قبل فترة قصيرة أعلن عن تشكيل ما يسمى بالوقف الهاشمي، في لقاءات ضمت مجموعة من الشخصيات المقدسية ومن ضمنها عدد من أعضاء مجلس الأوقاف مع سمو الأمير حسن، وقبل الغوص في هذا الجسم المشكل، لا بد من القول بأن هذه المقالة لا تستهدف الإساءة لأحد أو الطعن في وطنية وانتماء أحد بقدر ما هي تسعى إلى القول بأن ما يتعرض له المسجد الأقصى من خطوات تهويدية نوعية وفي ظل الاستهداف المباشر لدائرة الأوقاف الإٍسلامية ودورها في الإشراف الإداري على المسجد الأقصى والذي لمسنا مع إغلاق المسجد الأقصى في شهر رمضان الفضيل، الذي استمر لمدة اربعين يوما بأن واحد من أهدافه استهداف الركيزة الإدارية للمسجد الأٌقصى، عبر ممارسة ضغوط كبيرة على إدارة ومجلس الأوقاف الإسلامية من أجل إضعاف دورها في البداية تمهيدا لتحييده وشطبه بشكل نهائي في نهاية المطاف.
عمدت شرطة الإحتلال إلى إبعاد أكثر من 49 من حراس وموظفي المسجد الأقصى بالإضافة إلى تحويل اثنان من حراسه للإعتقال الإداري، وكذلك مُنعت إدارة الأوقاف من القيام بالتحضيرات الإدارية واللوجستية لاستقبال شهر رمضان الفضيل كما ومُنعت من إدخال وجبات الإفطار للصائمين ووجبات السحور للحراس وبدا واضحاً بأن استهداف إدارة الأوقاف الإسلامية هو استهداف مباشر للوصاية الأردنية والتي بات مطلوب من قبل الجماعات التلمودية والتوراتية المستظلة بغطاء رسمي من الحكومة والمؤسستين الأمنية والسياسية إلغائها وفرض سيادة يهودية على الأقصى تبدأ بتفكيك صامت للوضع الديني والقانوني والتاريخي والدولي للأٌقصى، من خلال الإنتقال من إدارة الصراع حوله إلى حسمه بشكل نهائي عبر إعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه بأدوات قانونية وأمنية. وفي هذا الصدد نود أن نشير بأن المخاطر المحدقة بالمسجد الأقصى تصاعدت بشكل كبير، وخاصة بعد استهداف البنيتين الإدارية والإعلامية للأقصى والسعي الى نزع الطابع التعليمي والاجتماعي عنه وإقرار قوانين وتشريعات تهدف لنزع القدس ية عن ساحاته وإجراء تغيرات تهويدية كبرى في وضعه ووضع حائط البراق.
وحسب التقرير الصادر عن مؤسسة القدس الدولية والتي مقرها في بيروت بتاريخ 8/6/2026 ،فقد حذرت من تصعيد شرطة الاحتلال الإسرائيلي لسياسة تفريغ المعالم والمرافق التابعة للمسجد الأقصى المبارك، مشيرة إلى أن هذه الخطوات تمهد لفرض شرطة الاحتلال سيطرتها كـ"إدارة أمر واقع" بدلاً من دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية.
وقالت المؤسسة في بيان لها "إنّ سلطات الاحتلال تستخدم ذرائع أمنية مختلقة لاقتحام تلك المرافق، حيث تعمد إلى كسر أقفالها، وتمنع إعادة تركيب بديل لها، وتتركها مفتوحة مع ملاحقة وطرد كل من يحاول الدخول إليها، بدعوى استخدامها في أعمال مخلة بالأمن".
وأوضح البيان أنّ "هذا الإجراء التدريجي يشبه إلى حد كبير السياسة التي فُرضت على مصلى باب الرحمة على مدار 16 عاماً (بين عامي 2003 و2019)، بهدف قضم هذه المعالم وتعطيل أقسام الأوقاف العاملة فيها".
وبحسب المؤسسة، طالت هذه الهجمة الممنهجة أربعة مرافق كانت تُستخدم كمقرات إدارية للأوقاف الإسلامية، وهي موزعة في زوايا المسجد الأقصى، وهي: قبة موسى الواقعة في الساحة الجنوبية الغربية للمسجد بموازاة باب السلسلة، وهي أحدث المرافق المستهدفة، وقبة الإمام الغزالي الموجودة فوق سطح مصلى باب الرحمة، ودار الحديث الشريف في الجهة الشمالية الشرقية للمسجد الأقصى، بين باب الرحمة وباب الأسباط، وقبة سليمان في الساحة الشمالية للمسجد مقابل باب الملك فيصل.
وأشارت إلى أنّ "اختيار هذه المرافق الأربعة في زوايا المسجد الأقصى "لم يأتِ عبثاً"، بل يندرج ضمن خطة للسيطرة الشاملة على مرافق المسجد".
مع تصاعد الهجمة التهويدية على الأقصى بدأت الحكومة الأردنية تستشعر خطر جدي على هوية المسجد الأٌقصى وإسلاميته.
الأردن باتت على قناعة بأنها لوحدها غير قادرة على لجم هذه المشاريع والمخططات التهويدية المستهدفة لوصايتها على الأقصى وخصوصا في ظل حالة الضعف والإنهيار العربي والإسلامي الرسمي وفي ظل تساوق بعض الأطراف العربية في مشروع تحويل الأقصى إلى مكان مقدس للأديان الثلاثة ولذلك لجأت إلى تعويم هذه الوصاية عبر إشراك أطراف عربية وإسلامية في التصدي لهذه المشاريع والمخططات التهويدية ولكن تلك الأطراف التي لجأ لديها الأردن هي غير مستعدة لتوظيف المصالح في خدمة السياسة ولذلك مواقفها لا تخرج عن دائرة الإسطوانة واللازمة العربية والإسلامية نشجب ونستنكر وندين ونطالب المجتمع الدولي بالإضطلاع بمسؤوليته ..الخ. مع غياب لأي خطوة عملية في هذا الاتجاه.
