منذ اللحظة الأولى لبدء الإبادة، لم أتوقف عن التواصل بشكل شخصي مع مختلف المبادرات والتضامنات الأكاديمية الدولية التي سعت إلى إسناد التعليم العالي في غزة وحماية استمراريته في ظل واحدة من أقسى الأزمات التي واجهتها المؤسسات التعليمية في العصر الحديث.
لم أترك بابًا يمكن أن يفتح مساحة للتعاون أو الدعم الأكاديمي أو تقديم سرديتنا الوطنية إلا سعيت إلى طرقه، سواء من خلال بناء شراكات بحثية، أو المشاركة في المؤتمرات العلمية، أو تقديم الرواية الفلسطينية في المحافل الأكاديمية الدولية، إيمانًا بأن المعركة لا تدور فقط حول إنقاذ المؤسسة التعليمية، بل حول حماية المعرفة والذاكرة والحق في إنتاج السردية من داخل التجربة نفسها.
وخلال هذه اللقاءات والنقاشات، كان السؤال الأكثر حضورًا وإلحاحًا الذي يوجه إليّ دائمًا هو: ما المطلوب الآن لدعم الجامعات الغزية والتعليم الجامعي في غزة؟ وهو سؤال يتجاوز حدود الدعم الطارئ أو الاستجابة الإنسانية المباشرة، ليصل إلى سؤال أكثر عمقًا حول وظيفة الجامعة ودورها التاريخي في لحظات الانهيار الكبرى.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة فتح أبواب الجامعات أو استعادة العملية التعليمية بصورتها التقليدية، بل في بلورة رؤية واضحة لما يجب أن تقوم به الجامعات في غزة كي تحمي رسالتها العلمية، وتنصر طلبتها، وتحافظ على دورها في إنتاج المعرفة والدفاع عن سرديتها الوطنية والإنسانية.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي: كيف يمكن للجامعة بعد الإبادة أن تنتقل من مجرد البقاء إلى الفعل المؤثر؟ وكيف تستطيع أن تتحول من مؤسسة متضررة إلى قوة معرفية قادرة على إعادة بناء الإنسان والمجتمع والذاكرة؟
كنت دوماً أملك الإجابة أقدمها للمتضامنين والباحثين الدوليين. لكنني كنت أنظر بقلق الى العقل الذي يدير جامعاتنا في غزة. ففي لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس مكانة الجامعة بعدد بياناتها، ولا بحجم حضورها الإعلامي، ولا بقدرتها على إنتاج خطاب سريع ينسجم مع اللحظة.
فالأزمات، وخاصة تلك التي تصل إلى مستوى الإبادة وتدمير البنية الاجتماعية والمعرفية، تضع المؤسسات الأكاديمية أمام اختبار وجودي: هل تبقى الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية تعمل ضمن وظائفها التقليدية، أم تتحول إلى مساحة لإنتاج المعرفة، وحماية الذاكرة، واستعادة الإنسان، وإعادة بناء المعنى؟
إن دور الجامعات بعد الإبادة لا يبدأ من إعادة فتح القاعات الدراسية فقط، ولا من استعادة الشكل الإداري للمؤسسة، بل يبدأ من سؤال أعمق: كيف يمكن للجامعة أن تستعيد وظيفتها التاريخية باعتبارها عقل المجتمع وذاكرته النقدية؟ فالجامعة في سياقات الانهيار ليست مبنى، وليست شعارًا، وليست منصة للظهور، وإنما هي مشروع معرفي وأخلاقي قادر على مواجهة آثار الدمار المادي والإنساني والثقافي.
تحتاج الجامعات بعد الأزمات الكبرى إلى الانتقال من منطق إثبات الحضور إلى منطق إنتاج الأثر . فالحضور الحقيقي لا يُقاس بعدد اللقاءات الهامشية أو الصور أو الأخبار المنشورة، وإنما بقدرة الجامعة على إنتاج معرفة جديدة تفسر ما حدث، وتوثق التجربة الإنسانية، وتفكك الروايات المضللة، وتحمي الذاكرة الجمعية من محاولات المحو والنسيان.
إن الجامعة التي تمر عبر تجربة الإبادة لا يمكن أن تكتفي بإعادة إنتاج الخطاب المعتاد، لأن وظيفتها تصبح أكثر تعقيدًا: عليها أن تكون فضاءً للبحث في جذور الأزمة، وتحليل التحولات الاجتماعية والسياسية، ودراسة آثار الصدمة الجماعية، وبناء أدوات فكرية تساعد المجتمع على التعافي وإعادة البناء. فالجامعة في هذه المرحلة ليست مراقبًا للأحداث، بل جزء من عملية المقاومة المعرفية وإعادة تشكيل المستقبل.
كما أن الأزمات تكشف الفرق بين الجامعة بوصفها مؤسسة حقيقية، والجامعة بوصفها واجهة إدارية أو إعلامية. فالمؤسسة الأكاديمية الجادة لا تحتاج إلى تضخيم إنجازاتها، لأن أثرها يظهر في جودة أبحاثها، وفي استقلالية معرفتها، وفي قدرتها على تمكين طلبتها وباحثيها، وفي مساهمتها في حل مشكلات المجتمع. أما تحويل المعاناة إلى مادة دعائية أو استخدام الألم الجماعي لإنتاج صورة مؤقتة، يفقد الجامعة جزءًا من رسالتها الأخلاقية والعلمية.
بعد الإبادة، تصبح مسؤولية الجامعة مضاعفة: فهي مطالبة بحماية الحقيقة من التشويه، وحماية الذاكرة من الطمس، وحماية المعرفة من التوظيف السياسي الضيق. وعليها أن تطرح أسئلة صعبة، وأن تنتج أبحاثًا جريئة، وأن تمنح الباحثين والطلبة مساحة للتفكير الحر والنقدي، لأن المجتمعات الخارجة من الكوارث لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء الحجر، بل تحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الوعي.
إن الجامعة التي تدرك رسالتها في زمن الإبادة وما بعدها هي التي تجعل من العلم فعلًا أخلاقيًا، ومن البحث مسؤولية اجتماعية، ومن المعرفة أداة لاستعادة الإنسان. فالمؤسسات الأكاديمية لا تُخلّدها فقط قدرتها على تجاوز الأزمات، بل قدرتها على تحويل الألم التاريخي إلى معرفة، والمعاناة إلى وعي، والدمار إلى مشروع مستقبل.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه الجامعات بعد الإبادة ليس: ماذا فعلنا؟ بل: ماذا تركنا من أثر؟ وهل أصبحنا جزءًا من صناعة المستقبل، أم اكتفينا بتسجيل حضورنا في لحظة تاريخية عابرة؟

