(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).
الفصل الثاني
الفلسفة اليونانية
مقدمة:
في تناولنا للفلسفة اليونانية، نشير إلى أن الاغريق لم يكونوا هم أوائل الفلاسفة، "فقد استفادوا في الواقع –كما يقول إميل برهييه- من ديانات موسى و مصر وبابل، وبالتالي ليس العصر الاغريقي إذن هو العصر الأول للفلسفة، وانما في مصر الفرعونية وبابل؛ ويكاد المؤرخون جميعهم، يبدؤون تواريخهم بسلسلة طويلة من الفصول عن "الفلسفة الشرقية"؛ "فالفلسفة، التي لها أصل إلهي، انتقلت إلى الانبياء اليهود، ومنهم إلى البابليين، وإلى المجوس الكلدانيين، وإلى المصريين والاحباش والهنود، وحتى إلى الجرمان، ذلك إن الجهود التي بذلت لنفض غبار النحل عن تاريخ الفلسفة لاقت بطبيعة الحال مساندة وتأييداً لدى منظري التقدم، وتشغل اليونان في هذا المنظور التاريخي مكانة خاصة لأن النوع البشري مطالب بان يتعرف فيها رائدة "فتحت له عبقريتها أبواب الحقيقة كلها"([1]).
فقد برزت الفلسفه اليونانيه في القرنين السادس والخامس ق.م وإستمرت حتى القرن الرابع ق.م ثم برزت بعدها الفلسفةالرومانية في أواخر القرن الثاني ق.م حتي القرن السادس الميلادي.
في هذا الجانب، يقول يوسف كرم: "مرت الفلسفة اليونانية بثلاثة أدوار (مراحل): دور النشوء ودور النضوج ودور الذبول: والدور الأول فيه وقتان: الوقت المسمى بما قبل سقراط، وهو يمتاز باتحاد وثيق بين العلم الطبيعي والفلسفة، ووقت السوفسطائيين وسقراط يمتاز بتوجه الفكر إلى مسائل المعرفة والأخلاق"([2]).
تميز فلاسفة الدور الأول، برؤاهم وأفكارهم الطبيعية المادية، بحيث أُطلق عليهم وصف الفلاسفة الطبيعيّون الأوائل، أهمهم الحكماء السبعة: "طاليس" (624 - 546) وهو أول فيلسوف إغريقي عرفته البشرية، وهو القائل بأن جميع الموجودات صدرت عن الماء البارد، و"أناكسِمندر"([3]) الذي كان مادياً (610-546)، و"هيراقليطس"([4]) (535- 475) أحد أهم فلاسفة اليونان وهو القائل "هذا الكون بدأ كتلة مشتعله من النار ستظل إلى الأبد"، اعتمدت فلسفته على العقل، واعتبر أن الوجود متحرك ومتغير بصورة دائمة، وقد عَبَّرَ عن ذلك بقوله "إننا لا نعبر النهر مرتين"، و"فيثاغورث" (580- 500) و"بارمنيدس"(540- 480)، و"أنبادوقليدس" (490- 430)، و"أناكساغور" (500 - 428) الذي قال أن العالم يتألف من دقائق صغيره وان الحياة دائمة ومستمرة، فالمادة عنده موجودة بكل عناصرها منذ الأزل، و"ديمقريطيس" (460- 370) الذي قال "لا شيء في هذا العالم إلا الذرات التي تؤلف الكون "فكان من أوائل الفلاسفة الماديين، وفي عهد هؤلاء الفلاسفة تشكلت الاتجاهات أو المدارس الفلسفية التالية:
- المدرسة الأيونية: من فلاسفتها طاليس وانكسماندر، والقاسم المشترك لهذه المدرسة ان منطلقاتهم كانت مادية بحتة مرتبطة بالطبيعة أو بالواقع من حولهم دون الاعتماد على أية أفكار غيبية، وعلى سبيل المثال طاليس قال ان الماء أصل الموجودات، وانكسماندر قال أن هناك ماده أو عنصر لا نهائي هو أصل هذا الكون.
- المدرسة الثانية: الفيثاغورية، نسبة إلى فيثاغورث الذي فسر بصورة عبقرية الكون أو العالم عبر الأرقام أو الأعداد، فالأعداد عنده هي أصل كل الاشياء وهي جوهر الكون (تعلمها من المصريين القدماء)، وهو أيضاًصاحب النظريات الرياضية المعروفة، نُسِجت حول شخصيته كثير من القصص غير العقلية وكأنه شخصية أسطورية، الفيثاغورية أصبحت أشبه بالعقيدة الدينية (الدروز يؤمنون به كجزء من عقيدتهم).
