ما زالت حرب الإبادة في غزة مستمرة منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار الوهمي في مدينة شرم الشيخ المصرية في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. حيث جرت مفاوضات شكلية بين وسطاء من مصر وقطر وتركيا، والولايات المتحدة الأمريكية. بينما كانت الولايات المتحدة، وما زالت، شريكة الكيان الصهيوني في الحرب، فإن الأطراف الأخرى، التي مثلت حركة المقاومة والضحايا، ليس لها أدنى علاقة في ميدان القتال، ولم تقدم شيئاً لوقف المجازر التي كان يرتكبها العدو الصهيوني يومياً، وما زال. بل على العكس كانت تمارس ضغوطاً قوية على حركة المقاومة، من أجل تقديم التنازلات والقبول بالشروط الأمريكية الصهيونية. غير أن إطلاق النار لم يتوقف من طرف الكيان الصهيوني، ولا الاغتيالات. على العكس من ذلك، شكل المؤتمر المزعوم غطاءً دولياً لجرائم الاحتلال. اليوم، يتبين لمن يرى ويسمع في هذا العالم، أن جيش الاحتلال الصهيوني لم يلتزم بالاتفاق كما لم يلتزم بكل الاتفاقيات السابقة. بل ظل ماضياً في حرب الإبادة الجماعية بأشكال مختلفة. فلم تتوقف آلات القتل والتدمير، واستمرت الغارات والاغتيالات، واستُهدف المدنيون والنازحون في خيامهم ومستشفياتهم، وظل الحصار مستمراً على دخول المواد التموينية، والأدوية، والوقود في مشهد يُعيد إنتاج المأساة الفلسطينية تحت أنظار عالم صامت أو متواطئ. لا يُخفى على أحد أن اتفاق وقف إطلاق النار وقعت عليه أطراف أعطت ضمانات بأن الاحتلال سيلتزم بتنفيذه. لكن سرعان ما تبين أن تلك الضمانات لم تكن سوى حبر على ورق، تماماً مثل بنود الاتفاق. وأن الدول الراعية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تكتفي بالتصريحات التي تبرر للقاتل جرائمه، وتتفرج على مجازر جديدة تُرتكب بحق أطفال غزة ونسائها العزل يومياً، دون أن تحرك ساكناً. أما الدول العربية والإسلامية التي وقّعت على الاتفاق، فحدث ولا حرج، فإن الصمتَ الذي تلتزم به إنما يعبر عن تواطؤ الحكومات وموافقتها الصريحة على استمرار المجازر. لقد كان مؤتمر شرم الشيخ، خديعة استراتيجية بإخراج فولكلوري، وبحضور 31 من قادة الدول والمنظمات الدولية والإقليمية. جميع الحضور صفقوا للرئيس الأمريكي، وقالوا: إن اتفاق وقف إطلاق النار هو إنجاز رائع حققه الرئيس الأمريكي. وسوف يتم العمل خلال أيام قليلة على وضع الأسس المشتركة لإعادة إعمار قطاع غزة وضمان دخول المساعدات إلى غزة. وجرى الاتفاق على إنشاء مجلس السلام العالمي بقيادة الرئيس الأمريكي لتعزيز السلام في المنطقة والعالم، ويشرف على ملفات إعمار غزة. ربما يكتشف العالم قريباً حجم الخديعة الإستراتيجية الكبرى عندما يصبح مجلس السلام العالمي بديلاً للأمم المتحدة. غير أن المواقف التي يتخذها المجلس وأعضاؤه المعينون من قبل الرئيس الأمريكي تؤكد انحيازه الكامل للكيان الصهيوني وإضفاء الشرعية على احتلاله لقطاع غزة والبقاء فيه والاستيلاء على موارده الطبيعية، والحؤول دون عودة السكان إلى أراضيهم. ما يحدث اليوم في غزة، ليس فقط بسبب قدرات العدو الأمريكي الصهيوني، لكنه أيضاً نابع من قوة التخاذل العربي وتواطؤ بعض الأنظمة مع الكيان الصهيوني، والانقسام الفلسطيني. وينبغي القول: إن الدول التي شاركت بمؤتمر شرم الشيخ، واللقاءات التي مهدت له في واشنطن بحضور الدول العربية وبعض الدول الإسلامية، إنما كان شهادة زور من أنظمة عاجزة لا تملك حرية إعطاء الرأي، إنما فقط تنفذ ما يُملى عليها من أوامر. ولا شك أن بعض الحوادث التاريخية تتشابه في مضمونها، ولكن هنالك اختلافات في آليات عملها وتقنياتها. وما حدث في مؤتمر شرم الشيخ لا يختلف كثيراً عما حدث إبان الإضراب الكبير عام 1936 الذي استمر ستة أشهر، حيث كانت البادرة الأولى للتواطؤ العربي مع الاحتلال البريطاني آنذاك. لقد تدخل ملوك وأمراء الدول العربية في ذلك الوقت (العراق، السعودية، الأردن، واليمن) بضغط