لا تخفي الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني سعيهما الحثيث لتدمير إيران وتفكيكها إلى دويلات عرقية واثنية ومذهبية تحترب فيما بينها بهدف تغيير شكل الدولة الإيرانية بتجزئتها، كما يريد دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وقد أعلنا مرارا عن هذه الرغبة الجامحة. فليس مهما، لدى واشنطن وتل أبيب، الملف النووي الإيراني بقدر ما يهمهما أكثر القضاء على مواطن القوة عند طهران تمهيدا لتقسيم البلاد واغراقها في الفوضى والاقتتال الداخلي على الطريقة العراقية والليبية والسورية، وربما اللبنانية، وتركيب دساتير وقوانين مفصلة على مقاس الكيانات الديمغرافية تمهيدا للسيطرة عليها وتعبيد الطريق للشروع في إسرائيل الكبرى التي بشر بها الرعيل الأول من مؤسسي الدولة الصهيونية قبل قيامها وأكد عليها قادة الكيان المتلاحقين ومنهم مدير الصندوق القومي اليهودي يوسف فانيس الذي اطلق العنان لخياله ودعا لأن يكون جنوب لبنان جزء من الكيان، وهو الأمر الذي ينفذ في الوقت الراهن، باعتبار ذلك جزء من الدولة الكبرى التي يحلم بها الكيان ويقتطع لها أجزاء كبيرة من لبنان وسوريا و مصر والعراق والسعودية، فضلا عن السيطرة على مقدرات كل ارجاء الوطن العربي.
ولكي يشرع الكيان في هذا المشروع التدميري، فأنه يمضي في إنهاء كل اشكال المقاومة في فلسطين بعد أن قام بتدمير قطاع غزة وإعادة احتلال الجزء الأكبر منه وفرض معادلته الاحتلالية بدعم مطلق من الإدارة الامريكية التي ابتدعت "مجلس السلام العالمي" ليكون شاهد زور ومتواطئ مع اجندات الكيان في استمرار حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يلجم شهية جيش الاحتلال لاستمر القتل والتدمير اليومي في مختلف مدن قطاع غزة.
فسيفساء ديمغرافية
في خضم الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، اتضحت بعض ملامح المشروع الشيطاني الذي تسعى له واشنطن وتل أبيب. كانت الأهداف المعلنة في بداية العدوان واضحة: اسقاط النظام، تجريد إيران من مشروعها النووي وتدمير القدرات الصاروخية لدى طهران. لكن الهدف الأهم هو إضعاف الدولة المركزية الايرانية واغراقها وتفكيك بنية الدولة وضرب وحدة أراضيها وانتزاع قرارها ليصبح في قبضة الولايات المتحدة والكيان. فكيف قرأت واشنطن وتل أبيب سبل تفكيك إيران؟
تتمتع إيران بتنوع كبير وتتشكل من فسيفساء عرقية واثنية ودينية ومذهبية يغلب عليه العرق الفارسي في التركيبة السكانية، ما شكل نقاط قوة وكذلك خواصر رخوة. يبلغ عدد سكانها، وفق تقديرات العام 2026، أكثر من 93 مليون نسمة، ينتشرون على مساحة 1.62 مليون كيلومتر مربع، منهم ما بين 51 إلى 63 بالمئة من الفرس، وفق التقديرات المتباينة، يتمركز هؤلاء في المناطق الوسطى من البلاد. يليهم الأذريون في المرتبة الثانية ويشكلون ما بين 20-25 بالمئة من السكان، أي ما بين 18-20 مليون نسمة، ويقطنون في شمال غرب إيران، في محافظات أذربيجان الشرقية وأذربيجان الغربية واردبيل، وينتمي أغلبهم للمذهب الشيعي، وقد لعبت هذه العرقية دورا سياسيا مهما في استقرار النظام السياسي الحالي وتكريسه، فهي تعتبر واحدة من دعائمه الرئيسية في الأقليات، خصوصا وأن اغلبيتها