- المدرسة الثالثة: الإيلية أو الإليائية([5])، وهي المدرسة التي اهتمت بالجانب الاخلاقي، ومن فلاسفتها أكزينوفانيس يعتبر أول من صرح بعقيدته في الألوهية دون غموض او ترميز حيث يعتبره الكثير من أساتذة الفلسفة أنه ممهد لعلم اللاهوت فضلا عن أنه أول من نادى بالتوحيد الصريح من فلاسفة اليونان.
ومن فلاسفة هذه المدرسة أيضاً بارمنيدس الذي تقوم فلسفته على ان الوجود قديم وأزلي لا نهاية له، أما نظرية المعرفة لديه فهي نوعان: معرفة الحقيقة القائمة على العقل، ومعرفة ظنيه مصدرها الحواس، فكل ما نفكر به (من خلال العقل) هو موجود بالضرورة، وهو موجود قبل ان نفكر به لأنه مُكْتَسِبْ صفة الوجود الأزلي والأبدي.
- المدرسة الرابعة: الذرية وأشهر فلاسفتها ديمقريطس، الذي فسر سبب وجود هذا الكون ارتباطاً بوحدات متناهية الصغر هي الذرة التي من خلال تراكمها وتجمعها نشأ الكون.
- المدرسة الخامسة: السوفسطائية وهي أول مدرسة فلسفيه، وروادها معلمو الحكمة (السوفسطائي هو معلم الحكمة)، ويعتبر الفيلسوف بروتاغوراس الأب الروحي للفلسفة السوفسطائية، فالإنسان عنده مقياس لكل شيء، اهتم بعلوم الرياضيات واللغة، اتهموه بالزندقة وحرقوا كل كتبه.
في تلك المرحلة انتقل المجتمع اليوناني من المجتمع الزراعي إلى المجتمع التجاري أو الطبقي، والسوفسطائي كان يُعَلِّم الناس الحكمة بأجر مدفوع.
كان المنطلق الأساسي لهؤلاء الفلاسفة هو التفكير في الطبيعة والبحث عن أصل الكون والعناصر المحددة له، ومهدوا لظهور الفلسفة([6]) كما وضعوا الأسس التي انطلق منها كل من افلاطون وأرسطو.
| الحقب الزمنية / الأشخاص | الموضوعات |
| طاليس (Thales) | (624-546) |
| أناكسيماندر (Anaximander) | (610-546) |
| أناكسيمينيس (Anaximenes) | (585-525) |
| فيثاغورث (Pythagoras) | (580-500م) |
| هيراقليطس (Heraclitus) | (500م) |
| بارمينيديس (Parmenides) | (500م) |
| إمبيدوكليس (Empedocles) | (492-432) |
| أناكساغور (Anaxagoras) | (498-428) |
| ديموقريطس (Gemocritus) | (460-370) |
| غورجياس (Gorgias) | (483-374) |
| ثراسيماخوس (Thrasymachus) | (470-410؟) |
| بروتاغوراس (Protagoras) | 481-411) |
| سقراط (Socrates) | (470-399) |
| أفلاطون (Plato) | (427-347) |
| أرسطو (Aristotle) | (384-322) |
المصدر: غنارسكيربك ونلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي .. من اليونان القديمة إلى القرن العشرين – ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى، بيروت، نيسان (ابريل) 2012- ص103
أما الدور الثاني، "فقد ارتبط بالفيلسوف اليوناني سقراط بشكل أساسي، الذي يعتبر أحد أكبر الفلاسفة عبر التاريخ، وقد تميز هذا الدور (المرحلة) بصراع معرفي حامي الوطيس بين السفسطائيين([7]) وسقراط، ذلك الصراع الذي تحوّل لاحقا إلى عداوة كان لها ما يبررها معرفيّا وتاريخيّا وسياسيّا.
ثم جاء تلميذه أفلاطون الذي اشتغل بالمسائل الفلسفية كلها، وجهد نفسه في تمحيصها، ولكنه مزج الحقيقة بالخيال، والبرهان بالقصة، حتى إذا ما جاء أرسطو عالجها بالعقل الصرف، وَوُفِّقَ إلى وضعها الوضع النهائي.
