Menu

الانتخابات الإسرائيلية: تغيير نتنياهو أم النتنياهوية؟

جمال زقوت

بوابة الهدف

لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول مجرد منافسة على رئاسة الحكومة، بل اختباراً لما إذا كان المجتمع الإسرائيلي مستعداً لمراجعة المسار الذي قاد إلى حروب مفتوحة، وابادة ودمار غير مسبوقين في غزة، وتوسع استيطاني متسارع، وتآكل متزايد في مكانة إسرائيل الدولية. لكن السؤال الفلسطيني الأهم ليس مَن سيخرج من صناديق الاقتراع منتصراً، بل ما إذا كان الفائز يمتلك مشروعاً سياسياً يغيّر النهج الذي جعل القوة بديلاً من السياسة، والاحتلال واقعاً يراد له أن يصبح دائماً.

تتنافس ثلاثة احتمالات: استمرار بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني، أو تشكيل حكومة تغيير بقيادة المعارضة، أو اللجوء إلى حكومة وحدة وطنية. ولا يمكن استبعاد مفاجآت في نتائج الانتخابات أو في حسابات تشكيل الائتلافات، بما في ذلك داخل معسكر نتنياهو نفسه. لكن اختلاف السيناريوهات لا يعني بالضرورة اختلافاً جوهرياً في مقاربة القضية الفلسطينية. فالمعارضة تسعى إلى إبعاد نتنياهو واستعادة مكانة إسرائيل الدولية، لكنها لا تطرح برنامجاً سياسياً بديلاً واضحاً لإنهاء الاحتلال والاستيطان والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

وهنا تكمن المفارقة: قد تنجح الانتخابات في تغيير الحكومة، من دون أن تغيّر النهج الذي قاد إلى المأزق.

مفاجآت الانتخابات وحدود التغيير

رغم اعتقادي، حتى وقت قريب، أن المجتمع الإسرائيلي تعب من نتنياهو ومن الحروب، ولم يعد يريد استمراره في الحكم، فإن احتمال المفاجأة الانتخابية يظل قائماً، وان كان هذا الاحتمال متدنيًا. فالتعب من نتنياهو لا يعني بالضرورة التعب من سياساته، والغضب من إخفاقاته الأمنية لا يعني رفض العقيدة التي تجعل التفوق العسكري وحرية استخدام القوة أساساً للعلاقة مع الفلسطينيين.

ولا ينبغي، في المقابل، افتراض أن نتائج الانتخابات ستسير بالضرورة لمصلحة المعارضة. فقد يتمكن نتنياهو من الاحتفاظ بقدرته على تشكيل الحكومة، أو تحقيق نتيجة أفضل مما تتوقعه بعض التقديرات، بفعل تماسك قاعدته الانتخابية وقدرته على تعبئة أنصاره. وقد تظهر مفاجأة أخرى في توزيع المقاعد داخل معسكره، بما يسمح لليمين الأكثر تطرفاً بتعزيز نفوذه حتى لو تراجع حزب الليكود أو تراجعت قوة نتنياهو شخصياً.

هذه الاحتمالات مهمة؛ لأن سقوط نتنياهو، إن حدث، لن يكون في حد ذاته دليلاً على تراجع اليمين أو حدوث تحول في المجتمع الإسرائيلي. فقد تتراجع شعبية رئيس الحكومة بسبب إخفاقاته، فيما يستمر التأييد لأهداف الحرب أو لمواصلة السيطرة على الأرض الفلسطينية. كما أن تغيير موازين القوى داخل المعسكر اليميني قد يبدل شكل الحكومة، من دون أن يغير اتجاه سياساتها.

فلسطينياً، يعني استمرار هذا النهج مواصلة فرض الوقائع الاستيطانية في الضفة الغربية، وتعميق السيطرة على غزة، وتوفير الغطاء السياسي لاعتداءات المستوطنين، وتحويل الضم الفعلي للأرض إلى بديل من التسوية. أما المفاجأة التي قد تتيحها الانتخابات، فلا ينبغي قياسها بأسماء الفائزين وحدها، بل بما إذا كانت ستفتح مجالاً لتغيير السياسات أو ستعيد إنتاجها في صيغة جديدة.

