Menu

تقريرموت مع وقف التنفيذ.. حياة النازحين في غزة رهن الرصاص العشوائي وازدواجية المعايير الدولية

علاء ناصر دردونه

صورة أرشيفية لتجمع مخيمات حلاوة أول فترات إنشائه

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

بين أزقة الخيام المهترئة في مخيمات النزوح القريبة مما يسمى بالخط الأصفر، وجد النازحون العائدون من جنوب قطاع غزة أنفسهم في أماكن خطيرة باتت وكأنها مدن أشباح، بفعل اعتداءات جيش الاحتلال بإطلاق النار العشوائي والقصف، بينما كانوا يظنوها محمية بموجب القانون الدولي والإنساني، لتبدأ بذلك فصول جديدة من المعاناة عنوانها "الخوف من النيران والاضطرار للبقاء حيث لا مأوى آخر".

ويكفل القانون الدولي والإنساني توفير الحماية للمدنيين والنازحين العُزل، بل ويشكلون المحور الأساسي الذي تحميه اتفاقيات جنيف لعام 1949، وتنص على احتفاظهم بحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما ويحظون بحماية إضافية تستمد أصولها من اتفاقيات جنيف والمبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1998، والتي تتضمن: "الحظر القسري للتجهير، الحق في حرية التنقل والاختيار، الحصول على المساعدات الإنسانية، وحماية الممتلكات والوثائق".

انتهاكات ارتقت لجرائم حرب

في مقابلة شخصية لمدير تجمع مخيمات حلاوة، إبراهيم المطوق، الذي يعد من أقوى النماذج على رعب إطلاق النار العشوائي والقصف، يقول لبوابة الهدف: "إن المخيم يتعرض لإطلاق نار عشوائي وكثيف بشكل يومي وفي أي وقت، حتى إن جيش الاحتلال ارتكب مجزرة باستهداف مجموعة مدنيين بصاروخ استطلاع، دون سبب واضح، وقد راح ضحية ذلك الاستهداف 4 شهداء و15 مصابًا، بينما وصلت حصيلة ضحايا تلك الانتهاكات في المخيم إلى 8 شهداء وأكثر من 40 مصابًا كلهم من النازحين"، مؤكدًا أن هذه الانتهاكات ارتقت إلى جرائم حرب وتعدٍ على حدود القانون الدولي الذي يكفل الحماية للمواطنين والنازحين العُزل.

تصنيف "برتقالي" قطع الدعم العالمي

المطوق أشار خلال حديثه إلى أن المؤسسات الدولية تدَّعي أن تجمع مخيمات حلاوة يقع وفقًا لتصنيف جيش الاحتلال ضمن المناطق المصنفة "برتقاليًا" في جباليا، ما يمنع دخوله إلا بتنسيق مسبق مع الجانب "الإسرائيلي"، بينما نشأ في المناطق المصنفة "خضراء"، ويرجع سبب تصنيف المؤسسات له بالبرتقالي إلى كثافة إطلاق النار والقصف المتكرر عليه، ما جعله منطقة مرعبة للجميع ليس فقط للنازحين فيه.

​وأوضح أن منظمتَي "أطباء بلا حدود" و"يونيسيف"، هما الجهتان الوحيدتان اللتان ما زالتا على تواصل مع المخيم وتقدمان خدماتهما للنازحين، إضافة إلى بلدية جباليا النزلة كهيئة محلية تعمل على تجميع وترحيل النفايات الصلبة والمساهمة في توفير المياه الصالحة للاستخدام الآدمي.

واقع إنساني ومعيشي كارثي

بالتزامن مع الانتهاكات "الإسرائيلية" المتمثلة بإطلاق النار العشوائي والمباغت؛ يعاني تجمع مخيمات حلاوة من نقص حاد في مقومات الحياة الأساسية، كما يقول المطوق.ويضيف لبوابة الهدف: أن "مساحة تجمع مخيمات حلاوة تبلغ 99 دونمًا، تحوي ما يقارب 12 ألف نسمة في أكثر من 1000 خيمة ثلثها مهترئة، لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء ورياحه الشديد"، موضحًا أن المخيم يفتقر إلى مستلزمات صيانة الخيام كالشوادر، غير تراجع الدعم الإنساني الذي سبب الشح في السلال الغذائية، تزامنًا مع ارتفاع أسعار السلع كالدقيق، ما قد يترتب عليه عودة المجاعة في المخيم.