أما الدور الثالث، فهو الدور الذي عَبَّرَ عن مرحلة أفلاطون وأرسطو حيث بلغت الفلسفة اليونانية أوجّ نضجها وعطاءها، علاوة على أنه تميز بتجديد المذاهب القديمة وبالعودة إلى الأخلاق والتأثر بالشرق، والميل إلى التصوف مع العناية بالعلوم الواقعية.
إن التطور الروحي ما بين القرنين السابع والرابع قبل الميلاد قد انطلق من الاسطورة والدين باتجاه العلم والفلسفة، وقد لعب دوراً كبيراً في هذه العملية استيعاب الاغريق للمفاهيم والأفكار العملية والفلسفية لدى شعوب الشرق – في بابل و إيران ومصر وفينيقيا، لا سيما منها العلوم البابلية: الرياضيات والفلك والجغرافيا ونظام القياس، كما أخذ الاغريق عن جيرانهم وأسلافهم في الشرق المعارف الكونية Cosmology، والتقويم، ومبادئ الجبر والهندسة"([8]).
" وسوف نرى في دراستنا للتعاليم الفلسفية اليونانية كيف ظهر من أحشاء التصورات، الموشحة بالأسطورية، الاتجاهان الأساسيان في الفلسفة – المادي والمثالي، وكيف بدأ الصراع بينهما، هذا الصراع، الذي شَكَّلَ على امتداد العصور كلها المضمون الرئيسي للتطور الفلسفي، وسنرى أيضاً، في الوقت ذاته، كيف تَشَكَّلَ المنهجان المتضادان في التفكير – الديالكتيك والميتافيزيقا، وسنتعرف في شخص هيراقليطس على نموذج رائع للديكالتيك المادي الساذج"([9]).
فلا مِراء أنّ البحث في تاريخ الفكر الإنساني عموما وفي تاريخ الفلسفة اليونانيّة بشكل خاصّ " سيقودنا بالضرورة إلى إبداء العناية بالفلاسفة ما قبل سقراط أو فلاسفة الطبيعة أو الحكماء السبعةكما يُطلق عليهم، فالإنسانيّة عموماً مدينة لمنجزاتهم الهامّة الملهمة والعميقة، فلا شكّ "أن خصوصيّة هذه الفلسفة، تدفع في كلّ مرّة نحو التركيز على المضامين المعرفيّة والتاريخيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة والميثولوجيّة لها، من أجل فهم جيّد وأفضل للمقاصد والغايات التي سعى إليها أصحابها وهم ينجزون نصوصهم، إذ أن فلسفة اليونان بوصفها مؤسِّسة للكثير من المفاهيم غدت مثاراً للنقاش والجدل في فكر العصور الوسطى أو في الفكر الغربي الحديث والمعاصر، أو في الفكر الإنساني عموماً، ولعلّه من اللافت أنّ تناول المرجعيّات المفاهيميّة والاصطلاحيّة يقتضي العودة إلى اليونان بالضرورة"([10]).
فمع الإغريق نجد "لأول مرة محاولة لتفسير الكون دون اللجوء إلى قوى ما وراء الطبيعة، دون تدخل من الآلهة، محاولة لشرح الطبيعة بالطبيعة نفسها، فقد كان هؤلاء الفلاسفة الإغريق الأوائل فلاسفة ماديين، "لقد درسوا أسباب الظواهر الطبيعية مثل البرق والرعد والزلازل والمذنبات والنجوم، وسعوا إلى ايجاد تفسيرات عقلانية لكل هذه الظواهر خالية من تدخل الآلهة وغيرها من القوى الخارقة للطبيعة، أي أن الفلاسفة ما قبل سقراط قد درسوا الطبيعة، لقد كانوا الرواد الشجعان الذين مهدوا الطريق لجميع التطورات العلمية اللاحقة"([11]).
كما "ارتبطت الفلسفة اليونانية –كما يقول المفكر الشهيد د.حسين مروة- ارتباطاً وثيقاً بالمعارف الطبيعية، ويرجع ذلك إلى أن الفلاسفة اليونانيين الأوائل كانوا من ذوي النشاط العملي: فمنهم كان البحار والتاجر والسياسي. بمعنى أن أفكارهم النظرية ارتبطت، بل كانت مشروطة، بنشاطهم العملي. من هنا نرى ان المعرفة الفلسفية لم تظهر – أول الأمر- في اليونان القديمة، كمعرفة فلسفية صرفاً، بل كمعرفة عن الطبيعة، ثم انتظمت في إطار نظريات أو فرضيات فلسفية"([12]).
