Menu

"النقد بين بناء الفكرة وهدمها" نحو وعي أعمق لوظيفة النقد

حيدر العيلة أبو الأمير

 

الكتابة ليست مجرد وسيلة لنشر الأفكار أو التعبير عن موقف من قضية ما، بل هي قبل ذلك مساحة للتفكير والمراجعة ومحاولة فهم ما يجري حولنا. فالكاتب حين يضع فكرة على الورق لا يقدّم نصاً فحسب، وإنما يضع جزءاً من رؤيته وتجربته وأسئلته أمام الآخرين. وقد لا يعرف في كثير من الأحيان من قرأ ما كتب، ولا مقدار ما تركه النص من أثر، لكن ذلك لا يلغي قيمة الكتابة بوصفها فعلاً من أفعال التفكير.

غير أن النص، بمجرد نشره، لم يعد ملكاً خالصاً لكاتبه. يدخل إلى فضاء أوسع، يقرؤه أشخاص مختلفون في تجاربهم ومعارفهم ومواقفهم، فيتفق بعضهم معه ويختلف آخرون، ويطرحون أسئلة ربما لم تخطر للكاتب نفسه. وهنا تبدأ الوظيفة الحقيقية للنقد؛ فالفكرة التي لا تُختبر تبقى أسيرة صاحبها، أما الفكرة التي تدخل في الحوار فتتاح لها فرصة أن تكتشف قوتها وضعفها معاً.

فالكاتب، مهما بلغ من المعرفة والخبرة، لا يستطيع أن يرى فكرته من جميع جوانبها. وربما يكون قربه الشديد منها سبباً في عدم رؤيته لبعض ثغراتها. وفي المقابل يستطيع قارئ بعيد عن الفكرة أن يلتقط تناقضاً أو نقصاً أو افتراضاً لم ينتبه إليه صاحب النص. ولهذا لا ينبغي النظر إلى النقد باعتباره خصومة مع الكاتب، بل باعتباره فرصة لاختبار الفكرة في فضاء أوسع من وعي صاحبها.

النقد ليس رفضاً

ثمة فارق أساسي بين النقد والرفض. أن تقول للكاتب إنك لا توافقه لا يعني أنك نقدت فكرته. النقد الحقيقي يبدأ من محاولة فهم ما قاله الكاتب، ثم مناقشة مقدماته وأدلته ومنطقه والنتائج التي انتهى إليها.

النقد الجاد لا يكتفي بالقول: "أنا لا أتفق معك"، بل يسأل: لماذا؟ أين تكمن المشكلة؟ هل هناك معلومة ناقصة؟ هل الاستنتاج لا يتناسب مع المقدمات؟ هل توجد زاوية أخرى لم تُناقش؟ وهل يمكن الوصول إلى نتيجة مختلفة انطلاقاً من المعطيات نفسها؟

وهنا يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط من التعامل مع النص:

الأول هو النقد الجاد والبنّاء، وهو الذي ينشغل بالفكرة نفسها، فيفحصها ويختبرها ويكشف جوانب القوة والقصور فيها. وقد يكون هذا النقد حاداً، بل قاسياً أحياناً، لكنه يظل نقداً ما دام موجهاً إلى الفكرة لا إلى صاحبها. والكاتب يحتاج، في الحقيقة، إلى هذا النوع من القراء؛ إلى من يجعله يعود إلى نصه ويفكر فيه مرة أخرى.

أما النوع الثاني فهو النقد الانفعالي، الذي يبدأ من موقف عاطفي قبل أن يبدأ من قراءة وتحليل. فقد يغضب القارئ من فكرة فيرفضها كلها، أو يعجب بها فيقبلها كلها، دون أن يتوقف طويلاً عند تفاصيلها. وتزداد هذه المشكلة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قد يكتفي البعض بقراءة العنوان، أو يقتطع جملة من سياقها، ثم يبني عليها موقفاً كاملاً من النص.