من بريطانيا لإقناع القيادات الفلسطينية بإنهاء الإضراب الشامل مقابل وعود بريطانية بتلبية مطالبهم. استجاب الفلسطينيون للنداءات العربية، إلا أن الحكومة البريطانية نكثت بوعودها فيما بعد، وأرسلت فرقاً عسكرية لقمع الثورة، بينما استمر مسلسل الهجرة اليهودية إلى فلسطين. حتى انتهى المطاف بصدور قرار تقسيم فلسطين (رقم 181)، عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، الذي نص على إنشاء دولتين يهودية وفلسطينية. قامت الدولة اليهودية على رقعة تجاوزت 55% من مساحة فلسطين التاريخية، بينما الدولة الفلسطينية لم تبصر النور بسبب التواطؤ والخيانة العربيين، وحالت الأنظمة العربية دون قيام الدولة الفلسطينية. وعلى إثر ذلك، قامت جامعة الدول العربية بإنشاء جيش الإنقاذ في كانون الأول/ ديسمبر 1947، من المتطوعين العرب من سوريا والعراق وفلسطين بقيادة الضابط فوزي القاوقجي للتدخل عسكرياً ومساعدة الفلسطينيين في مقاومة قرار التقسيم. لقد كان المقاتلون العرب مؤمنين بعدالة القضية التي تطوعوا للدفاع عنها، إلا أن الأنظمة العربية آنذاك، كما هي اليوم، كانت في المقلب الآخر، حيث التزمت تلك الدول ضمناً بقرار التقسيم. خاض جيش الإنقاذ معارك فاشلة، باستثناء بعض المعارك، وتعرض لخسائر كبيرة بسبب عدم توفير الإمدادات العسكرية اللازمة لاستمرار القتال، وقلة عدد الضباط المحترفين، وقلة عدد الجنود وضعف تدريبهم العسكري، ورداءة السلاح، وسوء التنظيم، بالإضافة إلى الخلافات السياسية العميقة بين قادة الأنظمة العربية آنذاك، والتي أدت إلى إنهاء مهمة جيش الإنقاذ وانسحابه من المدن الفلسطينية في أواخر عام 1948، بعد أن أخفق في الدفاع عن المدن الفلسطينية الرئيسة، ولم يحل دون سقوطها بأيدي اليهود. إذن، الخذلان والتواطؤ العربيان مع العدو الصهيوني ليس طارئاً ولا عرضياً، بل هو سمة راسخة في تعامل بعض الحكومات العربية الرسمية مع فلسطين منذ أمد بعيد. لقد أدى تخاذل الأنظمة العربية إلى ضياع فلسطين بالكامل في نهاية عام 1948، وتعرض الشعب الفلسطيني إلى نكبة غير مسبوقة حولته إلى شعب من اللاجئين المشردين في الدول العربية المجاورة. لقد بينت تلك الأحداث الأليمة أن فشل الأنظمة العربية في الدفاع عن فلسطين، وحماية أراضيها من عدوان العصابات الصهيونية، يعود إلى خضوعها الكامل للقوى الاستعمارية والتزامها بتنفيذ مخططاتها. وفي حزيران 1967، انكشفت الحقيقة المرة مرة أخرى. حيث تعرضت الدول العربية إلى هزيمة مدوية في ستة أيام فقط، بسبب فساد الجيوش والأنظمة السياسية. لقد ضاعت على إثر هذه الهزيمة الضفة الغربية وقطاع غزة وصحراء سيناء وهضبة الجولان، بالإضافة إلى أراضٍ في لبنان والأردن. وما زالت الاتهامات بالخيانة تلاحق الكثيرين من القادة العسكريين والسياسيين الذين اتُهموا بالتسبب في هذه الهزيمة. وفي مؤتمر القمة العربية بالخرطوم (آب/ أغسطس 1967) الذي أعقب النكسة، رفعت شعارات مدوية مثل لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع الكيان الصهيوني، وإزالة آثار العدوان من الأراضي العربية، والتمسك بحق الشعب الفلسطيني في وطنه، وسرعة تصفية القواعد الأجنبية في الدول العربية. لكنها كانت مجرد شعارات جوفاء، سرعان ما جف حبرها. وهكذا، فإن الخيانة لم تكن مقتصرة على الحروب فقط، بل امتدت إلى معاداة المقاومة الفلسطينية نفسها ومحاصرتها. فبعد هزيمة 1967، انطلق النضال الوطني الفلسطيني ليأخذ دوره، لكن سرعان ما اصطدم بالأنظمة العربية التي رأت في المقاومة تهديداً لعروشها، وجرى إبعادها من الأردن إثر معارك أيلول الأسود الدامية عام 1970. وخلال حرب لبنان 1982، تخلت الأنظمة العربية عن المقاومة الفلسطينية التي اضطرت للخروج من بيروت إلى منافي جديدة وبعيدة. ثم جاء الرئيس السادات وألقى بلاءات الخرطوم في سلة المهملات. زار القدس في تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، واعترف