الساحقة تدين بنفس المذهب الذي تدين به الأكثرية الفارسية. يأتي الاكراد في المرتبة الثالثة بنسبة تتراوح ما بين 6-10بالمئة (6-8 مليون نسمة) ويتمركزون غرب إيران في منطقة كردستان، ويتحدثون لهجات كردية متعددة. وفي المرتبة الرابعة تأتي أقلية "اللور" بنسبة تقترب من 6 بالمئة، أي أكثر من 5 ملايين نسمة، ويتحدث اغلبهم لغة "اللوري" التي تعتبر واحدة من اللغات القديمة في البلاد، وينتمي اغلبهم للمذهب الشيعي السائد في إيران. ثم يجيء العرب في المرتبة الخامسة بنسبة تتراوح ما بين 2-3 بالمئة من السكان وتصل اعدادهم الى قرابة 3 ملايين نسمة، ويتركزون في محافظة خوزستان (عربستان) المحاذية للعراق، وينتمي قرابة 80 بالمئة منهم للمذهب السائد، وتتمتع مناطقهم بالثروة النفطية الكبيرة لكن التنمية والاستثمار في هذه المنطقة ضئيل. ويأتي البلوش في المرتبة السادسة ويمثلون أكثر من 2 بالمئة من السكان، نحو مليوني نسمة، ينتمي أغلبهم للمذهب السني، ويقطنون جنوب شرق البلاد، وتعد مناطقهم من أفقر مناطق إيران. وهناك أقليات زرادشتية ويهودية ومسيحية وبهائية واشورية، وهي أقليات بأعداد قليلة نسبية.
يبلغ معدل الخصوبة 1.7، ومتوسط العمر لكل الجنسين 78 عاما، فعند الاناث يبلغ 80.2 سنة وعند الذكور 76.4 سنة. وتبلغ نسبة الحضر في إيران 73.5 بالمئة، فيما تبلغ الكثافة السكانية 57 نسمة لكل كيلومتر مربع. وتعتبر العاصمة طهران الأكثر كثافة سكانية ويصل عدد سكانها أكثر من 9 ملايين نسمة، تليها مدينة مشهد ويصل عدد سكانها الى أكثر من 5.3 مليون نسمة ثم كرج بـ 3.6 مليون نسمة.
أزمة الاقتصاد
يعاني الاقتصاد الإيراني من حصار فرضته الولايات المتحدة الامريكية على البلاد بعد انتصار الثورة في فبراير 1979 وأزمة اختطاف الرهائن في السفارة الامريكية، وبدأت تتصاعد تدريجيا بعد اندلاع الحرب العراقية الايرانية (1980-1988) وبلغت أوجها في السنوات الأخيرة، خصوصا في الدورة الأولى لعهد الرئيس ترامب الذي انسحب من الاتفاق النووي المبرم في 2015 بين طهران ومجموعة (5+1)، والحقها بمضاعفة العقوبات ومنع الدول والشركات العالمية من التعامل مع إيران وهو الامر الذي كانت تسير عليه الإدارات الامريكية السابقة واللاحقة في عهد بايدن. وبعد عودة ترامب للبيت الأبيض في 2025 ضاعف العقوبات، بينما زاد نتنياهو تضييق الخناق عليه بمساعدة اللوبي الصهيوني لتمرير المخططات الصهيونية الشريرة تجاه فلسطين والمنطقة ومنها الدعم المطلق للكيان في قطاع غزة والضفة الغربية التي تواجه سياسة اقتلاع وتطهير تذكر بالعصر النازي ونظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، وشن العدوان على إيران مرتين: الأولى في حرب الـ12 يوما في 2025، والثانية في 28 فبراير/شباط 2026 ولا تزال شرارتها مشتعلة حتى الوقت الراهن، وتدفع منطقة الخليج والاقتصاد العالمي اثمانا باهظة بسبب إغلاق مضيق هرمز والتوتر في محيطه. وقد أسهمت الحصارات المتعددة الاشكال في تراجع الناتج المحلي الإجمالي من 510.24 مليار دولار عام 2017 إلى 362.68 مليار دولار في العام 2025. ولا شك أن تراجعا في حجم الاقتصاد سيشهده العام الحالي جراء الحرب على إيران وتدمير بناها التحتية.