أما النوع الثالث فهو النقد الذي يستهدف الشخص بدلاً من الفكرة. وهنا ينتقل السؤال من "ماذا قال الكاتب؟" إلى "من هو الكاتب حتى يقول ذلك؟". فتبدأ محاكمة تاريخه أو انتمائه أو دوافعه أو شخصيته أو حياته الخاصة، بدلاً من مناقشة ما كتبه. وهذا ليس نقداً للفكرة، مهما كان قاسياً، بل محاولة لإسقاط قيمة القول من خلال الطعن في قائله.

ومن الأخطاء الشائعة أن نعتقد أن صحة الفكرة تتوقف على صاحبها. فقد يقول شخص لا نحبه كلاماً صحيحاً، وقد يقول شخص نحترمه كلاماً يحتاج إلى مراجعة. لذلك ينبغي أن يكون معيارنا في الحوار هو قوة الحجة وسلامة المنطق، لا صورة المتحدث في أذهاننا.

الاختلاف لا يعني الخطأ

من المهم أيضاً أن نخرج من فكرة أن الاختلاف بين شخصين يعني بالضرورة أن أحدهما مخطئ. بعض القضايا تحتمل أكثر من قراءة، وبعضها يحتاج إلى نقاش طويل قبل الوصول إلى نتيجة. وليس مطلوباً من الكاتب أن يغيّر قناعته كلما اعترض عليها أحد.

الكاتب الذي يبدّل موقفه عند أول اعتراض يفقد استقلاله، لكن الكاتب الذي يرفض كل اعتراض لمجرد أنه اعتراض يفقد أيضاً القدرة على التطور. وبين هذين الطرفين توجد مساحة أكثر نضجاً: أن أتمسك بما أراه صحيحاً، وفي الوقت نفسه أترك الباب مفتوحاً لاحتمال أن أكون قد أخطأت في جانب منه.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: متى ينبغي للكاتب أن يراجع قناعته؟

ليس كل نقد سبباً للتراجع، لكن بعض النقد يستحق التوقف. فإذا كشف الناقد تناقضاً حقيقياً في الفكرة، أو قدّم معلومة جديدة، أو أظهر أن الاستنتاج لا يستند إلى مقدماته، فإن مراجعة الموقف لا تكون هزيمة ولا تنازلاً، بل علامة على النضج الفكري.

المشكلة ليست في أن نغيّر رأينا، وإنما في أن نعتبر تغيير الرأي عيباً. الإنسان الذي يكتشف خطأه ثم يصر عليه حفاظاً على صورته أمام الآخرين لا يدافع عن مبدأ، بل عن كبريائه. أما الذي يستطيع أن يقول: "كنت مخطئاً في هذه النقطة"، فهو لا يخسر مكانته، بل يضيف إلى تجربته معرفة جديدة".

ولعل أصعب أنواع النقد هو النقد الذي يوجهه الإنسان إلى نفسه. فالكاتب لا ينبغي أن ينتظر الآخرين دائماً حتى يكشفوا له مواطن الضعف في نصه. عليه، قبل نشره، أن يسأل نفسه: هل شرحت فكرتي بما يكفي؟ هل استخدمت تعميماً لا أملك دليله؟ هل تركت جانباً مهماً دون مناقشة؟ هل يمكن أن يُفهم كلامي على نحو مختلف عما قصدته؟

هذه الأسئلة لا تعني أن الكاتب يجب أن يكتب نصاً يرضي الجميع؛ فهذا مستحيل. لكنها تعني أن عليه أن يتحمل مسؤوليته تجاه ما يكتب، وأن يفرق بين من يختلف معه لأن لديه حجة، ومن يرفضه لمجرد الرفض.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي للكاتب أن يقع في خطأ مقابل، فيضع كل نقد لا يعجبه تحت عنوان "النقد الهدام". فقد يكون النقد موجعاً أو خشناً في لغته، لكنه يكشف مشكلة حقيقية. لذلك علينا أن نتعلم فصل أسلوب النقد عن قيمة ما يقوله النقد. قد نرفض الطريقة، لكن علينا ألا نرفض الفكرة الصحيحة لمجرد أنها قيلت بطريقة لا تعجبنا.