                                                         أطفال يملأون المياه في حلاوة لإعالة أسرهم

وفيما يتعلق بالظروف الصحية، بين المطوق أن هناك 3000 حفرة امتصاصية في خيام وشوارع حلاوة، يضطر النازحون لإقامتها لعدم توافر البنية التحتية وشبكات المياه والصرف الصحي ما ينذر بكارثة تلوث بيئي ومائي جوفي خلال العام القادم، ناهيك عن جعل حلاوة بيئة خصبة لتكاثر القوارض وانتشار البعوض وبالتالي امكانية تفشي الأمراض بشكل قد يصعب السيطرة عليها بسبب تهالك المنظومة الصحية في قطاع غزة.

                                   حفر امتصاصية بديلة عن مناهل الصرف الصحي

وعند سؤاله عن تداعيات تلك الانتهاكات المتزامنة مع الظروف المعيشية القاسية على النازحين، أجاب المطوق بأن حالة الذعر التي باتت سائدة في كل أروقة حلاوة لا توصف، حتى بدأ الكثير من النازحين يفكر في النزوح من المخيم بحثًا عن الأمان، لكن لا يوجد أماكن أخرى، "ولو كان هناك أماكن غير حلاوة للإيواء الآمن لكنت اول النازحين إليها".

رسالة المخيم الأخيرة

ووجه مدير تجمع مخيمات حلاوة نداءً للعالم والمؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية والحقوقية على رأسها الصليب الأحمر ووكالة "أونروا" بضرورة التدخل وحماية النازحين من الوضع الأمني المخيف، ودعم المشاريع الإنسانية والبيئية، ليس فقط في حلاوة؛ إنما في كل مخيمات النزوح ومراكز الإيواء الموازية؛ "فجميعها عرضة لرصاص الاحتلال العشوائي وقصفه المفاجئ وتعاني ظروفًا معيشية وبيئية تفتقر لأدنى مقومات الحياة".

شاهد على المجزرة

على فراشه الأرضي يجلس الشاب النازح في مخيمات حلاوة، إيهاب علوان (22 عامًا)، ويرفع قدميه المصابتين على الوسادة، وشاش الجبس يُغطي يده اليسرى، حيث أصيب يوم التاسع والعشرين من سبتمبر/أيلول الماضي، خلال المجزرة التي ارتكبها الاحتلال بحق المدنيين في المخيم.

يصف الشاب علوان مشاهد إطلاق النار العشوائي والكثيف بـ "المخيفة جدًا"، حيث يركض الجميع رجال ونساء وأطفال في أزقة المخيم هاربين إلى خيامهم وهم يدركون أنها لن تحميهم، "لكنه العامل النفسي الذي يُحرك المشاعر للبحث عن طوق النجاة لحظة الخوف"، وفق تعبيره، بينما لا يستطيع الغالبية منهم الوصول إلى الخيمة ما يضطر بهم إلى التمدد والاستلقاء على الأرض لتفادي رصاص الرافعات العشوائي، بينما لا يستطيع أحد اتقاء شر طائرات "كواد كابتر" المُسيرة.

الشاب إيهاب علوان، المصاب بنيران الاحتلال

تفاصيل الحادث الأليم

"لم أكن أعلم أنني على موعد مع الإصابة ورؤية الأشلاء، لكنها مخططات جيش الاحتلال التي تهدف إلى ترويعنا وتهجيرنا".. هكذا بدأ علوان حديثه عند سؤاله عن تفاصيل الحادث الذي تعرض بسببه للإصابة، التي لم تكن جسدية فحسب؛ إنما في ألم الفراق أيضًا.

