العداء الأمريكي للأمة العربية هو عداءٌ قديم، من عهد آيزنهاور إلى عهد ترامب الحالي ومضمونه يقوم على أساس احتواء المنطقة العربية حتى تبقى في دائرة نفوذها الأول بعيدة عن نفوذ قطب دولي آخر، وذلك عملًا بنظرية ملء الفراغ التي صاغها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الشهير دالاس، بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 56. والنظرية هي في الحقيقة عبارة عن شعار سياسي استراتيجي أطلقته الولايات المتحدة لكي ترث نفوذ الاستعمار البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط بعد هزيمتهما السياسية في العدوان الثلاثي على مصر، عام 56 وفي نفس الوقت كي تحول دون عملية التحول الثورية الحاسمة في تاريخ المنطقة العربية بعد مرحلة الاستقلال الوطني الشكلي وهو تحول- من شأنه لو تم- أن يفتح طريق الاستقلال الكامل بإحداث تنمية وطنية طموحة تتخلص بها البلاد المستقلة حديثًا من علاقات التبعية بكل أشكالها التي تربطها مع النظام الرأسمالي العالمي الإمبريالي.
مرحلة جديدة من العداء الأمريكي بخلفية دينية وقومية عنصرية بدأت الآن بوصول الأصولي المسيحي رجل الأعمال من الحزب الجمهوري ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض بواشنطن، عنوانها السياسي الأبرز تصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية بجعل القدس الموحدة عاصمة للكيان الصهيوني العنصري ومصادرة حق العودة للاجئين الفلسطينيين وهو ما يشكل في حقيقة الأمر عدوانًا صارخًا على الشعب الفلسطيني وعلى حقوقه الوطنية والتاريخية وكذلك على دعم مطلق وبلا حدود للكيان الصهيوني العنصري الذي تعتبره الولايات المتحدة دعامة أولى لمصالحها الحيوية الاستراتيجية في المنطقة. فبدلًا من التوجه بكل ثقل لحل الصراع العربي الصهيوني على أسس عادلة كما أقرتها الشرعية الدولية، تقوم إدارة ترامب المتصهينة بالموافقة على كل شروط التسوية الإسرائيلية، كما صاغها اليمين الصهيوني المتطرف والتي تتوافق بشكل كامل مع الرواية اليهودية التي تستمد عناصرها من الخرافات التوراتية والتلمودية وبهذا التوجه السياسي الأمريكي الجديد غير المسبوق، حيث الإدارات الأمريكية المتعاقبة السابقة كانت تنطلق في ممارسة دورها السياسي للتسوية من مشروع حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي، وكذلك اعتبار الاستيطان اليهودي غير شرعي.
بهذا التوجه الجديد للسياسة الأمريكية الترامبية، يتم بشكل فاعل تطبيق بنود التحالف الاستراتيجي الأمريكي الصهيوني في صورتها الحقيقية، وهو ما ينهي عمليًا احتكار التفرد الأمريكي في مساعي التسوية السياسية.
الأمر الذي لا غرابة فيه، المرتبط بهذه المرحلة الجديدة من العداء الأمريكي للشعب الفلسطيني ولحقوقه الوطنية والتاريخية، هو ضلوع أطراف عربية وازنة في هذا المخطط التصفوي الأمريكي الصهيوني. فتنشط في هذه الأيام إجراءات التطبيع من بعض الدول العربية خاصة دول الخليج، وبأساليب مختلفة وبصورة سافرة مترافقة مع حملات الترويج السياسي والاقتصادي والثقافي لصفقة القرن الأمريكية، باعتبارها تسوية إقليمية وما يثير السخط الشعبي العربي والإسلامي هو الادعاء بإثبات لبني إسرائيل حقوقًا تاريخية في فلسطين وذلك اعتمادًا على تفسير خاطئ للنصوص الدينية التي جاء بها القرآن الكريم.
دور رجعي تضليلي ليس جديدًا على أذناب أمريكا وعملائها في المنطقة أن تقوم به، فالعلاقات الأمريكية مع الرجعية العربية لن تتغير ولم تتبدل لأنها علاقات استراتيجية قائمة على تبادل المصالح بين الطرفين.
وهكذا فإن الرجعية العربية وفي مقدمتها الخليجية، التي توظف أموال النفط خدمةً للسياسات الأمريكية الإمبريالية في المنطقة، هي المؤهلة الآن لأن تكرس الهزيمة العربية نهائيًا أمام المشروع الصهيوني من خلال دفع النظام العربي الرسمي بما فيه الطرف الفلسطيني للموافقة على صفقة القرن بعد إمكانية إجراء بعض التعديلات الطفيفة عليها، والتي لا تؤثر في تغيير طبيعة جوهرها التصفوي، وهو ما يثبت كذلك العودة للمعسكر الإمبريالي الصهيوني الرجعي، بما له من مصالح مشتركة في القيام بتنشيط دوره وفاعليته في تدبير المخططات وصياغة المشاريع، التي من شأنها لو تحققت بالفعل إبقاء الواقع العربي الراهن بما هو عليه من تخلف حضاري وتجزئة ممنهجة وتعميم للفوضى السياسية والأمنية.

