عندما تجتمع باكستان، الدولة المسلمة النووية، مع السعودية، أرض الحرمين الشريفين، و تركيا ، التي كانت عاصمة آخر خلافة إسلامية، لتوقّع اتفاق دفاع مشترك، فمن الطبيعي أن يتساءل الناس:
ضد من هذا الحلف؟
في 7 أغسطس/آب 2026، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشتركة تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، وتعلن تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي.
كلام كبير عن الأمن، والردع، والتضامن، والاستقرار، لكن السؤال الأبسط والأكثر إزعاجًا: أين فلسطين؟ أين غزة؟
أين دولة الكيان الصهيوني التي تحتل الأرض الفلسطينية، وبيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين، وتواصل الحرب والقتل والاستيطان؟
فإذا كان هذا الحلف لا يرى في إسرائيل عدوًّا، ولا يضع فلسطين في قلب حساباته، فمن هو العدو الذي اجتمعت من أجله هذه الدول المسلمة؟
وإذا كان الحلف دفاعيًّا، فمن حق الشعوب أن تعرف: من هو العدو الذي يُبنى هذا الردع في مواجهته؟
وإذا كان المقصود حماية الدول الثلاث من أي عدوان، أيًّا كان مصدره، فلماذا لا يكون الاحتلال الإسرائيلي جزءًا واضحًا من معادلة الأمن هذه؟
المفارقة أن إسرائيل، وهي القوة العسكرية النووية غير المعلنة في المنطقة، ليست طرفًا في هذا الحلف، وفلسطين، القضية التي يتحدث باسمها ملايين المسلمين، لا تظهر في نص الاتفاق بوصفها قضية أمن أو تحرير.
والأكثر إثارة للسؤال أن الحلف وُلد في مكة، تحت عنوان التضامن الإسلامي، لكنه لا يعلن التزامًا عسكريًّا بالدفاع عن شعب مسلم يتعرض للاحتلال والمجازر منذ عقود.
هنا لا أتحدث عن مطالبة هذه الدول بإعلان حرب عشوائية على إسرائيل؛ فالحروب ليست شعارات، والقرارات العسكرية لها حساباتها وتعقيداتها، لكنني أتحدث عن ازدواجية المعايير: كيف تتحول كلمة "الأمن" إلى تحالف عسكري عندما يتعلق الأمر بحماية الأنظمة الاستبدادية، بينما تختفي عندما يتعلق الأمر بحماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال؟
الشعوب ليست غبية، ولا تحتاج إلى شعارات دينية كي تصفق لأي اتفاق.
إذا كان هذا الحلف دفاعيًّا فعلًا، فليقلها أعضاؤه بلا مواربة: من هو العدو الذي يستعدون لردعه؟ وأين تبدأ حدود هذا الردع وأين تنتهي؟ وماذا يعني شعار "أي عدوان" بينما تحتل إسرائيل قلب المنطقة، وتمارس العدوان والاحتلال والقتل والتهجير، وتفرض نفسها بقوة السلاح على شعوبها؟
أما أن تُقام أحلاف عسكرية تحت عنوان الدفاع، ثم يُترك الاحتلال الإسرائيلي خارج تعريف "العدوان"، فهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: دفاعٌ عن مَن، ومن أي عدو؟
والمفارقة أن الدول (الإسلامية) الثلاث ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، ولها علاقات أمنية وعسكرية متشابكة معها، فيما توجد قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام حلف مستقل يرسم أمن المنطقة بإرادته، أم أمام ترتيبات أمنية لا يمكن فصلها عن شبكة التحالفات والمصالح الأمريكية في المنطقة؟
اليمن وأنصار الله في قلب المعادلة
ففي الوقت الذي يغيب فيه الاحتلال الإسرائيلي عن تعريف واضح للعدو في هذا الحلف، تبدو المواجهة مع أنصار الله في اليمن حاضرة بقوة في المشهد الأمني المحيط بالاتفاق، خصوصًا مع توالي انتصارات أنصار الله في اليمن وتهديد طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وقد أعلنت تركيا استعدادها لتقديم دعم عسكري للسعودية في إطار اتفاق مكة، فيما ظل الموقف الباكستاني أكثر حذرًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: هل نحن أمام إعادة تشكيل لمفهوم الصراع في المنطقة؟
فبدلًا من أن يكون العنوان المركزي هو مواجهة الاحتلال الصهيوني ومشروع الهيمنة الأمريكية، هل يجري دفع المنطقة تدريجيًّا نحو صراع مذهبي يُختزل فيه المشهد إلى محور سُنّي في مواجهة محور شيعي كما تريد أمريكا وقوى الشر الغربية؟
إذا صحّ هذا الاتجاه، فنحن أمام تحوّل خطير في مفهوم الصراع: من صراع سياسي وعسكري يفترض أن الاحتلال والاستعمار هو عدو الإسلام الأول، إلى صراع مذهبي يستنزف شعوب المنطقة ويعيد توزيع عداواتها على أساس الطائفة.
اليمن هنا ليس تفصيلًا هامشيًّا. فوجود أنصار الله في المعادلة، والهجمات المتبادلة في البحر الأحمر، والعدوان والحصار السعودي-الأمريكي المستمر على اليمن، كلها تجعل من الصعب قراءة حلف مكة بعيدًا عن الصراع الإقليمي الأوسع.
والمشكلة ليست في أن تكون للدول تحالفاتها الأمنية، بل في أن تتحول هذه التحالفات إلى وسيلة لإعادة تعريف العدو، بحيث يصبح المسلم الشيعي المناصر لفلسطين أخطر من الاحتلال الذي ما زال يحتل الأرض ويقتل البشر.
عندها لا يكون السؤال فقط: حلف مكة ضد من؟
بل: من الذي يريد أن يغيّر بوصلتنا حتى يصبح العدو في مكان، وفلسطين في مكان آخر؟