بالكيان الصهيوني، وخطب في الكنيست، ووقع معه اتفاقية كامب ديفيد. وكان ذلك نقطة تحول مفصلية في التاريخ العربي. حيث أصبحت خيانة القضية الفلسطينية موقفاً وطنياً. تلك الاتفاقية قدمت اعترافاً رسمياً بالعدو الصهيوني وشرعية كيانه، وهو ما اعتبر إدانة علنية للنضال العربي ومقاومته لتحرير الأرض، وإقراراً بتخلي مصر عن دورها الرائد في مشروع التحرر العربي. ثم كرت السبحة، على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وصارت الانظمة العربية تروج للتطبيع والسلام مع الكيان الصهيوني. ثم جاء مؤتمر مدريد للسلام المزعوم (1991)، الذي مهد الطريق لاتفاق أوسلو المشؤوم (1993) حيث قدمت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بدعم قوي من ذات الأنظمة العربية تنازلات مجانية عن حقوق الشعب الفلسطيني مقابل أوهام سرعان ما تبخرت في الهواء. ويُعد هذا الاتفاق نقطة تحول مصيرية في تاريخ الشعب الفلسطيني، حيث تم الاعتراف بالكيان الصهيوني على نحو 78% من مساحة فلسطين التاريخية، وحوّل ما تبقى إلى كانتونات منعزلة تحت الاحتلال، وجعل من السلطة البائسة أداة أمنية تلاحق المناضلين. ثم تتابعت بعد ذلك الاتفاقات الثنائية بين الكيان الصهيوني ودول عربية، مثل اتفاق وادي عربة مع الأردن (1994)، واتفاقات التطبيع الإماراتية والبحرينية والمغربية (2020). أما الجامعة العربية، فحدث ولا حرج، لقد تحولت إلى أداة للتغطية على التقاعس العربي وإدارة الصراعات العربية الثنائية ضد حركات المقاومة. وصارت أداة لتدمير الدول العربية الرئيسة من العراق إلى ليبيا إلى سوريا. ففي حرب غزة 2023، كانت بيانات الجامعة العربية لا تتجاوز الإدانة الشفوية الخجولة، بينما كانت تساوي بين القاتل والقتيل، وتوجه الإدانات إلى المقاومة والكيان الصهيوني معاً بصورة مخجلة، لم ترقَ إلى مستوى بعض الدول في أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا وبعض الدول الأوروبية. وفي العقدين الأخيرين، قامت بعض الأنظمة العربية بتصنيف المقاومة في فلسطين ولبنان بالإرهاب وإدانتها، وطالبت بنزع سلاح المقاومة تحت عناوين مختلفة. لقد تجلى الخذلان العربي بأبشع صوره خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة التي بدأت في تشرين الأول 2023. بعض الدول العربية أقفلت معابرها بوجه المساعدات الإنسانية، ومنعت دخولها بطلب أمريكي وصهيوني. أما باقي الدول فلاذت بالصمت أو الإدانات الخجولة، بينما كانت الجامعات والمدن في أنحاء العالم تتظاهر وتحتج ضد الإبادة الشاملة وذبح الأطفال في غزة. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الخذلان العربي لفلسطين ليست مسألة ظرفية أو موقفاً عابراً، بل هو سياسة ثابتة للأنظمة العربية في تعاملها مع القضية الفلسطينية. التاريخ سوف يسجل هذه المواقف، كما سجل أن فلسطين بقيت عصية على الخيانة، وأن الشعب الفلسطيني ظل صامداً فوق أرضه رغم كل الخذلان. المطلوب اليوم هو الاعتراف بهذه الحقيقة المريرة: لا خلاص إلا بالاعتماد على الذات والتمسك بالوحدة الوطنية وتفعيل المقاومة بكل أشكالها، بعيداً عن أوهام الدعم العربي الرسمي الذي أثبت مراراً أنه سراب. إن الانقسامات الداخلية هي أكبر خدمة تقدم للاحتلال، فهي تشتت الجهود وتضعف المقاومة وتفتح أبواب الاختراق الأمني والسياسي. لذلك، ينبغي العمل على تجاوز الخلافات الضيقة وتشكيل قيادة وطنية موحدة، قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية في مواجهة العدو، وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وإصلاحها بما يعكس إرادة المقاومة وليس إرادة التفاوض العقيم. إن الوحدة الوطنية ليست شعاراً يرفع في المؤتمرات فقط، بل برنامج عمل يعبر عن تطلعات الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال، ويشمل كل أبناء الشعب الفلسطيني بغض النظر عن انتماءاتهم وأماكن تواجدهم.