ومما لا شك فيه، أن الديمقراطية الأثينية، لعبت دوراً هاماً في توفير وانتشار مناخ حرية التفكير والإبداع، حيث أتاحت لجميع المواطنين في أثينا فرصة السيطرة بأنفسهم على التشريع والحكم وتصريف الشئون الإدارية وغيرها.
ولعل هذه الديمقراطية دون غيرها من أنواع الحكم، هي التي استطاعت – كما يقول ديورانت- "أن تطلق تلك الطاقة التي رفعت أثينة إلى أسمى مقام بَلَغَتْهُ أمة أخرى في التاريخ، ولم تكن هذه الديمقراطية الأرستقراطية نظاما يفسح الطريق لكل إنسان ليفعل ما يحلو له كما أنها لم تكن رقيباً عتيدا على الأملاك والنظام فحسب، بل كانت تشجع بالمال المسرحيات اليونانية وتشيد أحد أهم رموز اليونان "البارثينون" (المعبد) عام 432 ق.م، وتعمل لرفاهية الشعب وتقدمه، وتهيئ له الفرص التي لا تمكنه "من أن يعيش فحسب، بل تمكنه من أن يعيش على خير وجه"، ومن اجل هذا فإن التاريخ لا يجد حرجا من أن يصفح عن جميع خطاياها"([13]).
في هذا السياق، يقول "ول ديورانت": "إن افضليه الفلسفةالإغريقية إنها كانت الرائدة في تحرير الفكر عبر تساؤلاتها عن طبيعة الوقع وحقيقه العقل والعديد من القضايا ذات الطابع المعرفي الشمولي، وبقدر ماكانت عظمة الاغريق قائمه على ضوء الفكر، استندت روما- التي وضعت فلسفه موازيه للفلسفةاليونانية إلى "عظمة القوة "، فقد بلغت الشجاعة لدى فلاسفة الاغريق "انهم حاولوا ايجاد تفسير للحوادث التي كانت تنسب في الازمنة الماضية إلى قوى ما فوق الطبيعة الخارقة والمعجزات كما وردت في الاساطير، وبدأوا في البحث عن العلم والمعرفة المنطقية، ولم يكن ذلك البحث سوى أول الطريق صوب الفلسفة واسدال الستار على الاسطورة.
لقد كانت هذه الفلسفة في البداية، فلسفة طبيعية مادية، ونظرت إلى العالم المادي وتساءلت عن أصل الاشياء النهائي، وكانت النهاية الطبيعية لهذا النوع من الأفكار هي مادية ديمقريطس([14]) (640-560 قبل الميلاد) القائل "(لا يوجد أي شيء في الحقيقة سوى الذرات والفراغ)، وقد كانت هذه احدى الاتجاهات الرئيسية للفكر والتأمل اليوناني، وبقيت مندثرة مدة من الوقت في أيام أفلاطون، ولكنها ظهرت وبرزت في أبيقور (342-270 قبل الميلاد) وتحولت إلى سيل عباب من الفصاحة في ليوكريتس (98-55 قبل الميلاد)" ([15]).
ولكن "التطور العظيم الخصيب في الفلسفة اليونانية اتخذ شكلاً له في "السفسطائيين، معلمي الحكمة المتجولين والطوافين، الذين وجهوا اهتمامهم إلى طبيعتهم وأفكارهم، بدلاً من توجيهه إلى عالم الأشياء. وكانوا جميعاً من أهل البراعة والحذق، ومن النادر ان تجد مشكلة أو حلاً في فلسفتنا الحالية العقلية والمسلكية، لم يتحققوا منه أو يتناولوه بالبحث، فقد وجهوا أسئلة عن كل شيء، ووقفوا بلا وجل أمام المحرمات الدينية والسياسية، وأخضعوا كل عقيدة ومذهب ونظام للعقل"([16]).