المعارضة والقوائم العربية: تقاطع المصالح وحدود الشراكة

قد تتيح نتائج الانتخابات للمعارضة تشكيل حكومة جديدة، لكن الحسابات البرلمانية تجعل موقف القوائم العربية عاملاً مهماً في تحديد إمكان ذلك. وهنا يظهر تناقض سياسي واضح: تحتاج قوى المعارضة إلى أصوات المواطنين العرب، أو إلى دعم أحزابهم من خارج الحكومة، لكنها تتردد في الاعتراف بهم شركاء سياسيين كاملين. وقد أعلن غادي آيزنكوت رفضه التحالف مع الأحزاب العربية، رغم أن الحسابات الانتخابية قد تجعل دعمها ضرورياً لتشكيل حكومة بديلة.

ولا يتعلق الأمر بمجرد خلاف على توزيع الحقائب أو صيغة الائتلاف، بل بحدود الشراكة السياسية نفسها. فالمواطنون العرب يريدون التخلص من حكومة ارتبطت سياساتها بتصاعد التمييز والعنصرية وتفاقم الجريمة في مجتمعاتهم، فيما تسعى قوى المعارضة أساساً إلى إزاحة نتنياهو واستعادة الاستقرار السياسي وتحسين مكانة إسرائيل الدولية. وقد يلتقي الطرفان على إسقاط الحكومة، لكنهما لا ينطلقان بالضرورة من الأهداف نفسها.

من هنا، يمكن أن تؤدي القوائم العربية دوراً حاسماً في ترجيح كفة أحد المعسكرين أو في توفير شبكة أمان برلمانية لحكومة جديدة. لكن هذا الدور لا ينبغي اختزاله في الحسابات العددية؛ ففاعليته السياسية تتوقف أيضاً على قدرة هذه القوائم على تحويل وزنها الانتخابي إلى مطالب واضحة تتعلق بالمساواة والمواطنة ومكافحة الجريمة والعنصرية، وعلى تحديد موقفها من السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني.

وفي المقابل، فإن دعم حكومة بديلة لا يعني تلقائياً أنها ستوقف الاستيطان أو تغير سياسة الحرب في غزة أو تعترف بالدولة الفلسطينية. فالمعارضة لا تقدم، حتى الآن، برنامجاً متكاملاً بديلاً من النهج القائم. إنها تريد تغيير نتنياهو، لكنها لا توضح كيف ستتجاوز النتنياهوية: أي المقاربة التي تجعل إدارة الصراع وإدامة السيطرة على الأرض بديلاً من إنهاء الاحتلال ومعالجة جذور الصراع.

لذلك، فإن الرهان على الدور العربي ينبغي أن يرتبط ببرنامج سياسي واجتماعي واضح، لا بمجرد تبادل الأصوات. كما ينبغي الانتباه إلى أن المشاركة في إسقاط الحكومة قد تحقق مكسباً مهماً، لكنها لا تزيل التناقض بين المطالب المدنية للمواطنين العرب وبين استمرار إنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

حكومة وحدة لترميم صورة إسرائيل أم لتغيير سياساتها؟

إذا تعذر تشكيل أغلبية مستقرة، فقد يصبح خيار حكومة الوحدة الوطنية مطروحاً، بما يتيح استبعاد بن غفير وسموتريتش والأحزاب العربية من الائتلاف. وقد تبدو هذه الصيغة مخرجاً من الاستقطاب الداخلي، وتساعد على ترميم العلاقات الخارجية وإعادة تنظيم الأولويات السياسية والأمنية.

لكن استبعاد اليمين الأكثر تطرفاً لا يعني بالضرورة التخلي عن السياسات التي ساهم في ترسيخها. فقد تتغير اللغة والأدوات، فيما يستمر الاحتلال والاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة. بل قد تمنح حكومة أوسع تمثيلاً إسرائيل قدرة أكبر على تحسين صورتها الدولية، من دون أن تقدم مراجعة فعلية لسياساتها تجاه الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية.

وهنا ينبغي التمييز بين تغيير أسلوب إدارة الصراع وتغيير أهدافه. فقد تكون حكومة الوحدة أقل صخباً وأكثر حذراً في علاقاتها الدولية، لكن ذلك لا يعني تغييراً استراتيجياً ما لم ينعكس على الأرض بوقف الاستيطان والضم، وإنهاء الحرب والحصار، وفتح أفق سياسي حقيقي أمام الشعب الفلسطيني. وهذا هو السيناريو الأخطر على مستقبل القضية الفلسطينية، ما يستدعي من القائمتين المشتركة والموحدة تجاوز المواقف المتقادمة واعتماد ديناميكية سياسية فاعلة، تعززها نتائج انتخابية أفضل تتيح لهما قدرة أكبر على التأثير وإغلاق الطريق أمام هذا السيناريو.

