تمر علينا هذه الأيام الذكرى التاسعة والخمسون لحرب الخامس من حزيران/ يونيو 1967، أو ما بات يُعرف في التاريخ عام النكسة. ذلك اليوم شكل منعطفاً تاريخياً في تاريخ الأمة العربية، وفي تاريخ الصراع العربي الصهيوني. وبالرغم من كل الجهود التي بُذلت لمحو آثار العدوان، إلا أن الخط البياني للأحداث ظل تنازلياً، بامتياز بدل أن يكون تصاعدياً، وتصحيحياً من أجل محو عار الهزيمة وتحقيق النصر. وما وصلنا إليه اليوم من تفكك، وتشرذم، وتطبيع، واندحار، وتراجع لم يكن بالمصادفة. بل كان نتيجة لما حصل في ذلك اليوم، وفي تلك المرحلة. في تلك الفترة، شن الكيان الصهيوني حرباً مُباغتة أسفرت عن احتلال كامل الأراضي الفلسطينية أي الضفة الغربية وقطاع غزة؛ بالإضافة إلى هضبة الجولان السورية، وصحراء سيناء المصرية، وأراضٍ من لبنان والأردن. لقد جاءت تلك الهزيمة المدوية استكمالاً لنكبة عام 1948. وكشفت عن الواقع الأليم الذي يعيش به العالم العربي، وعن زيف الحكام والحكومات التي كانت تتحرك كالدمى في أيدي المُستعمِر. وكشفت عن مدى التخلف السياسي والاجتماعي الذي تعاني منه الشعوب العربية، وبينت كيف أن الأنظمة تعيش في واقع فاسد منفصل عن شعوبها، بينما الشعوب راحت فريسة لكل من هب ودب. وأصبحت مجتمعات ينخرها السوس وتخترقها أجهزة المخابرات الصهيونية وتعيث فيها فساداً، إلى اليوم. ليس لأن الشعوب تريد ذلك، بل لأن الفساد والقمع والقهر الذي مارسته الأنظمة دفعت بالعديد من الأفراد أن يذهبوا في ذلك الاتجاه. وهو ذات الاتجاه الذي كان يسير فيه بعض الحكام في المنطقة، باختيارهم، كما أظهرت الأيام ذلك لاحقاً. ربما ينبغي القول: إن تداعيات تلك النكسة، ما زالت حاضرة بقوة في وجدان العرب عموماً، والفلسطينيين خصوصاُ، وتركت آثارها العميقة على طبيعة الصراع المستمر حتى اليوم.
إذا عُدنا قليلاً إلى الوراء، نتذكر الخطابات الرنانة التي كان يطلقها الحكام العرب، وأبواقهم، التي تنادي بتحرير فلسطين، وإعادة الفلسطينيين إلى أراضيهم وبيوتهم، وإعادة اليهود المُستوطنين إلى بلادهم الأصلية التي قدموا منها، في أوروبا، وروسيا، وأمريكا. وبعض الأصوات شطحت بعيداً في أهدافها التحريرية. ولا بد من القول: إن الكثير من الروايات والقصص لم تكن إلا دعاية صهيونية رخيصة صدقها بعض العرب وراحوا يرددونها. في تلك الأيام، كان صوت المذيع المصري أحمد سعيد يُلعلع من إذاعة صوت العرب من القاهرة، أشعاراً، وخطباً رنانة، وأهازيج، وأغاني حماسية، ومعنويات عالية جداً. بينما الشعوب كانت تتضور جوعاً، وتعاني من القمع والإرهاب الداخلي. ولما بدأت الحرب فجأة، ظل أحمد سعيد يُردد على مسامع الناس أن الجيش المصري يتقدم نحو تل أبيب ويُحاصرها. وأن الطائرات الصهيونية تتهاوى كالذباب تحت ضربات الطائرات المصرية. وعلى الجبهة السورية ذات الأمر. فقد دمر الجيش العربي السوري الدبابات والحواجز وقد عبر الحدود متوجهاً نحو حيفا ويافا. حتى بات اللاجئون يحزمون حقائبهم للعودة إلى الديار. بعد ذلك، اكتشفنا الحقيقة المُرة: لا جنوداً عبرت، ولا مدناً حوصرت، ولا طائرات هَوَت. بل رأينا الطائرات المصرية دُمرت في مكانها. والجيش، استشهد القسم الأكبر منه في صحراء سيناء، وهو يبحث عن مكان آمن يلوذ به. ضاع كل شيء. رأينا أراضي جديدة تضيع، ورأينا مئات الآلاف من الفلسطينيين والعرب ينزحون من جديد. أما الكيان الصهيوني، فقد استكمل احتلال كل تلك الأراضي المجاورة لفلسطين، في ست ساعات أو ربما أقل. بعد ذلك، تحركت الشعوب العربية مطالبة باستعادة كرامتها ومحو آثار العدوان. وبعد أشهر قليلة من النكسة، اجتمع العرب في الخرطوم، ورفعوا اللاءات الثلاثة، لا صلح، ولا تفاوض، ولا اعتراف. ولم تمضِ شهور قليلة على المؤتمر حتى ضاعت تلك اللاءات في مهب الريح، وألقيت تلك المقررات في سلال المهملات. وحصل عكس ذلك تماماً، مزيداً من التراجعات والهزائم.