تأتي إيران في المرتبة الثانية عالمياً في احتياطيات الغاز الطبيعي، والرابعة في احتياطيات النفط الخام المؤكدة. ورغم التنوع النسبي في النشاط الاقتصادي والإيرادات الحكومية، إلا أنهما يعتمدان على العائدات النفطية التي تعاني من تقلب أسعارها في السوق العالمي، فضلا عن خضوع البلاد للحصار الأمريكي والغربي عموما. ومع خضوع إيران للعقوبات القاسية والمتعددة على مدار قرابة خمسة عقود بما فيها حرمانها من عائدات النفط الشحيحة التي تسمح واشنطن بتصديرها، ورغم ايجادها طرق بديلة للحصول على احتياجاتها الرئيسية وتصدير نسبة من سلعها، إلا أن الحصار فعل فعلته في الاقتصاد المحلي، فزادت البطالة بنسب كبيرة بلغت قرابة 20 بالمئة ووصلت بين الشباب الى 25 بالمئة، وفق تقديرات غير رسمية، بينما تقدرها الحكومة بـ7.8 بالمئة، وبلغ عدد المسجلين في قائمة إعانات البطالة 400 ألف شخص. وزاد تردي الوضع الاقتصادي حجم الاستهداف للبنى التحتية والجسور ومحطات الطاقة والموانئ، ما فاقم الازمة وهوى بسعر صرف العملة الوطنية (الريال) الى مستويات غير مسبوقة وتسبب ذلك في مضاعفة نسبة التضخم، الامر الذي فاقم المصاعب المعيشية.
وحيث يشكل مضيق هرمز العقدة الكبرى في الصراع الأمريكي الايراني، إذ تسعى واشنطن لإطباق السيطرة عليه والتحكم في مصادر الطاقة بالمنطقة، فضلا عن قطع الطريق على التمدد الصيني وحشره تحت رحمة البيت الأبيض، فأن إيران هي الأخرى تتعرض لضغوطات جمة، حيث يشكل المضيق الشريان الرئيسي الحيوي لـ90 بالمئة من تجارة إيران الخارجية، بينما لا تزال 190 مليون برميل من النفط عائمة في البحر تقدر قيمتها بنحو 15 مليار دولار يصعب على طهران تصريفها طبيعيا بسبب الحصار والعقوبات الامريكية. هذا الوضع يسهم كثيرا في تجفيف السيولة النقدية التي تفضي بدورها إلى تراجع قدرة الحكومة على الانفاق، ما يؤدي الى تراكم الازمات المعيشية ويفاقم الاحتقان، خصوصا في الأطراف حيث تعيش أغلب الأقليات العرقية والاثنية والمذهبية. ويزيد من كل ذلك تقطيع أوصال الربط بين المناطق عبر تدمير الجسور والطرق وخصوصا الساحل الجنوبي على الخليج العربي الذي يسهم بنسبة كبيرة في حركة التجارة.
إغراءات التفكيك
في خضم هذه الأوضاع المعقدة، ومع إصرار الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على تجسيد قانون القوة بأبشع صوره، تبرز فكرة شيطانية أخرى تتمثل في إنهاك إيران اقتصاديا وعسكريا تمهيدا لتفكيكها بالرهان على المصاعب التي تواجهها طهران والتهميش الذي تتعرض له مناطق الأقليات التي سبق لها وأن دخلت في احتكاكات ومناوشات مع السلطة المركزية. لكن الحقيقة أن أغلب الشعب الإيراني بمختلف تكويناته الاثنية والعرقية وجد فيما قامت به واشنطن وتل أبيب عدوانا سافرا وجريمة كبرى ترنو لتفكيك الدولة وليس إسقاط النظام فحسب، ما فرض على دونالد ترامب الاعتراف بأن بلاده زودت الاكراد بالسلاح للتحرك من اجل الانفصال ومقاتلة الدولة المركزية، لكنهم لم يفعلوا. الفعل الأمريكي هذا تكرر مع أقليات أخرى لم يشأ ترامب الإعلان عنها، إضافة الى تحريك الطابور الخامس في الداخل الإيراني لخلخلة تماسك النظام ورفع قبضته عن الشارع.
