Menu

كيف يواجه المبدع الفلسطيني عجزه أمام غزة

زكريا السيد أحمد

- تبدأ بعض الصباحات اليوم من شاشة الهاتف لا من نافذة البيت، نفتحها لنتفقد (غزة) فنرى قبوراً جديدة، ووجوهاً أطفأها البرد أو أحرقتها النار، وأسماء أخرى غادرت الحياة قبل أن نعتاد أسماء الذين غادروا قبلها، نعد الموتى ونقرأ الأخبار، ونتوقف قليلا أمام صورة طفل انتشل من تحت الركام، ثم ننتقل بعد دقائق إلى إعلان عن هاتف جديد أو مباراة أو برنامج ترفيهي، وكأن العالم قد تعلم كيف يضع المذبحة في الشاشة نفسها التي يضع فيها كل شيء آخر، ولعل الخطر الأكبر في هذا التكرار ليس أن نرى الموت كثيراً، بل أن نعتاد رؤيته، وأن يتحول الدم مع كثرة تدفقه من صدمة إلى صورة، ومن صورة إلى خبر، ومن خبر إلى خلفية بصرية لحياتنا اليومية .

- في خضم هذه المشهدية يجد المبدع الفلسطيني نفسه أمام مأزق لا يستطيع أن يتجاوزه بسهولة، فهو ليس متفرجاً عادياً على ما يحدث في (غزة)، لأن المسافة بينه وبين الضحية ليست مسافة شاشة، ولا يمكنه أن يتعامل مع الموت باعتباره مادة عابرة في دورة الأخبار، ولأنه في الوقت نفسه يعيش ذلك التناقض القاسي بين حياة تستمر، ومدينة لا تكف عن الموت، بين فنجان قهوة يمكن أن يشربه في صباح هادئ، وبين طفل يُسحب في اللحظة نفسها من تحت أنقاض بيته، وهنا يكون أقسى ما يواجهه المبدع هو اكتشاف ضآلة أدواته أمام هذا الحجم من العجز، فالقصيدة لا توقف صاروخاً، واللوحة لا تمنع بيتاً من الانهيار، والكاميرا لا تعيد جسداً من تحت الأنقاض، والكلمات لا تستطيع أن تقود أماً إلى طفلها الذي تبحث عنه بين الحجارة، وهذا العجز لا يسقط قيمة الإبداع، بقدر ما يضع المبدع أمام مسؤوليته الأخلاقية، ويجعله أكثر وعياً بحدود ما يستطيع فعله، وبالمعنى الذي يمكن أن تمنحه كلمته لما يحدث .

- ليس هذا جديداً في التجربة الفلسطينية، فمنذ النكبة كتب الفلسطيني ورسم وصور وروى وشهد، وحاول أن يحمل ما عجز الجسد عن حمله، ولم يستطع المبدع أن ينقذ (فلسطين) من الاقتلاع، ولم تستطع القصيدة أن تعيد اللاجئ إلى بيته، ولم تستطع الرواية أن توقف دبابة، لكن الإبداع استطاع في لحظات كثيرة أن يمنع الآخرين من كتابة النهاية الفلسطينية نيابة عن أصحابها، وهنا تكمن إحدى الوظائف الأعمق للإبداع الفلسطيني في مقاومة المحو حين يعجز عن إيقاف الموت .

- كان ( غسان كنفاني ) واحداً من الذين أدركوا مبكراً أن الاقتلاع لا يستهدف المكان وحده، بل يحاول أيضاً انتزاع حق الفلسطيني في أن يقول ماذا حدث له، وأن يروي خسارته بلغته، وأن يمنح وجهاً إنسانياً لذلك الذي يمكن اختزاله بسهولة في كلمة ( لاجئ)، لذلك لم تكن رواياته وقصصه أدباً مجرداً عما يمر به وطنه، بل كانت محاولة لاستعادة الإنسان من بين أنقاض الحكاية التي أراد الآخرون كتابتها عنه، ولم يملك (كنفاني) بندقية حين حمل قضيته في كتاب، لكنه كان يملك شخصية روائية وذاكرة ولغة قادرة على أن تجعل المأساة الفلسطينية حاضرة في وعي من يقرؤها، لا بوصفها رقماً في سجل الهزائم، بل بوصفها إنساناًً له بيت واسم وذاكرة وحق مشروع .

