Menu

المسارات الاستراتيجية في ظل طوفان الأقصى

د. عابد الزريعي

بوابة الهدف

يطرح احياء الذكرى الثالثة لمعركة طوفان الأقصى سؤالا مفاده: ماذا وكيف نتحدث عن الطوفان؟  ونحن على بعد ثلاثة سنوات من لحظة تدفقه.؟  ماذا وكيف نتحدث عنه، ونحن امام طوفان اخر من الصفحات والمواقع والمحللين والكتاب الذين يطلون عبر فضائيات محددة وبودكاستات متعددة، وجميعهم يطعن في طوفان الأقصى وقواه، وقد رفع الصوت عاليا بنتائج حرب الإبادة، ليس بهدف ملاحقة العدو وفاءا للشهداء بشرا وشجرا وحجرا، وانما للطعن في الطوفان وقواه، بحجة استفزازها للعدو لكي يرد الفعل بهذا الشكل.

هذه المسألة يجب ان تدفعنا للتوقف والسؤال أيضا ما الذي أيقظ كل هؤلاء مرة واحدة وراحوا يصرخون ويكتبون بصوت واحد من ابواق متعددة.؟ والاجابة في تقديرنا ان تلك القوى المضادة الخفية قبل المعلنة قد أدركت ان الطوفان العسكري وفي هذا اللحظة التاريخية بات يتدفق سياسيا وفكريا، في مسار احداث التحولات التاريخية في العالم، فبادرت بحربها، التي استخدمت فيها كل الأسلحة الناعمة، للطعن في فكرة المقاومة ذاتها ــ والطوفان من ضمنها ــ لإجهاض كل نفس مقاومة في المنطقة. ولذلك بات الاشتباك في هذه اللحظة يدور في دهاليز الوعي وهي الفكرة التي التقطتها القوى المضادة بشكل مبكر.

ان أدراك هذه المسالة يقدم لنا الإجابة عن سؤال ماذا وكيف نتحدث عن الطوفان في ذكراه الثالثة؟ والجواب ببساطة. ان نخوض معركة الوعي على حد النزيف بدون مواربة او تردد او ارتباك. ان نخوض هذه المعركة من اجل تحصين جماهيرنا التي تتوجه حملة القوى المضادة اليها بالأساس، وبذلك نكون قد قمنا بعملية الصد التاريخية للقوى التي تحاول ان تدفع الامة الى راية الاستسلام.، وساهمنا في تامين الضفاف للطوفان ليستمر في تدفقه السياسي والفكري في إطار مهمته التاريخية. ارتباطا بذلك نستطيع ان نحدد ماذا وكيف نتحدث عن الطوفان في المحاور الثلاثة الأتية:

المحور الأول: الثوابت: ثوابت تحليل معركة الطوفان.

هناك ثلاثة ثوابت تشكل القاعدة الصلبة التي لابد من الاستناد اليها عند الحديث عن طوفان الأقصى، وهي ثابت المسار التاريخي، والمشروعية والمنهج المعتمد في التحليل من اجل فهم مساره ومشروعيته ووقائعه. مع اليقين بان أي تحليل لطوفان الأقصى يحاول ان يتجاهل عمدا او سهوا هذه الثوابت، سيقود بالضرورة الى نتائج ضبابية ومرتبكة، لينتهي في موقع نقيض للمقاومة حتى كفكرة.

أولا: ثابت المسار التاريخي: طوفان الأقصى، جزء من المسار التاريخي لنضال الشعب الفلسطيني، وحلقة في سلسلة هذا النضال، سبقتها حلقات كثيرة كان أقربها من حيث المدة الزمنية معركة سيف القدس مايو 2021 وستتلوها حلقات كثيرة حتى يحقق الشعب الفلسطيني أهدافه الوطنية.