من هدم الفكرة إلى إعادة بنائها

وظيفة النقد الأعمق، في تقديري، ليست هدم الأفكار، وإنما اختبار قدرتها على الصمود وإعادة بنائها عند الحاجة.

فالفكرة ليست كتلة واحدة لا يجوز الاقتراب منها. قد يكون في جوهرها ما يستحق الدفاع عنه، وفي بعض تفاصيلها ما يحتاج إلى تعديل، وفي بعض مقدماتها ما يحتاج إلى إعادة نظر. والنقد الجيد يستطيع أن يميز بين هذه المستويات، فلا يهدم الفكرة كلها لأنها أخطأت في جزئية، ولا يحافظ على كل تفاصيلها بدعوى الدفاع عن جوهرها.

وهنا يصبح النقد عملية بناء حقيقية. قد يأتي القارئ باعتراض يكشف ثغرة، فيدفع الكاتب إلى إضافة حجة. وقد يلفت نظره إلى جانب غائب، فيوسع زاوية النظر. وقد يثبت أن نتيجة معينة كانت متسرعة، فيعيد الكاتب صياغتها بصورة أكثر دقة. وعند المراجعة قد تبقى الفكرة الأساسية كما هي، لكنها تصبح أكثر تماسكاً وأقل عرضة للثغرات.

وهذا الأمر لا يخص الكتاب والكتابة وحدهما. فالمجتمعات والمؤسسات والتنظيمات والأحزاب التي لا تسمع إلا المديح تفقد تدريجياً قدرتها على رؤية أخطائها. وحين يصبح الاختلاف تهمة، والنقد إساءة، والمراجعة خروجاً على الجماعة، تتحول المؤسسات من أماكن لإنتاج الأفكار إلى أماكن لإعادة إنتاج المواقف نفسها.

لكن النقد داخل المؤسسات يحتاج أيضاً إلى مسؤولية. فليس الهدف من كشف الخطأ التشهير بصاحبه، ولا تحويل المراجعة إلى تصفية حسابات. النقد الذي يهدف إلى الإصلاح يجب أن يبحث عن الخلل، لا عن ضحية يحمّلها كل الأخطاء.

وفي النهاية، لا أعتقد أن قيمة النقد تقاس بمدى قسوته، ولا بقدرته على إحراج الكاتب أو إسقاطه، وإنما بما يضيفه إلى الفكرة. كما أن قيمة الكاتب لا تقاس بعدد من يصفقون له، ولا بعدد من يختلفون معه، وإنما بقدرته على أن يواصل التفكير بعد أن ينتهي التصفيق ويبدأ السؤال.

الكتابة ليست إعلاناً عن امتلاك الحقيقة، والنص ليس حكماً نهائياً لا يقبل المراجعة. إنما هو محاولة لفهم الحقيقة من زاوية معينة، ثم اختبار هذه المحاولة أمام الآخرين.

لذلك لا أخشى الاختلاف مع ما أكتب، ولا أبحث عن إجماع حوله. ما أتمناه هو أن يكون الاختلاف مدخلاً إلى نقاش حقيقي، وأن يكون النقد وسيلة لتوسيع الفكرة لا لتشويه صاحبها.

فالمشكلة ليست أن نختلف، وإنما أن نعجز عن تحويل اختلافنا إلى معرفة.

وحين يتحول النقد من رغبة في هدم الآخر إلى محاولة لفهم الفكرة، ومن محاكمة الكاتب إلى اختبار حجته، يصبح أكثر من مجرد اعتراض؛ يصبح شريكاً في بناء الفكرة، وتطوير الكاتب، وتعميق الوعي.