية الصهيونية، والتي ترحب بهذه الطقوس العلنية وتعتبرها بركة دينية للمكان، مما يرفع الحرج الشعبي عن التمدد الإسرائيلي.

وتوظف حكومة نتنياهو هنا تكتيك الابتزاز الصامت مستغلة ثغرة التبعية العسكرية والاعتماد الشبه كلي لمانيلا على إسرائيل في عقود التسليح الضخمة، وأنظمة المراقبة الاستخباراتية، وتدريب القوات الخاصة لمواجهة الجماعات المسلحة في الجزر الجنوبية، وهذا الاضطرار الأمني والاقتصادي يجبر الحكومة الفلبينية على غض الطرف بالكامل عن استملاك الإسرائيليين لمعازل سكنية واقتصادية مغلقة، تُمارس فيها أشكال السيادة المنفصلة وتُثبَّت فيها رواية الحق التاريخي الرمزي العابر للحدود، مما يبرهن على أن إسرائيل تختار بعناية دولاً تعاني من ثغرات بنيوية واضحة لتمرير هذا الانقلاب الديمغرافي والثقافي الهادئ.

والفرضية الأهم التي يجب تفكيكها في هذا التحقيق، هي أن هذا التمدد الخارجي لبؤر طقوس البراق ليس مؤشراً على فائض القوة الصهيونية، بل هو الإثبات المادي والأعمق على التفتت الداخلي والنزيف البنيوي للكيان، حيث قامت الفكرة الصهيونية تاريخياً على فرضية أن فلسطين هي المكان الوحيد والآمن لجمع الشتات اليهودي، بينما تحول مجمعات تايلاند ومعازل الفلبين والمغرب إلى مستوطنات بديلة وجيوب حياة دائمة يمثل انتحاراً أيديولوجياً لهذه الفرضية.

ويتأثر الداخل الإسرائيلي المأزوم بهذا التحول عبر انهيار سردية الملاذ الوجودي الآمن وتنامي عقلية الحقائب الجاهزة كظاهرة جماعية يبحث من خلالها الشباب والمستثمرون وصناع التكنولوجيا عن توطين أنفسهم وأموالهم في تلك الملاذات البديلة هرباً من تدهور الأمان الوجودي، مما يسحب العصب البشري والاقتصادي الحيوي من الداخل الإسرائيلي ويتركه ينزف بصمت تحت وطأة التهديدات المستمرة.

كما تعمق هذه الظاهرة التصدع الكبير والشرخ الاجتماعي والطبقي بين المكونات الاجتماعية للكيان، كون الفئات الأكثر تواجداً واستقراراً في جيوب الخارج هي فئة الشباب العلماني، ورواد التكنولوجيا، والجنود الفارين أو المنشقين سراً من الخدمة العسكرية الطويلة والمستنزفة الذين يرفضون دفع ضريبة الدم وتأمين البقاء السياسي لائتلاف نتنياهو الحاكم، وهذا الهروب الجماعي يثير جنون وتخوف النخبة الدينية واليمينية المتطرفة في الداخل التي ترى في هذا السلوك خيانة للمشروع الصهيوني وإفراغاً للدولة من حمايتها البشرية، مما يرفع حدة الخطاب التخويني والتحريضي في الإعلام العبري ضد الإسرائيليين المقيمين في هذه الجيوب ويعكس صراعاً داخلياً حاداً يفقد فيه المجتمع الإسرائيلي أي حد أدنى من التجانس والتلاحم.

ويكتمل هذا الارتداد العكسي بتحول الظاهرة إلى كابوس أمني واستخباراتي وتآكل لمنظومة الردع بالنسبة لأجهزة الأمن والدوائر الاستخباراتية الإسرائيلية المتمثلة في الشاباك والموساد، كون قيام مجموعات إسرائيلية حاشدة بعزل نفسها في مقاطعات محددة في الفلبين أو جزر تايلاند وممارستهم لطقوس البراق بشكل علني وصاخب، يحولهم تلقائياً إلى أهداف رخوة شديدة الانكشاف خارج حدود السيطرة الحاضنة للدولة. وتجد المنظومة الأمنية في تل أبيب نفسها مستنزفة ومجبرة على تخصيص موارد مالية واستخباراتية هائلة وملاحقة مستمرة لشبكات التهديد العابرة للحدود لحماية هذه التجمعات المغتربة، وهذا الانكشاف الخارجي المستمر يسقط آخر ما تبقى من هيبة الردع والأمن المطلق التي طالما تباهت بها المؤسسة العسكرية والحكومية أمام جمهورها، إذ تعجز الدولة عن تأمين مواطنيها في الداخل، وتلاحقهم الأزمات والتهديدات الأمنية في ملاذاتهم المصطنعة في الخارج، مما يثبت أن استنساخ جغرافيا حائط البراق في قارات العالم هو التعبير المادي الصارخ عن مجتمع يتآكل من مركزه ويفقد إيمانه بجغرافيته الأساسية هرباً من كيان محكوم بحسابات البقاء الشخصية لرئيس حكومة يضحي بمستقبل الدولة بأكملها.

أمام هذا النزيف الصامت وعقيدة الحقائب الجاهزة، يبرز السؤال الحارق الذي يتهرب منه عقل الاستعمار في تل أبيب إذا كان أتباع اليمين المتطرف يعجزون اليوم عن حماية أيديولوجيتهم إلا باستنساخ جغرافيا البراق كمعازل مؤقتة فوق أراضي الآخرين، فهل يدرك نتنياهو أن حكومته لم تعد تصنع نصراً مطلقاً، بل تُدير بالبقر والمظاهر التلمودية مراسم التفكيك الديموغرافي الأخير لكيانٍ بات يهرب من نفسه عابراً للقارات؟