صحيح أن استحقاقات ما بعد الحرب مقبلة لا محالة، ذلك أن الوضع الاقتصادي يواجه مصاعب جمة ويحتاج لرافعة كبرى تنقذ البلاد من حالة التردي وتضع حدا لتراجع حجم الاقتصاد وتدهوره، إلا أن الصحيح أيضا أن الشعب الإيراني لا يرى في ترامب ونتنياهو إلا عدوين جاءا لينفذا عدوانا على بلادهم ويفككوها ويعبدا الطريق لتمرير مخططاتهما في بسط السيطرة الصهيونية على المنطقة بعد أن تعم الفوضى، إن تمكنا من تنفيذ ما يهدفان إليه. والفوضى لن تكون، حينها، في إيران وحدها، بل ستشمل الضفة الأخرى من الخليج العربي، وستتعرض دول مجلس التعاون الخليجي إلى ضغوطات متعددة الاشكال وعلى رأسها تعميم الاتفاقات الابراهيمية على السعودية و قطر وعمان والكويت، وستكون الفرصة سانحة لمجرم الحرب نتنياهو ليرفع مجددا خريطة الشرق الأوسط الكبير الذي يسعى لتشكيلة بمعية الولايات المتحدة الامريكية واستثمار مصادر الطاقة في المنطقة التي ستكون في قبضة الكيان الحالم بـ"إسرائيل الكبرى".
هذا السيناريو ليس غائبا عن دول الخليج العربية والعراق. فالتجارب التي مرت بها المنطقة طوال العقود الماضية تؤكد أن الولايات المتحدة تضع استراتيجيتها وفق مصالحها فقط، ولا تعتّد بأي اتفاقات أو معاهدات مع "حلفائها" في المنطقة إلا إذا كانت تلبي هذه المصالح. وحيث أن المصلحة الامريكية اليوم هي المصلحة الصهيونية، فأن ترامب الذي اقسم أمام ناخبيه بسحب قوات بلاده من محيطات وبحار العالم وعدم خوض الحروب والتفرغ لإعادة بناء أمريكا العظمى، واصل مشاركته في حرب إبادة غزة وشكل مجلس سلام عالمي لتكريس الاحتلال في غزة، وخطط ونفذ لحربين ضد إيران في أول سنة له في البيت الأبيض، وهذا يتطلب يقظة من طراز جديد لدول المنطقة بوعي وإدراك بأن ما تقوم به الولايات المتحدة لن يكون في صالح شعوب المنطقة ودولها.
- الكيان أن "إسرائيل الكبرى" ينبغي أن تُشيّد على أنقاض الدولة الإيرانية التي تمتلك حضارة عمرها سبعة آلاف سنة، وتوافقه الإدارة الامريكية وتمضي في التدمير وتمزق الاتفاقيات ولا تعتّد بالأمم المتحدة ولا بمجلس أمنها، بل وتحرض على إقامة دولة "إسرائيل" من النيل للفرات، وفق تصريحات سفير واشنطن في تل أبيب. والكيان يفعل الشيء نفسه في ضرب القانون الدولي عرض الحائط. فعندما قام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بزيارة للعاصمة السورية دمشق، دعا "إسرائيل" لاحترام القانون الدولي والانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها، لكن مجرم الحرب نتنياهو اجابه بازدراء الطلب ورفضه، وذلك عبر إرسال جيشه ليقضم المزيد من الأراضي السورية في تحد سافر لم يسبقه إليه أحد إلا النازي ادولف هتلر. حدث ذلك في ظل صمت عربي ودولي ليس له مثيل، وكأن هذا الصمت ضوء أخضر للاستمرار في المخطط الشيطاني بتفكيك إيران وإقامة "إسرائيل الكبرى". إن حدث ذلك، لا سمح الله، فأن المنطقة برمتها ستدخل في مرحلة كارثية لا محالة. والمطلوب قراءة المشهد بدقة وإعمال العقل.