بعد عقود قليلة من تلك النكسة، تكررت سيناريوهات مشابهة كثيرة، كان الكيان الصهيوني يصول ويجول، يضرب هنا وهناك، ويغزو بلداناً عربية، ويحتل عواصمها، تحت سمع وبصر الدول الأخرى. وكان في كل مرة يدفع الفلسطينيون الثمن بأشكال مختلفة. لكن الشعار العريض لم يبق كما هو: تحرير فلسطين التاريخية حتى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، ودحر الاحتلال. لقد تقلصت مساحة فلسطين. وصار الكيان الصهيوني أمراً واقعاً.
خلال الحرب العراقية، كان وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف، يطل علينا بخطابه الواثق من النصر، يُحدثنا عن العُلوج وسحقهم ومحقهم، وتدمير الدبابات الأمريكية على أبواب البصرة، وسحق القوات المعادية على عتبات بغداد. وفجأة، رأينا الدبابات الأمريكية والغربية تمر في وسط بغداد، قبل أن يكمل خطابه الرنان أمام وسائل الإعلام العالمية. لقد صدقنا تلك الخطابات الحماسية، وتحمست الشعوب العربية لها، خاصة وأن بضعة صواريخ سقطت فعلاً على تل أبيب، ما أشعل الحماس في الصدور، وباتت الشعوب المقهورة ترقص في الشوارع تنتظر نهاية الكيان الصهيوني الحتمية، إلا أن الواقع كان أكثر رعباً. ماذا حدث بعد ذلك؟ تدمرت بغداد، وتفكك العراق، وطُرد اللاجئون الفلسطينيون في العراق إلى منافي بعيدة، وقبل ذلك طُردوا من الكويت ونُكّل بهم في الحالتين، وانتشرت الطائفية والمذهبية، وعاد الناس إلى الوراء أكثر من 1400 سنة، لمعرفة من قتل من؟ ومن وقف مع من؟ وهيهات.
وفي الحرب على غزة، وقف الجميع يتفرجون، بينما الخطباء يُلقون الخطب الرنانة، والأشعار الفتاكة، وأن الأعداء ينهارون، وأن النصر المؤزّر حليف هذا الشعب المُضطهد. كانت الصواريخ البسيطة تنطلق من غزة نحو تل أبيب والمستوطنات الصهيونية، بينما السلاح العربي أكله الصدأ في المخازن، وصارت تُروى القصص المؤثرة عن الملائكة التي تُقاتل في غزة ضد اليهود. بينما الدول الشقيقة قد أقفلت أبوابها وإعلامها. وكانت حاملات الطائرات الأمريكية تُحاصر غزة، والكيان الصهيوني يستخدم أحدث الأسلحة الأمريكية لدك البيوت والمستشفيات وأماكن النزوح في غزة. ولم يُحاول أحد آخر مد يده، سوى أصوات تعلو هناك وهنالك، في المدن الغربية ضد حرب الإبادة. بعد ذلك، أصبحت غزة كلها كومة ركام وتراب. وأن الشعب بات بلا مأوى، وبلا مشافي، ولا طعام، ولا شراب. بينما تجاوز عدد الشهداء مئات الآلاف، وكذلك المفقودين، والجرحى والمعاقين. والكل يتفرج. ويُشارك في الحصار، بما في ذلك السلطة البائسة تحت الاحتلال. حتى قليلاً من النخوة المفقودة لم تبدُ، من أحد، ولو خجلاً أمام الكاميرات.