- في الاتجاه نفسه جاء الفنان الشهيد ( ناجي العلي ) من جدار المخيم، ومن ذاكرة اللاجئ، ومن ذلك الغضب الذي لم يجد طريقه إلى الصمت، وكانت بضعة خطوط في رسومه قادرة أحياناً على اختصار صفحات من الكلام، لا لأنها كانت أقوى من الدبابة، وإنما لأنها كانت ترفض أن تجعل الظلم أمراً عادياً، في حين أن (حنظلة) لم يردع دبابة لكنه بقي شاهداً، وهذه هي المسألة في أن يكون الفن جزءاً من المقاومة لا لأنه يمتلك القوة ذاتها التي يمتلكها السلاح، وإنما لأنه يستطيع أن يقاوم ما لا يستطيع السلاح وحده أن يهزمه .

- في الشعر ومنذ (إبراهيم طوقان) إلى (محمود درويش) و (سميح القاسم) لم تكن القصيدة الفلسطينية مجرد تعليق شعري على حدث سياسي، بل كانت لغة تحمل التجربة الفلسطينية إلى ما هو أبعد من زمنها، فحين غاب الوطن عن الجغرافيا بقي حاضراً في اللغة، وحين أصبح الإنسان الفلسطيني مهدداً بأن يتحول إلى رقم، جاءت الكلمات لتعيد إليه اسمه ووجهه وحقه في أن يكون أكثر من خبر في نشرة الأخبار .

- رغم جميع ما سبق فإن (غزة) اليوم تضع المبدع أمام مأزق أشد قسوة، فالمأساة تصل إليه في لحظتها إلى هاتفه مباشرة، بصوت الطفل ووجه الأم وصورة البيت الذي كان قبل دقائق مكاناً للحياة، ولم يعد التعامل معها مجرد فعل كتابة، بل أصبح فعلاً أخلاقياً تسبق فيه مسؤولية الإنسان رغبة المبدع في القول، فثمة فرق كبير بين أن تكتب لكي تحفظ إنساناً من المحو، وبين أن تكتب لكي تعرض مهارتك في الكتابة، بين نص يبقى فيه اسم الضحية واضحاً، وبين نص يصبح فيه اسم الكاتب أوضح من الضحية، وأيضاً بين التوثيق والاستهلاك، وبين أن يكون المبدع شاهداً وبين أن يجعل من الشهادة منصة لعرض نفسه، وهذا هو بالضبط الفارق بين الإبداع الذي يولد من المأساة، والإبداع الذي يتاجر بها، و(غزة) المكلومة لا تحتاج إلى شاعر يجمّل جثثها بالاستعارات الباهرة، ولا إلى كاتب يحوّل موت أطفالها إلى مادة في سيرته الأدبية، ولا إلى فنان يجعل من الركام خلفية جمالية لصورة مكتملة العناصر، لكنها في الوقت نفسه لا تحتاج إلى صمت كامل، لأن الصمت حين يصبح دائماً قد يتحول _ من حيث لا يريد صاحبه _ إلى شريك في النسيان، وهنا ومن باب الإنصاف نجد من خلال متابعاتنا لمشهد (غزة) أن تجربة الكاتب والشاعر الشهيد (رفعت العرعير) كانت من أكثر التجارب الفلسطينية المعاصرة وضوحاً في هذا المعنى، فقد اختار أن يمنح أبناءها مساحة ليتحدثوا عن أنفسهم، وأن يخرج الإنسان الفلسطيني من موقع الشخصية التي يتحدث عنها الآخرون إلى موقع من يملك حق رواية حكايته، وحين استشهد في كانون الأول عام ٢٠٢٣ لم تنته الأسئلة التي حملها، بل ازدادت قسوة، وبقي السؤال عن صاحب الحق في حكاية الفلسطيني حين يقترن القتل بمحاولة محو حكايته حاضراً بقوة .