ثانيا: ثابت المشروعية: تتبدى مشروعية الطوفان في ثلاثة مبادئ. أولها مبدأ الحق الذي كرسه القانون الدولي، بنصه على حق الشعوب الخاضعة للاستعمار في ممارسة كافة اشكال النضال من اجل تكريس حقها في تقرير المصير، دون ان يتدخل في تحديد الصيغة التنظيمية او الراية الأيديولوجية لنضالها. كما طالب شعوب العالم المستقلة بدعم هذا النضال، وبذلك ووفر السند القانوني الدولي لحركات التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني. وثانيها مبدأ الدفاع، حيث تبقى المقاومة هي أداة ردع العدوان الصهيوني المتكرر والمتنامي على الشعب الفلسطيني، في ظل عجز الشرعية الدولية عن القيام بهذا الدور. وثالثها مبدأ درء المخاطر الأمنية والسياسية التي يمكن ان تطيح بمبدأ حق تقرير المصير وحق الدفاع عن النفس، وبالنتيجة تطيح بمستقبل ومصير الشعب الفلسطيني. وتتبدى المخاطر السياسية في تسارع مسار التطبيع، والمخاطر الأمنية في الاستعداد الإسرائيلي لتوجيه ضربة للمقاومة تطبيقا لنظرية جز العشب.

ثانيا: المنهج: يتحدد في المبادئ التي كرستها حركات التحرر الوطني طوال تاريخها النضالي. والمنبثقة من قوانين الحرب غير المتماثلة، حيث تميل موازين القوى لصالح العدو، وبما يترتب على عدم التماثل في القوى، عدم تماثل في الاهداف، التي تأخذ طابعا عسكريا ردعيا لدى المستعمر، بينما تتبدى كأهداف سياسية بالدرجة الاولى لدى حركة التحرر، تتمثل في ثلاثة اهداف تسعى الى تحقيقها من المعركة التي أطلقتها. أولها تعزيز شرعية المقاومة على المستويين الداخلي والخارجي. وثانيها خلق التناقض في صفوف العدو. وثالثها خلق التعارضات بين العدو وبين وحلفائه. بينما يسعى العدو دوما الى اثقال الكلفة الإنسانية على قوى المقاومة لإجبارها على الاندحار.

ان تحليل معركة طوفان الأقصى يجب ان يستند الى انضوائها ضمن المسار التاريخي لنضال الشعب الفلسطيني، ومشروعيتها المحددة في المبادئ الثلاثة، حيث يمنحها المبدأ الأول المشروعية القانونية، اعلى طول مسار الصراع، بينما يمنحها المبدأين الثاني والثالث مشروعية التوقيت الذي جعل منها قرارا صائبا في هذه اللحظة التاريخية، ومن اجل فهم تحولاتها ومضامينها فلابد من الاستناد الى قوانين الحرب غير المتماثلة التي كرستها حركات التحرر الوطني.

المحور الثاني: المسارات: المسارات الاستراتيجية للطوفان:

هناك مساران استراتيجيان متضادان: لكل منهما اتجاه دفع رئيس، واتجاه دفع مضاد. هناك علاقة توافق (تحالف) بين قوى الدفع الرئيسة في كل اتجاه، والقوى المضادة في الاتجاه الأخر. وتطور القوى المضادة في أي اتجاه منهما يشكل قوة دفع للاتجاه الرئيس في الأخر.

أولا: مسار الإنجاز الاستراتيجي:

يتمثل في حضور فلسطين في الساحة الدولية كقضية حق وعدالة. وتغلغل السردية الفلسطيني في مختلف الشرائح الاجتماعية في أوروبا وامريكا. وتحول فلسطين الى عنوان أخلاقي للشباب الامريكي والاوربي، في لحظة فقده للثقة بالمنظومة الأخلاقية القيمية التي قام عليها النظام الرأسمالي. وبدء تأثير الموقف من فلسطين في صناديق الاقتراع البلدية والبرلمانية. الأمر الذي فتح الباب امام إمكانية تجفيف المنابع التاريخية لميلاد المشروع الصهيوني أيديولوجيا وسياسيا.

