Menu

ثمانية وسبعون عاماً من الاحتلال: من وهم "إسرائيل الكبرى" إلى شعب لا يُكسر

عمر فارس

في السابع من أكتوبر 2026، وبعد ثلاث سنوات كاملة على ذلك الصباح الذي غيّر وجه الشرق الأوسط، أصبح العالم يرى الأمور بوضوح: من يدافع عن نفسه، ومن يرتكب المجازر؛ من يحمي الحقوق، ومن يدوس على القانون الدولي. وحين رفع نتنياهو خريطة "الأرض الموعودة" أمام الكاميرات وقال "بالطبع" مرتين، انكشف القناع تماماً. لم يعد الحديث عن "الدفاع عن النفس" سوى ستار رقيق يخفي حقيقة أبشع.

أولاً: شعب تحت الاحتلال... له الحق في المقاومة. لم يحرّم القانون الدولي يوماً على الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أن تحمل السلاح في وجه الاستعمار العسكري. قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3103 لعام 1972 نصّ صراحة على أن "نضال الشعوب من أجل تقرير مصيرها مشروع ويتوافق مع مبادئ القانون الدولي". وموسوعة أكسفورد للقانون الدولي العام تؤكد أن حق المقاومة حق معترف به عندما يواجه شعب ما سيطرة أجنبية. الشعب الفلسطيني يعيش تحت أطول احتلال عسكري في التاريخ الحديث. غزة محاصرة منذ ما يقارب العشرين عاماً، والمستوطنات تتوسع في الضفة الغربية، ومحكمة العدل الدولية حكمت في رأيها الاستشاري بشأن "الجدار العازل" بأن الاحتلال الإسرائيلي مخالف للقانون الدولي. في ظل هذا الواقع، الحديث عن "مسارات السلام" دون الحديث عن الاحتلال نفسه هو نفاق بعينه.

ثانياً: حلم "إسرائيل الكبرى" وحقيقة الإبادة الشاملة. في أغسطس 2025، ظهر نتنياهو على القناة 24 الإسرائيلية، وقُدّمت له خريطة "الأرض الموعودة"، وحين سأله المذيع إن كان يتبنى رؤية "إسرائيل الكبرى"، أجاب مرتين: "بالطبع". هذه ليست هلوسة فردية، بل هي الترجمة العلنية لمنطق التوسع الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي منذ عقود. جامعة الدول العربية أدانت فوراً هذه التصريحات ووصفتها بأنها "انتهاك صارخ للسيادة العربية"، ومجلس التعاون الخليجي اعتبرها "تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والعالمي". وفي غزة، تحوّلت هذه الأيديولوجيا إلى فعل على الأرض. وفقاً لوزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد الشهداء 73 ألف فلسطيني، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اعترف في بيان له في 5 أكتوبر 2026 بأن المدنيين في غزة "يواصلون الكفاح في ظروف لا تُحتمل". هذا ليس "دفاعاً عن النفس"، هذا عقاب جماعي، وهذه جرائم حرب، وهذا هو المصطلح الذي تكرر في تقارير الأمم المتحدة: إبادة جماعية.

ثالثاً: من لبنان إلى إيران... مسار توسّع لا يتوقف. لم تقتصر العمليات العسكرية الإسرائيلية على غزة. منذ 8 أكتوبر 2023، أطلق حزب الله صواريخ باتجاه شمال إسرائيل تضامناً مع الشعب الفلسطيني في غزة، فردّت إسرائيل بقصف واسع النطاق على جنوب لبنان. وفي سبتمبر 2024، نفّذت إسرائيل هجوماً غير مسبوق عبر تفجير آلاف أجهزة الاتصال "البيجر"، ما أسفر عن خسائر كبيرة في صفوف قيادات حزب الله، ثم اغتالت الأمين العام حسن نصرالله في غارة جوية في 27 سبتمبر. كما توسّعت الضربات الإسرائيلية لتطال إيران مباشرة، فامتدت النيران من غزة إلى لبنان إلى سماء طهران. هذا مسار توسّع واضح، منطقه يتطابق تماماً مع التخيّلات التوسعية لـ"إسرائيل الكبرى".