ويروي، أنه تعرض لإصابة خطيرة خلال المجزرة التي ارتكبها الاحتلال بحق المدنيين في مخيم حلاوة يوم التاسع والعشرين من سبتمبر/أيلول الماضي، حيث باغتهم بصاروخ الاستطلاع، مضيفًا: "خرجت من خيمتي ذاهبًا لشراء الطعام لأسرتي، لكني وجدت نفسي مُلقىً على الأرض ولا أقوى على الحركة، والأسوأ من ذلك أنني بقيت في حالة الاستفاقة بعض الوقت لأرى أشلاء الشهداء وسيول الدماء تحيطني من كل جانب".

ويكشف علوان أن الحادث لم يُسفر عن إصابته وحده؛ بل أصيب كل من زوجته وأخيه وزوجة وابنة أخيه، وابنة أخته التي لا يتجاوز عمرها السنة ونصف السنة، مستذكرًا وقلبه يعتصر ألمًا؛ استشهاد والدته أول أيام الحرب وأخيه قبل سنة جراء قصف للاحتلال، واستشهاد أفراد آخرين من عائلته في الحرب "الإسرائيلية" على قطاع غزة عام 2014).

المعاناة الصحية ونقص الأدوية

أما عن ظروف العلاج فبيَّن علوان أنه خضع لعدة عمليات جراحية، لكنه لا يزال يعاني من وجود شظايا مستقرة في جسده وقدميه ويديه نظرًا لعدم توافر الأدوات والمستلزمات الطبية اللازمة لإزالتها، في مستشفيات قطاع غزة، غير الألم الذي ما زال يرافقه نظرًا لنقص الأدوية الخاصة والمسكنات وأدوات تغيير وتنظيف الجروح.

ويناشد علوان العالم والمجتمع الدولي لوقف المعاناة ورفع الظلم عن أهالي مخيمات حلاوة، والنظر إلى حجم الخسائر البشرية الكبيرة والوقوف بجانبهم في وجه القصف والدمار المستمر، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء الذي سيكون موطن خوف وإرهاق من نوع آخر لدى الغزيين بينما تُسعد شعوب العالم بالأجواء الشتوية الماطرة.

رزان.. طفلة مزقت الإصابة جسدها

تقف الطفلة رزان حمودة، ذات الستة سنوات، شاهدةً حية على ظروف آلاف الأطفال في مخيمات النزوح بمدينة جباليا وما يتعرضون له من ذُعر جراء مواقف إطلاق النار العشوائي والقصف على المخيمات، ما يسلب براءتهم دون حول منهم ولا قوة.

في حوار مع محمد حمودة، والد الطفلة رزان، يروي لبوابة الهدف لحظة إصابة طفلته بشظايا صاروخ الاستطلاع خلال المجزرة المروعة يوم التاسع والعشرين من سبتمبر/أيلول، موضحًا أن الشظايا أصابت طفلته بينما كانت جالسة بالقرب من باب الخيمة.

وأوضح حمودة أن طفلته رزان أصيبت بشعر في الجمجمة ما زالت تعاني منه حتى الآن، إضافة إلى إصابتها في قدمها اليمنى نتج عنها عشر غرز طبية لشفاء جرحها، متسائلًا بصوت الأب الخائف عن ذنب طفلته في التعرض للإصابة بهذا الوجع، مع عدم توافر الأدوية والمسكنات وأدوات تضميد وتعقيم الجروح اللازمة في قطاع غزة.

الطفلة المصابة، رزان حمودة

وفي وقت يتمسك فيه الغزيون بأرضهم ويقدمون تضحياتهم الجسام لأجلها؛ تبقى آمال النازحين معلقة في انتهاء الحرب جذريًا وإعمار البيوت التي لا مأوى حقيقي غيرها، بعيدًا عن إطلاق النار والقصف والخوف الذي يحيط بهم من كل اتجاه وفي كل مكان وأي وقت، للعيش بحرية وكرامة في أماكن سكناهم الأصلية قبل الحرب التي دمرتها وقتلت سكانها وهجرت من بقي منهم على قيد الحياة.