Menu

فتية التلال مشروع استيطاني جديد..

حسين موسى

يستخدم الاحتلال الإسرائيلي أساليب متعددة للسيطرة على مساحات واسعة من الضفة الفلسطينية ضمن مشروع كبير هدفه النهائي السيطرة على الأرض، وإفراغها من سكانها، ومشروع فتية الجبال يأتي ضمن هذا المخطط الكبير، فكيف يعمل هؤلاء الفتية.

للوهلة الأولى، لا يشبه المشهد الصورة التقليدية المرتبطة بالبؤر الاستيطانية في الضفة الفلسطينية؛ فتيات، فتية صغار السن بملابس دينية طويلة، يعيشون فوق قمم التلال، يطبخون، يزرعون الأشجار، ويقومون بأعمال البناء اليدوي.

فيما تظهر تفاصيل حياتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو أقرب إلى تجربة شبابية ريفية، رحلة، أو مخيم .

لكن خلف هذه الواجهة الناعمة التي تُسوّق تحت شعارات "العمل المقدس" و"العودة إلى الجذور" يتشكل واحد من أخطر نماذج الاستيطان .

فتيات وفتيان التلال.. ذراع "إسرائيل" لمد الاستيطان في الضفة الفلسطينية.

تقوم الفكرة على زرع مجموعة صغيرة من الفتيات، والفتية فوق تلة فلسطينية استراتيجية، ثم تثبيت وجودهم تدريجيًا، قبل إدخال الطرق والمياه والكهرباء والماشية واستقدام العائلات، لتتحول النقطة الهامشية بمرور الزمن إلى سرطان استيطاني يصعب اقتلاعه، ضمن استراتيجية كبرى تستهدف الاستيلاء على الأراضي ومضايقة السكان المحيطين بتلك التلال لدفعهم لترك أراضيهم.

تمثّل بؤرة "ماعوز إستير" و"أور أهوفيا" شمال شرق رام الله نموذجاً صارخاً لهذا المسار؛ فقد بدأتا كنقاط صغيرة فوق قمم التلال، وعلى الرغم من تعرض منشآتهما لعمليات هدم متكررة من قبل الإدارة المدنية الإسرائيلية، إلا أنهما أثبتتا قدرة فائقة على التجدد السريع وإعادة البناء بدعم خفي ومباشر من منظمات الاستيطان وحكومة اليمين المتطرف.

ولم يعد دور هؤلاء الفتيات، والفتية مقتصرًا على البقاء المعزول داخل الخيام، بل انتقل إلى قلب المواجهة المباشرة مع المزارعين الفلسطينيين.

ففي محطات عديدة، وثقت تسجيلات مصورة قدمت فيها مستوطنات أنفسهن باعتبارهن من "فتيات التلال" وهن يقطفن ثمار الزيتون عنوة من أراضٍ فلسطينية خاصة في بلدات الضفة (مثل أراضٍ غرب بيت لحم)، وينشرن المقاطع بسخرية وتحدٍ على منصات التواصل الاجتماعي.

هنا بالذات، ينتقل الاسم من صقيع العزلة إلى خط النار الأول في معركة الأرض والمحاصيل.

يحذر مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داوود، من خطورة هذه الظاهرة، معتبرًا أنها لا تمثل تجمعات شبابية عشوائية أو معزولة، بل تطوراً هيكلياً وممنهجاً في أدوات المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.

ويوضح "داوود" أن خطورة هؤلاء تكمن في تقديم النشاط الاستيطاني بصورة مغايرة تماماً للنموذج العنيف المعتاد للمستوطنين، مستخدمين السكن والزراعة والرعي لتثبيت الجذور فوق الأرض، قبل الانتقال تدريجيًا إلى البنى التحتية وربط البؤر ببعضها كشبكة تحاصر القرى والبلدات الفلسطينية.

ويشير إلى أن البؤر لا تحتاج في بدايتها لعشرات المنازل، بل يكفي خيمة أو مسكن متنقل وعدد محدود من الشابات لتبدأ دائرة السيطرة بالتمدد.

ويؤكد أن الزراعة والرعي هنا يؤديان دورًا خطيراً؛ إذ لا تقتصر السيطرة على مساحة الخيمة أو المزرعة، بل تمتد لتطوق المراعي والأراضي المحيطة بمساحات شاسعة.

إن الخطورة الأكبر تكمن في صناعة جيل جديد من المستوطنين يعتبر الاستيلاء على الأرض "نمط حياة" ومهمة مقدسة، مغلفاً أهدافه الاستعمارية بغطاء نسائي واجتماعي يهدف لتقطيع جغرافية الضفة الغربية وسلخها عن محيطها.

أن المشهد الذي يبدأ بعدد محدود من الفتيات فوق جبل لا ينبغي قراءته بشكله الخارجي الساذج، بل بما يترتب عليه لاحقًا من ربط للمستوطنات وخنق للمدى الحيوي الفلسطيني.

إن ما تشهده الضفة هو امتداد لسياسة الاحتلال المستمرة منذ عام 1967، لكنها بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة بالاستغلال الكامل لظروف الحرب والغطاء السياسي لفرض مزيد من الوقائع الميدانية، فمن الاستيطان الخشن إلى الاستيطان الناعم، تتكامل الأدوار، لكن النتيجة واحدة قضم مزيد من الأراضي والتهجير، أمام هذا الواقع لم يعد يجدي نفعاً مزيد من البيانات، والتحذيرات، والكتابات، بل أصبح من الواجب أمام الحركة الوطنية الفلسطينية وضع استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة خطر الاستيطان الذي يهدد الأرض والإنسان، فتجربة الانتفاضة الشعبية الأولى لا تزال محفورة في ذاكرة الشعب الفلسطيني، عندما تم تشكيل لجان شعبية لحماية القرى، والأحياء، والأراضي. إن الواقع الفلسطيني الحالي وما يحمله من تعقيدات في مواجهة الحكومة والمجتمع اليميني المتطرفين يملي على الحركة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ابتداع أساليب مواجهة جديدة على مختلف المستويات...