رابعاً: شعوب العالم معنا... والهاسبارا تحاول تبييض وجه إسرائيل. لم يكن يوماً الشعب الفلسطيني وحيداً. من شوارع لندن إلى مدريد، ومن جامعات نيويورك إلى عواصم أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، خرجت ملايين البشر في مظاهرات هي الأكبر منذ عقود. حركات "طلاب من أجل فلسطين" اجتاحت الجامعات الأمريكية والأوروبية. نقابات العمال في بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا دعت إلى مقاطعة إسرائيل. بلديات أوروبية رفعت علم فلسطين فوق مبانيها. جنوب أفريقيا رفعت دعوى الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، وانضمت إليها دول عدة. هذا ليس تعاطفاً عابراً، بل تحوّل تاريخي في الرأي العام العالمي. وفي مواجهة هذا المدّ، تشنّ آلة الدعاية الصهيونية — "الهاسبارا" — حرباً موازية على الوعي. شبكات منظمة من الحسابات المموّلة، ومراكز أبحاث، ووسائل إعلام، تعمل ليل نهار على تبييض وجه إسرائيل وتصويرها كديمقراطية محاصرة تدافع عن نفسها. وفي المقابل، تُشنّ حملة منظمة لتشويه الفلسطينيين: إلصاق تهمة الإرهاب بكل من يرفع صوته، وتحميل الضحية مسؤولية قاتلها، والمساواة بين المقاومة المشروعة — التي يكفلها القانون الدولي — وبين الإرهاب. لكن هذه الآلة بدأت تفقد فعاليتها. استطلاع غالوب لعام 2025 أظهر أن دعم الأمريكيين للعمليات العسكرية الإسرائيلية هبط إلى أدنى مستوى تاريخي عند 32%، بينما بلغت المعارضة 60%. ومركز بيو للأبحاث وجد في مارس 2026 أن 60% من البالغين الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقابل 42% في 2022. والأهم: استطلاع غالوب في فبراير 2025 كشف أن تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين تجاوز لأول مرة تعاطفهم مع الإسرائيليين (41% مقابل 36%). التغيير لا يقتصر على الديمقراطيين. بيانات بيو تُظهر أن 57% من الجمهوريين بين 18 و49 عاماً يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل. النائب توماس ماسي قدّم تعديلاً لوقف كل المساعدات الأمريكية لإسرائيل، واللوبيات المؤيدة لإسرائيل تجد نفوذها يتقلص. وكما قال المحلل دانيال ليفي، فإن الناخبين "بدأوا يتساءلون جذرياً: هل هذه العلاقة تخدم أمريكا فعلاً؟" الحقيقة أن شعوب العالم — لا حكوماته دائماً — أصبحت مع فلسطين. والهاسبارا قد تربح معركة إعلامية هنا أو هناك، لكنها تخسر الحرب على الوعي العالمي.

خامساً: وجوه رأيتها بعينيّ. شاركت شخصياً في تنظيم مسيرة برية على حدود غزة، حاول فيها آلاف الناشطين الوصول إلى القطاع لكسر الحصار. أوقفتنا جميعاً السلطة المصرية، لكن تلك الوجوه — الفلسطينية، وجوه الناشطين الدوليين، وجوه الصحفيين — ما زالت محفورة في ذاكرتي. ثم شاركت بفعالية في "أسطول الصمود"، حيث اعترضت البحرية الإسرائيلية سفننا في عرض البحر، واختطفونا واحتجزونا وحقّقوا معنا. في تلك الليالي التي كنّا محتجزين فيها، كنت أفكر في الواقع الذي يعيشه أهل غزة كل يوم. نحن احتُجزنا بضعة أيام فشعرنا بالاختناق، وهم محاصرون منذ أكثر من تسعة عشر عاماً، يعيشون في خوف دائم — خوف من سقوط القنبلة القادمة على سطح بيتهم، خوف من خروج الطفل من الباب فلا يعود أبداً. وكذلك آلاف الأسرى الفلسطينيين، ومنهم الدكتور حسام أبو صفيه، الذين يعانون التعذيب الدائم في ظروف صعبة جداً. لكن هذا التناقض بالذات جعلني أكثر اقتناعاً بحقيقة واحدة: الفلسطينيون لن يُكسروا. ليس لأن قوتهم العسكرية أكبر — فهم لا يملكون قوة تُقارن أصلاً. بل لأن الشعب عندما يُسلَب كل شيء ولا يبقى له سوى الأرض والكرامة، تصبح الأرض والكرامة شيئاً لا يمكن قهره.

سادساً: ثلاث سنوات... ليست النهاية. مرّت ثلاث سنوات. النار التي اشتعلت في ذلك الصباح ما زالت تحرق. لكن داخل اللهب، هناك حقيقة أصبحت واضحة: إسرائيل تستطيع تدمير كل مبنى في غزة، وتستطيع قتل عشرات الآلاف، وتستطيع عبور الحدود لقصف لبنان وإيران، لكنها لا تستطيع قتل إرادة شعب. 73 ألف روح ليست أرقاماً، بل إحداثيات. خلف كل اسم وجه لا يمكن تفجيره، وعينان لا يمكن إغلاقهما. العالم يتغير، وأمريكا تتغير، وشعوب الأرض تقف معنا رغم كل محاولات التضليل. والفلسطينيون — بغض النظر عن حجم المعاناة — لم يتغير فيهم شيء: تمسّكهم بالحرية. هذه ليست بلاغة شعرية، بل حقيقة أثبتها أكثر من ثمانية وسبعين عاماً من التاريخ. الاحتلال سينتهي. ليس لأن الأقوياء سيستيقظ ضميرهم، بل لأن شعباً محتلاً لم يتوقف يوماً عن المقاومة، ولأن شعوب العالم — رغم الهاسبارا والدعاية — أصبحت ترى الحقيقة بعينها.