وسط ظروف سياسية بالغة التعقيد تحيط بالقضية الفلسطينية ومستقبلها وحالة الجمود في النظام السياسي الفلسطيني وعدم قدرته على مواجهة التحديات ومخططات التصفية حول ما يحاك من مخططات لتصفية القضية أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً بتاريخ 18/٦/٢٠٢٦ رقم /٢/ ينص على إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في اليوم الأول من شهر تشرين الثاني لعام /٢٠٢٦/ وفق قرار تعديل القانون الانتخابات العامة الذي يتضمن رفع عدد أعضاء المجلس إلى /٣٥٠/ عضواً على أن يكون /٢٠٠/ عضو من الداخل و/١٥٠/ من دول الشتات.
ومما لا شك فيه أن الانتخابات هي استحقاق وطني وقانوني ناظم لها وميزان تكافؤ الفرص وإطار جامع لإرادة الناخب وصندوق انتخاب وصوت المواطن من خلال المشاركة الحقيقية في حرية الانتخابات والفاعلة في المشهد السياسي الذي يتطلع له الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة بالذات نظراً للواقع السياسي الهش الذي يعيشه الشعب الفلسطيني والخوف على مستقبل المشروع الوطني مما يجعل أهمية الانتخابات بوضع منهجية جامعة تفضي إلى مخرجات تمثل الإطار الحقيقي للإرادة الشعبية والتمثيل السليم للقدرات والكفاءات التي تستطيع أن تنهض بالواقع السياسي وتحافظ على المشروع الوطني وتفعيله ضمن الهيئات والمؤسسات الإقليمية والدولية خصوصاً أمام وحشية وشراسة الاحتلال الإسرائيلي وعدوانيته ومخططاته الهادفة طمس القضية الفلسطينية وشطب حقوق شعبها وتهجيره خارج أرضه ومدنه وبلداته.
انطلاقاً مما تقدم جعل العديد من القوى السياسية والاجتماعية والثقافية والأكاديمية والمستقلين يطرح جملة من الأسئلة بالغة الأهمية حول طبيعة هذه الانتخابات والدوافع والحيثيات التي أفضت إلى إصدار مرسوم الانتخابات من حيث أهدافه وتوقيته مع تحليل الواقع والنتائج المترتبة علية ومدى انعكاسه على القضايا الوطنية وعلى حماية المشروع الوطني وحالة التوافق والوحدة الوطنية ومدى فاعلية نتائج الانتخابات وما تفرزه مستقبلاً على النظام السياسي وهل الانتخابات المقررة تشكل فرصة إصلاح مؤسسات منظمة التحرير وتعزز دورها؟ أم ستكون تكريس حالة هيمنة وانقسام جديد لصورة الوضع الفلسطيني؟ لا بل هل الانتخابات حقيقية تمثل الداخل والخارج في إطار جامع وحالة توافقية تشمل جميع مكونات المجتمع الفلسطيني؟
أمام هذه الأسئلة بات من الضرورة نجاح الانتخابات ضمن حوار وطني شامل وتوفير حالة توافقية تستند إلى بيئة سياسية وقانونية وإشراف هيئة مناسبة تمنح العملية الانتخابية القوة والشرعية وبالتالي تفضي إلى انتخاب قيادة وطنية تحظى بقبول واسع تعزز الوحدة الوطنية وتدافع عن المشروع الوطني لا أن تكون انتخابات تحت يافطة الإقصاء وتكريس الانقسام والتفرد من هنا وأمام المخاوف والقلق، ظهرت عدة مواقف وبيانات رافضة لآلية الانتخابات المطروحة واستمرارية الخلل في إدارة العملية الانتخابية وفق تفاهمات مغلقة وقوائم معدة سلفاً وعدم وضع معيار الشفافية للتمثيل بعيداً عن الولاءات الشخصية والمحاصصة والإقصاء والتفرد.
كما شكل الإعلان الاستباقي عن تقسيم الساحات في الخارج إلى ثماني دوائر انتخابية مما جعلها تمثل توجيهاً مسبقاً للعملية الانتخابية برمتها أي شطب الغاية الأساسية من إجراء انتخابات حرة ونزيهة لا تستند إلى فتح سجلات للناخبين في الشتات والخارج وصولاً لعملية الاقتراع ذاتها.
إن الطريقة المطروحة والتي ستدار بها العملية الانتخابية في حال إجرائها تكشف عن توجيهات تهدف ربما إلى تجديد شرعية القيادات القائمة من خلال عملية انتخابية شكلية روتينية تقوم على الوصاية والتعيين والاعتماد على التجمعات الانتخابية التي ستفرز حكماً ممثلين على مقاس الطرف الذي يدير العملية الانتخابية وهذا ما جرى في التجارب الانتخابية السابقة بدلاً من أن تكون هذه الانتخابات فرصة وضرورة وطنية تفضي إلى تجديد شرعية المجلس الوطني المنتخب واعادة تفعيل دوره على صعيد النظام السياسي وإصلاح مؤسسات منظمة التحرير ونظمها وفك الارتباط مع السلطة الفلسطينية ومن خلال هذا المنظور جاء الإصرار على التمسك بإجراء الانتخابات باعتبارها حقاً ديموقراطياً أصيلاً لشعبنا وإطاراً لتجديد الشرعيات وبناء المؤسسات لنظام سياسي وفق قاعدة الوحدة والشراكة بعيداً عن الاشتراطات المسبقة وعن الصراعات والمشاحنات وتهيئة المناخ السياسي والقانوني الضامن لإجراء الانتخابات بصورة شفافة مطلقة تصب في أولوية أهدافها المصلحة الوطنية العليا وبالتالي جعلها تسهم في فتح مسار سياسي فلسطيني إيجابي يعمل على إيجاد مخرج حقيقي لحالة الانقسام والمأزق السياسي الذي يمر به الواقع الفلسطيني في ضوء عدم القدرة على مواجهة التحديات التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة والعمل على حشد الطاقات والقدرات للقوى السياسية والجماهيرية لإدارة الصراع بقوة وفاعلية مؤثرة في النظام السياسي الفلسطيني تعكس وجودها على المستويين الإقليمي والدولي لحماية القضية الفلسطينية وحقوقها بوصفها قضية تحرر وطني وشعب له حق العودة الوجود وتقرير المصير.
،