اليوم، يتكرر كل هذا المشهد على مرأى ومسمع من الجميع. ما زالت القيادات من ذات الصنف تطلق الشعارات الطنانة، والخطب النارية، وتحاول أن تقنع المواطن البسيط بأنه يمكن التغلب على العدو بالأهازيج، والعبارات الإنشائية المنمقة، والخطط الاستراتيجية بعيدة المدى، والتي لا يمكن تنفيذها قبل إحداث التوازن الاستراتيجي. حتى في الصف الوطني المحسوب على المقاومة، يقوم البعض بتضخيم القدرات الوطنية إلى مستويات غير قابلة للتحقيق، والبعض يصدق. هذا الوضع السريالي ما زال ينقل البعض إلى عالم ما بعد الواقع، بينما يترك معظم الناس فريسة للإحباط، خاصة بين أولئك الذين يحلمون بدحر العدو وهزيمته. لقد انفجرت الحرب، وقد أبلى الجميع على قدر المستطاع وأكثر. لكن الصواريخ الموجهة الى عمق الكيان، لم تنطلق في الوقت المناسب، وظلت حيفا وتل أبيب في مرمى الصواريخ، لكنها لم تقضِ على هذا الكيان السرطاني في دقائق معدودة. وتجدر الإشارة إلى أن المغالاة في تضخيم قدرات المقاومة والتوقعات سوف تترك آثاراً سلبية وعكسية، خصوصاً عندما تحين الفرصة المناسبة، ولا تأتي التوقعات. في المقابل، ما زال العدو يفكر بذات الطريقة دون أن يُطلق الشعارات الفضفاضة والتبجح. يجمع المعلومات بدقة وصمت، ويُخطط لهجوم خاطف في أماكن غير متوقعة، وفي كثير من الأحيان يبحث عن المناضلين، وينفذ عمليات الاغتيال والتفجير دون أن يفصح عن ذلك. يحاول قتلهم قبل أن يذهبوا إليه. وصار الكيان الصهيوني يستفرد بكل ساحة على حدة، وإبادتها. بدأ بغزة ولم يتوقف بعد في لبنان.
اليوم، تمر هذه الذكرى في واقع مرير يسوده التمزق والتفرق والتفكك، ويمتزج بالمآسي والدمار والتشرد والنزوح. لكن المقاومة ما زالت مستمرة، رغم كثرة الأعداء. لقد زادت الحسابات والسيناريوهات، وتراجعت بعض المفاهيم الوطنية التي صارت مجرد أشعار وعبارات إنشائية تتكرر في المناسبات. انهارت بنى تحتية كثيرة، وسقط آلاف الشهداء، وتحولت المدن إلى ركام، بينما الخطباء والمحللون على الشاشات ما زالوا منهمكين بالحديث عن أزمة الكيان الصهيوني ومشاكل مجرم الحرب رئيس وزراء العدو، وصعود اليمين المتطرف، وكأن الكيان الصهيوني كان واحة من اليسار الديمقراطي. نغفو على هذه الأحلام، ونصحو على دمار يعم مناطقنا. غير أن هذه المناسبة ليس الهدف منها البكاء على الأطلال واللطم والندب، إنما هي مناسبة جادة للوقوف على مكامن الضعف والنقد البناء حيث ينبغي تسمية الأشياء بأسمائها، بعيداً عن الشعارات والتمنيات الفارغة من مضمونها. فالمقاومة مهما نمت وتطورت، فالعدو أيضاً ينمو ويتطور، ويمتلك أسلحة أكثر فتكاً، وتظل موازين القوى غير متكافئة. غير أن المقاومة مهمتها وضع البرنامج الوطني وعدم التفريط بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ومقاومة الفساد، ومقاومة التخلف، ومقاومة الأفكار التي تدعو إلى الاستسلام والخنوع والتنسيق الأمني مع العدو. ومن مهامها، أيضاً، أن تجد الطريق القويم لمقارعة الاحتلال واستنزافه ضمن هذا الواقع. وليس العكس. غير ذلك، سوف نبقى إلى وقت طويل نستذكر نكسات كثيرة على الطريق.