ثانيا: مسار الإجهاض الاستراتيجي:  

يتمثل في الخطوات التي يقوم بها العدو من اجل صد واجهاض المسار الرئيس (الإنجاز) وتتجسد هذه الخطوات في الاستمرار في حرب الإبادة في غزة، بالتوازي مع التمدد الاستيطاني بالضفة. في محاولة للوصول الى استسلام تاريخي يغلق ملف القضية الفلسطينية. ومواصلة عمليات التمدد في الأراضي السورية، والقصف والتدمير في لبنان، في محاولة لفرض وقائع استيطانية، وتوسيع دائرة التطبيع في المنطقة. ومحاولة منع الحضور الفلسطيني في الساحة الاوربية والأمريكية. وبناء علاقات تحالف في أمريكا اللاتينية وافريقيا واسيا. (الارجنتين ــ اتفاقية اسحق). وافريقيا (الكونغو ــ اوغندا ــ كينيا ــ ارض الصومال) واسيا (قبرص ــ الهند).

المحور الثالث: المهام: المهام المطروحة:

ان استمرار تدفق مسار الإنجاز الاستراتيجي يستدعي من مختلف القوى الداعمة لنضال الشعب الفلسطيني الانخراط في النضال من اجل انجاز مجموعة من المهام تتلخص فيما يلي:

1 ــ التعزيز: تعزيز مسار الإنجاز، وتوسيع التحالفات مع القوى الديمقراطية المتضررة من التمدد الصهيوني. لاسيما وانه يبني علاقاته مع القوى الديكتاتورية والطائفية، وهي مسألة تسمح بتعميم صورته في الساحة الاوربية، كصورة نقيضة للديمقراطية في وسط الصحراء التي ادعاها لنفسه.

2 ــ المحاصرة: محاصرة العدو سياسيا وقانونيا وعزله على المستوى الدولي. بوصفه مجرم حرب. ويمارس حرب الإبادة والتوسع.  

3 ــ التحصين: تحصين الساحة الفلسطينية وتوحيدها، لتوفير قادة التوجيه والفعل الأساسية التي تضمن إمكانية إدارة تلك المهام بشكل ناجع. وهي مهمة منوطة بالقوى الفلسطينية، وهنا تبرز اهمية مبادرة الإنقاذ الوطني للجبهة الشعبية.

4 ــ التطوير: تطوير أداء حركة التضامن والاسناد العربية، للتمكن من التنسيق مع حركات التضامن الدولية. وبناء لجان تضامن موحدة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.

5 ــ الصياغة: صياغة التكتيكات المناسبة للعمل من اجل تحقيق الأهداف المحددة. ويشمل ذلك التكتيكات القانونية والحقوقية للدعم والاسناد القانوني، والإعلامية التي تحمي الجماهير من السقوط فريسة للإعلام المضاد الرجعي والمتصهين. والثقافية لبلورة الصيغ الفكرية التي تتصدى للتشوهات الفكرية، وبناء الوعي القادر على التعامل مع المتغيرات. والاجتماعية من اجل توفير الدعم والاسناد الاغاثي. والجماهيرية المرتبطة بالنشاط الميداني والحشد الجماهيري التحريضي والتعبوي اليومي.

هذه مدخلة قدمت ضمن فعاليات إحياء الذكرى الثالثة لمعركة طوفان الأقصى، بالشراكة مع الاتحاد الجهوي للشغل بمدينة صفاقس يوم 3 أكتوبر، وبالمشاركة مع الاتحاد الجهوي للشغل بمدينة جندوبة يوم 4 أكتوبر.

WhatsApp Image 2026-10-08 at 8.56.44 AM.jpeg
WhatsApp Image 2026-10-08 at 8.56.44 AM (1).jpeg
WhatsApp Image 2026-10-08 at 8.56.43 AM.jpeg
WhatsApp Image 2026-10-08 at 8.56.43 AM (2).jpeg
WhatsApp Image 2026-10-08 at 8.56.43 AM (1).jpeg
WhatsApp Image 2026-10-08 at 8.56.42 AM (1).jpeg