"فديمقراطياتنا ودكتاتورياتنا في أوروبا –كما يقول ديورانت- على السواء ترجعان إلى المُثُلْ اليونانية؛ وفكرة المحاكمة على أيدي المحلفين، والحريات المدنية التي تشمل حرية الفكر، والتعبير، والكتابة، والاجتماع، والعبادة، كل هذه قدا استمدت قوتها من التاريخ اليوناني، وهذه هي الخصائص التي تميز اليوناني عن الشرقي، والتي وهبته استقلالا في الروح وفي المغامرة جعله يسخر من الخضوع والاستسلام والقصور الذاتي، فمدراسنا وجامعاتنا في أوروبا، ومدارس التدريب الرياضي وملاعبه، والمباريات الرياضية والأولمبية، -كما يضيف ديورانت- كل هذه ترجع أصولها إلى بلاد اليونان، ونظرية تحسين النسل، وفكرة ضبط الشهوة الجنسية، والسيطرة على الغرائز والعواطف، وعبادة الصحة والحياة الطبيعية، ومذهب إشباع الحواس اكمل إشباع، كل هذه وجدت صيغها التاريخية في بلاد اليونان، وقد تفرع الجزء الأكبر من الدين المسيحي والعبادات المسيحية (ولفظا Christian وTheology نفسهما لفظان يونانيان) من الطقوس الخفية التي كانت منتشرة في بلاد اليونان ومصر، ومن العقيدة اليونانية القائلة بموت الابن المقدس لتخليص الجنس البشري ثم بعثه من بين الموتى، ومن الطقوس اليونانية والمواكب الدينية وحفلات التطهير، والتضحية المقدسة، والطعام العام المقدس، ومن الآراء اليونانية عن الجحيم، والشياطين، والمطهر، والغفران، والجنة، ومن النظريات الرواقية ولأفلاطونية الجديدة عن الكلمة والخلق، واحتراق العالم في آخر الأمر، ونحن كبشر مدينون بخرافاتنا نفسها لما كان لدى اليونان من اغوال وساحرات، ولعنات، وتفاؤل وتشاؤم وأيام منحوسة"([17]).
ولولا ما كتبه اليونان، وما نقل إلينا عنهم، لكان وجود أدبنا من أشق الأمور –كما يستطرد ديورانت- "فحروفنا الهجائية جاءتنا من بلاد اليونان، ولغتنا تكثر فيها الكلمات اليونانية؛ وعلومنا قد أنشأت لها لغة عامة دولية بوساطة المصطلحات اليونانية؛ ونَحْوَنا، وبلاغتنا، وحتى علامات الترقيم، وتقسيم هذه الصفحة إلى فقرات، كل هذا من اختراع اليونان، وكل ما لدينا من صور أدبية – الشعر الغنائي، والقصائد، وأناشيد الرعاة، والرواية القصصية، كما حرر أبقراط الطب من التصوف والنظريات الفلسفية ورفع من منزلته بان ضم إليه قانونا أخلاقيا ساميا".
كما "ارتقى هروفيلس وإراسستراتس بعلمي التشريح ووظائف الأعضاء، إلى درجة لم تصل إليها أوربا بعدهما –إذا استثنينا جالينوس وحده – إلا في عهد النهضة، فلم يشهد العالم قبل اليونان رجالا يفحصون عن الطبيعة بمثل دقتهم وبمثل ولعهم بها وحبهم إياها، ولم ينقص اليونان من مكانة العالم السامية باعتقادهم أنه كون منظم وأن نظامه هذا يجعله قابلا للفهم والإدراك، وقد ابتدعوا المنطق لنفس السبب الذي جعلهم يبتدعون التماثيل التي بلغت ذروة الكمال؛ والتناسق، والوحدة، والتناسب، والشكل هي في رأيهم فن المنطق ومنطق الفن، وقد دفعهم تشوفهم وتطلعهم لمعرفة كل حقيقة وكل نظرية إلى أن يجعلوا الفلسفة مغامرة ممتازة من مغامرات العقل الأوربي، وهم لا يكتفون بهذا بل نراهم لا يكادون يتركون فَرَضاً من الفروض أو نظاما من الأنظمة إلا فكروا فيه، ولا يكادون يتركون لغيرهم شيئا يقولونه عن مشاكل الحياة الكبرى، ولم يكن الناس في بلاد اليونان يتحدثون عن الفلسفة فحسب، بل كانوا فوق ذلك يعيشون فيها: فقد كان الحكيم لا المحارب أو القديس، صاحب أسمى مكانة في اليونانية وكان هو مَثَلُها الأعلى"([18]).
