لم يعد الصراع في إسرائيل مجرد عناوين تتصدر نشرات الأخبار حول جبهات القتال المشتعلة، بل تحول إلى معركة كسر عظم صامتة داخل الغرف المغلقة، حيث تُعاد صياغة الولاءات والمؤامرات السياسية.
في قلب هذا المشهد المعقد، يقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الرجل الذي طالما وُصف بالساحر السياسي، ليجد نفسه اليوم محاصراً بين شرخ استخباراتي غير مسبوق مع واشنطن، وتمرد مكتوم يهدد بتفجير حزب الليكود من الداخل، لتبدأ الفصول الأكثر خطورة في مسيرته الطويلة.
في الأروقة الخلفية لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، الخلافات السياسية مع حكومة نتنياهو تخطت كونها مجرد تباين عابر في وجهات النظر حول إدارة الأزمات الإقليمية، لتتحول بذلك -على ما يبدو- إلى أزمة ثقة أمنية عميقة تجلت في خطوة أمريكية أخيرة بالغة الحساسية، تمثلت في رفع مستوى تهديد التجسس الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة إلى أعلى درجاته.
لم يكن هذا الإجراء روتينياً على الإطلاق، بل حمل في طياته رسالة استخباراتية حاسمة تشير إلى أن واشنطن باتت تتعامل مع حليفها الأقرب بعين الريبة والشك، ويعكس عمق الفجوة بين طموحات نتنياهو الشخصية للبقاء في السلطة، وبين الرؤية الاستراتيجية الأمريكية التي ترى أن اندفاع الحكومة نحو فتح جبهات مواجهة لا تنتهي دون خطة واضحة لليوم التالي بات يشكل عبئاً أمنياً مباشراً على المصالح الأمريكية في المنطقة، مما جعل الأمن الذي طالما بنى عليه نتنياهو شرعيته السياسية محل تساؤل حتى في أروقة صناعة القرار الحليفة.
وبالتوازي مع هذا الضغط الخارجي الصامت، كان هناك لغم داخلي ينفجر كاد أن يطيح بحزب الليكود الحاكم؛ حيث شهدت أروقة الحزب تمهيدات لتهديد غير مسبوق وجهه نتنياهو لرئيس اللجنة المركزية، حييم كاتس، ملوحاً بالانسحاب من الليكود وتفكيكه بالكامل إذا لم تتم الاستجابة لشرطه الحاسم بمنحه صلاحية حصرية لتعيين وتخصيص عشرة مقاعد مضمونة في المراكز الأولى للقائمة الانتخابية القادمة.
وتشكل هذه المناورة السياسية مسألة حياة أو موت لضمان بقائه في المشهد وتجاوز آلية الانتخابات التمهيدية (البرايمرز) داخل الحزب، لكونه يدرك أن القواعد الشعبية لليكود قد تدفع بأسماء يمينية متطرفة ومثيرة للجدل مثل طالي غوتليب وشلومو كارهي إلى صدارة القائمة، وهي أسماء تمثل مادة منفّرة للمصوتين العقلاء والمترددين الذين يحتاجهم لحسم المعركة.
كان يطمح لاستخدام هذه المقاعد العشرة كطوق نجاة يجلب عبره شخصيات براغماتية ووزراء سابقين لتعزيز جاذبية القائمة، لكن هذا الطموح جوبه برفض شرس اعتبره قادة الحزب سحقاً للهيكلية التاريخية لليكود، وفتحاً لأبواب انشقاقات كبرى لن تخدم سوى المعارضة.
تأتي هذه الأزمات المتلاحقة في وقت تتزايد فيه احتمالات الذهاب لانتخابات مبكرة، وسط استطلاعات رأي تعكس تخبطاً مجتمعياً وسياسياً حاداً؛ فرغم أن حزب الليكود ما زال ينافس على الصدارة بحصوله على نحو ثلاثة وعشرين إلى أربعة وعشرين مقعداً، إلا أن كتلة اليمين والائتلاف الحاكم بأكمله تراجعت إلى ما دون الخمسين مقعداً، وهو رقم بعيد جداً عن حاجز الواحد والستين مقعداً المطلوبة لتشكيل أي حكومة مستقرة.
وفي المقابل، تتشكل ملامح جبهة معارضة قوية وغير تقليدية تشمل تحالف بيحاد الذي يجمع نفتالي بينيت ويائير لبيد، وحزب ياشار بزعامة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، والذي صعد بقوة الصاروخ ليتعادل تماماً مع الليكود، مستقطباً جمهور اليمين الليبرالي والوسط الذي يبحث عن قيادة أمنية رصينة بعيدة عن أيديولوجيات اليمين المتطرف المتمثل في ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
إن المعضلة الحقيقية التي يواجهها نتنياهو في هذه المرحلة تختلف تماماً عن سابقاتها، فهو يصطدم بملفات وجودية متفجرة تهز أركان المجتمع الإسرائيلي وليس مجرد خصوم سياسيين، وعلى رأس هذه الملفات أزمة تجنيد الحريديم، حيث تضغط الأحزاب الدينية بقوة لفرض قانون "دراسة التوراة" لإعفاء طلابها من الخدمة العسكرية مهددة بإسقاط الحكومة، بينما يرفض الشارع العسكري وجنود الاحتياط هذا الإعفاء في وقت تنزف فيه المؤسسة العسكرية في حروب مستنزفة وطويلة، يضاف إلى ذلك شبح السجن وغياب الحصانة الذي يلاحقه في قضايا الفساد المستمرة في حال خسارته للكرسي. يعيش بنيامين نتنياهو اليوم السيناريو الأكثر تعقيداً في مسيرته، وإن تهديده بالانشقاق عن حزبه التاريخي من أجل عشرة مقاعد يعكس حجم الذعر من القادم، وحجم التصدع في جبهته؛ فبين حليف أمريكي يرفع منسوب الحذر والريبة الاستخباراتية تجاهه، وحزب يتآكل خلف كواليسه، ومعارضة عسكرية صاعدة تقرع طبول الانتخابات، يبدو أن الساحر قد استنفد معظم حيله، وأن إسرائيل مقبلة على مخاض سياسي هو الأعنف والأكثر غموضاً في تاريخها الحديث، مما يفتح الباب واسعاً أمام التساؤل الأبرز: فهل ينجح نتنياهو في تحويل هذا الذعر إلى مناورة نجاة أخيرة؟ أم أن الستار قد بدأ يسدل فعلياً على الحقبة السياسية الأطول والأكثر جدلاً في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي؟