رابعاً: التناقض البنيوي في المشروع الصهيوني

يتجاوز المأزق الإسرائيلي أزمة نتنياهو أو طبيعة الائتلاف الحاكم. إنه يرتبط بتناقض بنيوي في المشروع الصهيوني بصيغته السياسية الراهنة: السعي إلى توسيع السيطرة على الأرض الفلسطينية، مع منع قيام دولة فلسطينية مستقلة وتجنب استحقاقات الحقوق الوطنية والسياسية للفلسطينيين، وفي الوقت نفسه السعي إلى ضمان الأمن والاستقرار والحفاظ على المكانة الدولية.

كلما اتسعت السيطرة على الأرض وتقلصت إمكانات التسوية، ازدادت صعوبة التوفيق بين هذه الأهداف. فإدامة السيطرة على شعب مسلوب حقه في تقرير المصير لا تنتج حلاً مستقراً، بل تعمق الصراع وتزيد كلفته. والتفوق العسكري، مهما بلغ، لا يستطيع وحده تحويل الاحتلال إلى واقع مقبول أو إنهاء قضية وطنية متجذرة.

ويتفاقم هذا التناقض حين تصبح القوة بديلاً من السياسة، ويُختزل الأمن في حرية استخدام القوة، فيما تتزايد الكلفة الدولية والأخلاقية للحرب والاستيطان ورفض الحقوق الفلسطينية. فإسرائيل قد تستطيع فرض وقائع ميدانية، لكنها لا تستطيع ضمان أن تتحول هذه الوقائع إلى تسوية سياسية مستدامة، أو أن يؤدي استمرارها إلى أمن دائم.

ولا يعني ذلك أن انهيار المشروع الصهيوني وشيك، أو أن المجتمع الإسرائيلي يتجه حتماً إلى مراجعة تاريخية. لكنه يعني أن القدرة على فرض الوقائع بالقوة ليست هي القدرة على حسم الصراع سياسياً. ومن هنا، قد يكون تغيير الحكومة مدخلاً لتعديل بعض السياسات، لكنه لن يخرج إسرائيل من مأزقها ما لم يتغير جوهر المقاربة تجاه الفلسطينيين.

خامساً: التغيير الفلسطيني شرط لاستثمار التحولات

لا ينبغي أن تدفعنا محدودية البدائل الإسرائيلية إلى الانتظار السلبي، ولا أن تجعلنا نخلط بين هزيمة نتنياهو وهزيمة النهج الذي يمثله. فالحالة الفلسطينية تواجه بدورها أزمة استراتيجية: انقسام سياسي، وغياب مشروع وطني موحد وفاعل، وتراجع القدرة على تحويل التضحيات والصمود إلى مكاسب سياسية، في وقت تتعرض فيه غزة للتدمير والضفة الغربية لتفكيك جغرافي متسارع.

المطلوب ليس انتظار ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع، بل بناء استراتيجية فلسطينية مستقلة تستثمر التناقضات الدولية والإسرائيلية، وتعيد توحيد القرار الوطني، وتربط وقف الحرب وإعادة إعمار غزة بإنهاء الحصار، وتواجه الاستيطان والضم، وتعيد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي بوصفها قضية تحرر وحقوق وطنية، لا مجرد ملف أمني أو إنساني.

قد يخسر نتنياهو الانتخابات ويستمر نهجه، وقد تستبعد حكومة جديدة بن غفير وسموتريتش، فيما تحتفظ بجوانب أساسية من سياساتهما. وقد تتيح القوائم العربية تغيير موازين تشكيل الحكومة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير مقاربة إسرائيل للحقوق الوطنية الفلسطينية.

لذلك، لا يُقاس التغيير الحقيقي بأسماء القادة أو بتشكيلة الائتلاف، بل بمدى الاستعداد لإنهاء الاحتلال والاستيطان والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال. وما لم يصبح هذا التحول جزءاً من المعادلة السياسية، فستكون الانتخابات تغييراً في إدارة المأزق، لا خروجاً منه.