تعويم الوصاية وسياسة سحب الذرائع لن تحمي هذه الوصاية بل ستعمل على تقويضها، إذا لم تستند إلى موقف عربي – إسلامي جامع بعيدا عن الحساسيات المذهبية والإرتهان للمواقف الأمريكية، فعندما يتشكل موقف جامع وموحد عربي- إسلامي، توظف فيه الإمكانيات والطاقات العربية والإسلامية، اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وتجارية وعسكرية وغيرها، أعتقد هنا يتم إجبار اسرائيل على التوقف عن مخططاتها ومشاريعها لتهويد الأٌقصى وإقامة هيكلها المزعوم في قلبه بدل مسجد قبة الصخرة.
وللمراهنين على سياسة سحب الذرائع نقول بأن هذه السياسة والتي جرى اختبارها في أرض الواقع، من قطاع غزة إلى الضفة الغربية والقدس ولبنان و سوريا أثبتت فشلها، وبأنه لم تمنع اسرائيل من الإستمرار في مشاريعها ومخططاتها التهويدية، وسياسات الضم والإستيطان في قضم الجغرافيا الفلسطينية والسورية واللبنانية وكلما جرى التراجع أمام القوة الإسرائيلية الغاشمة كلما أمعنت في فرض شروط سياسية وأمنية جديدة.
نعم حماية الوصاية الأردنية ،ومنع تآكلها أو إنهاءها، لن يكون عبر تعويم الوصاية بل بالضرورة استنفار كل الطاقات العربية والإسلامية والاستفادة منها في معركة الدفاع عن الأقصى والوصاية الأردنية بعيدا عن الحساسيات المذهبية والارتهان للموقف الأمريكي الشريك للإسرائيلي.
ومن هذا المنطلق نقول بأن كل الجهود والطاقات يجب أن تتوحد و"تنصهر" في بوتقة واحدة من أجل الدفاع عن الأقصى وحماية إسلاميته ومنع تهويده واذا كانت الدول العربية والإسلامية عاجزة عن حمايته ومنع تهويده فهذا يجعلنا نقول ، فليتوحد الجميع خلف حماية الوصاية ومنع تآكلها وليس خلق أجسام جديدة لن تضيف أي شيء نوعي لا لحماية المقدسات الإسلامية ولا المسيحية وفي المقدمة منها المسجد الأٌقصى. بل من شأنها أن تفتح نوافذ نحو إضعاف تلك الوصاية وتآكلها وخاصة بأن الأشهر الثلاثة القادمة ستكون ثقيلة جداً على الأقصى وأوضاعه وهويته فدولة الإحتلال تقترب انتخاباتها التشريعة العامة المقررة في أيلول القادم وستكون مسرحاً للمزايدات والصراعات على الصوت الإنتخابي، وسيكون الأٌقصى جزء من تلك المعركة الإنتخابية، والتي ربما جماعات الصهيونية الدينية بشقيها القومي والديني، ستسعى لتحقيق المزيد من الأصوات والمكاسب الانتخابية والمقاعد في البرلمان وفي الحكومة، من خلال القيام بخطوات تهويدية واسعة في الأقصى تكرس شرعية يهودية شريكة في قدسية المسجد الأقصى في البداية على طريق التهويد الكامل له وخاصة بأننا ورغم النفي الأمريكي الرسمي والذي لا يعول عليه، نشعر بأن ما نشره موقع " ميدل ايست أي" بوجود خطة أمريكية يقودها كوشنير صهر الرئيس الأمريكي والسفير الأمريكي المتصهين في تل ابيب مايك هاكابي، لتحويل المسجد الأقصى إلى معلم سياحي ومركز متعدد الديانات ليست بعيدة عن أرض الواقع في ظل الدعوة التي صدرت عن الرئيس الأمريكي المأفون ترامب، والذي طلب من ثمانية دول عربية وإسلامية الدخول فوراً فيما يعرف بالسلام الإبراهيمي والتطبيع مع اسرائيل، وبأن يصبح المسجد الأقصى تحت السيادة الإسرائيلية وتصبح مقررة في تعيين الأئمة والخطباء وكبار المسؤولين والتدخل كذلك في مضامين الخطب وأسماء الخطباء، ولا مانع من إشراف إداري دوري لعدد من الدول العربية والإسلامية.
ولذلك لا أرى أن هناك إضافة نوعية أو فارق جوهري سيحدثه إقامة مثل هذه الوقفية الهاشمية على وضع المسجد الأقصى وحماية عروبته وإسلاميته، ولا على صعيد تعزيز صمود المقدسيين وحماية وجودهم في المدينة بل ربما عدم وضوح المهام والمسؤوليات وتداخلها يخلق المزيد من الإرباك والتكرار في الجهود والطاقات المبذولة ولذلك نتمنى على سمو الأمير حسن والمقدسيين المشاركين في هذه الوقفية الهاشمية أن يعملوا على توظيف طاقاتهم وجهودهم وإمكانياتهم، تحت مظلة وإدارة الأوقاف الإسلامية ومجلسها. فالخطر على الأقصى في الأشهر القادمة والتي تسبق الإنتخابات التشريعية الإسرائيلية العامة كبير جداً ومنظور ويلمس بما ينفذ على أرض الواقع من خطوات عملية تهويدية تراكمية.