- من المؤكد أن المبدع الفلسطيني لا يبدأ من الصفر، فخلفه تراكم طويل من التجربة، من النكبة والمخيم والمنفى والانتفاضة وحصار (بيروت) وحصار (غزة)، ومن جدران (ناجي العلي) وكتب (كنفاني)، وقصائد الشعراء وعدسات الذين حملوا الكاميرا إلى الأماكن التي كان الموت يريد لها أن تصبح بلا شهود، لكن هذا التراكم لا يمنح المبدع إجابة جاهزة، وإنما يمنحه معرفة واحدة هي أن الإبداع لا يستطيع دائماً إنقاذ الجسد، لكنه يستطيع أن يقاوم موته الثاني، فالجسد يموت مرة، أما الإنسان فقد يموت مرة أخرى حين يُمحى اسمه وتُنسى حكايته، ويصبح بيته صورة مجهولة، وتتحول وفاته إلى رقم في خبر قديم، ثم يطويها خبر جديد، وهنا تبدأ القيمة الحقيقية لما يستطيع المبدع فعله .

_ ليس المطلوب منا أن نبالغ في قوة الفن فنقول إنه يستطيع أن يوقف القصف أو يشفي الجرحى أو يفتح المعابر، فهذا كلام لا يواجه الحقيقة، وفي المقابل ليس صحيحاً أن نذهب إلى الطرف النقيض فنعلن عجز الإبداع الكامل، وكأن ما نكتبه أو نصوره أو نرسمه لا قيمة له لأن الصاروخ أقوى من الكلمة، فبين هذين الوهمين توجد الحقيقة الأكثر تواضعاً والأكثر صعوبة في أن الفن قد لا ينقذ الإنسان من الموت، لكنه يستطيع أحياناً أن يمنع الموت من امتلاك الكلمة الأخيرة، ولهذا لزاماً على المبدع الفلسطيني في زمن (غزة) أن يمتلك أدوات أخرى غير أدواته الفنية، فهو معني اليوم أن يعرف متى يتكلم وكيف يتكلم ولمن يتكلم، وأن يعرف أيضاً أن بعض الصمت قد يكون أكثر صدقاً من نص مستعجل، كما أن بعض الصمت قد يصبح _ إذا طال _ شكلاً آخر من أشكال المشاركة في النسيان، وليكن واضحاً أنه ليس مطلوباً من المبدع أن يتكلم بدل الضحية، بل أن يعمل بحيث لا تُمحى الضحية، وأن يحفظ الاسم قبل أن يصنع الصورة، والوجه قبل أن يصنع الاستعارة، والبيت قبل أن يصنع المشهد، ولذلك فإن المبدع في حضرة الإبادة الجماعية في (غزة) لا ينبغي له أن يقيس عمله بجمال النص وحده، بل بما تركه هذا النص للإنسان الذي كتب عنه سيما في حفظه من المحو، وهنا على المبدع أن ينحاز إلى الخيار الأخلاقي في أن يحافظ على إبداعه شاهداً على المأساة، لا شاهداً على براعته .

- إن أخطر ما يمكن أن يحدث ل غزة اليوم ليس فقط في عجزنا عن إنقاذها، بل أن نتعلم كيف ننظر إلى موتها دون أن نتألم، وأن يصبح الركام مألوفاً، وهنا تحديداً يصبح عجز المبدع أمام (غزة) بداية حقيقية له، لأنه من بعد تلك البداية سيعرف حدود فنه فلا يدعي ما لا يستطيع، ويعرف مسؤوليته فلا يتخلى عما يستطيع، وستكون كلماته أقل لمعاناً وأكثر صدقاً، وصورته أقل استعراضاً وأكثر شهادة، وقصيدته أقل بحثاً عن التصفيق وأكثر وفاء لمن لا يستطيع أن يتكلم، فأفضل نص عن (غزة) قد لا يكون النص الذي يدهشنا أكثر، وإنما النص الذي يجعل اسم الضحية أوضح من اسم كاتبه، والمبدع حين يبلغ هذه الدرجة من الوعي لا يعود معنياً بأن ينتصر نصه على نصوص الآخرين، بقدر ما يعنيه أن ينتصر الإنسان في نصه على محاولات شطبه، وكأن (رفعت العرعير) قبل رحيله ترك للمبدع الفلسطيني وصيته الأخيرة {{ فليأتِ موتي بالأمل، فليصبح حكاية}} .