وآخر ما نقوله في هذا المجال: "إن الحضارة لا تموت، لكنها تهاجر من بلد إلى بلد، فهي تغير مسكنها وملبسها، ولكنها تظل حية، وموت إحدى الحضارات كموت احد الأفراد يفسح المكان لنشأة حضارة أخرى؛ فالحياة تخلو عنها غشاءها القديم وتفاجئ الموت بشباب غض جديد، فالحضارة اليونانية حية، وتتحرك في كل نسمة من نسمات العقل نستنشقها، وإن ما بقي ليبلغ من الضخامة حداً يستحيل على الفرد في حياته أن يستوعبه كله، ونحن نعرف عيوبها ونقائصها – نعرف حروبها الجنونية التي خَلَتْ من الرحمة، وما فيها من استرقاق دام إلى آخر أيام بنيها، ولكن الذين يحبون الحرية، والعقل، والجمال، لا يطيلون التفكير في هذه العيوب، بل إنهم سوف يستمعون من وراء صخب التاريخ السياسي إلى أصوات سقراط وأفلاطون وأرسطو وأبيقور، وأركميديز، وسوف يحمدون الله لوجود أمثال أولئك الرجال ويحرصون على صحبتهم في بلاد غير بلادهم ويقرنون بلاد اليونان بفجر تلك الحضارة الغربية المنير التي هي غذاؤنا وحياتنا رغم ما فيها من عيوب ترجع أصولها إلى معينها القديم"([19]).
في ضوء ما تقدم، أشير إلى أن الفلسفة اليونانية كان لها تأثيراً كبيراً على توليد المعرفة والمناهج المعرفية للتفكير السليم، إلى جانب تأثيرها في تطور الانسان والحضارة البشرية، ومهدت كل الطرق للفلسفة التي جاءت من بعدها في ذلك العصر أو في العصور الوسطى، وفي عصرنا الحديث والمعاصر الراهن.
السفسطائيون:
برزت "السوفسطائية" كظاهرة فلسفية لعصر ديمقراطية العبيد في أثينا، ففي القرن الخامس قبل الميلاد، كان نظام الحكم الديمقراطي العبودي قد حل محل السلطة الارستقراطية القديمة في كثير من المدن اليونانية، وصاحَبَ هذا، ظهور عدد من الهيئات المنتخبة – المحاكم، والمجالس الشعبية، التي لعبت دوراً هاماً للغاية في صراع الطبقات والأحزاب بين السكان الاحرار، فشاع الجدل السياسي والقضائي، وظهرت الحاجة إلى معلمين يلقنون فنون الخطابة، وأساليب المَحَاجَّة واستمالة الجمهور، وأصبح معلمو البيان والجدل القضائي وغيره اساتذة يلقنون المعارف السياسية والخطابة.
وبما أن المعرفة لم تكن قد انقسمت بعد إلى فلسفية وعلمية خاصة، ونظراً للمكانة التي أصبحت الفلسفة تتمتع بها في أعين الأوساط المثقفة، كان هؤلاء المعلمون الجدد لا يكتفون، عادة، بتلقين المعارف السياسية والحقوقية، بل ويربطونها بالمعتقدات والقضايا الفلسفية الشاملة، دُعِيَ هؤلاء بالسفسطائيين Sophists أي الحكماء، أساتذة الحكمة، ثم جاء الكُتَّاب، المعادون للنظام الديمقراطي ومؤسساته، ليسحبوا عداءهم على المعلمين، الذين يُعِدُّونَ الشباب للنشاط السياسي والقضائي، وصاروا يطلقون اسم السفسطائيين عليهم"([20]).
أشير هنا إلى أن السفسطائية لم تكن تياراً فلسفياً متجانساً، لكن ممثليها، باختلاف اتجاهاتهم انضموا تحت لواء المبدأ القائل بنسبية كافة المفاهيم الانسانية، بما فيها المعايير والقيم الاخلاقية، وقد تجلى هذا المبدأ في القول المأثور عن بروتاغوراس([21]) "الانسان مقياس الاشياء جميعاً : هو مقياس وجود ما يوجد منها، ومقياس لوجود ما لا يوجد"([22])، وكان يقصد بذلك أن الصح والخطأ، الخير والشر، كلها يجب أن تْحدد حسب حاجات الكائن البشري.
في هذا السياق يقول إميل برهييه " ان السفسطة، التي وَسَمَتْ بميسمها العقود الخمسة الأخيرة من القرن الخامس (ق.م)، لا تشير إلى مذهب، وانما إلى طريقة في التعليم، فالسفسطائيون معلمون يرتحلون من مدينة إلى أخرى بحثاً عن جمهور في السامعين، ويُعَلِّمون تلامذتهم، لقاء أجر مقرر، وفي خُطَب علنية أو في دروس خاصة، مستخدمين الطرق القمينة بتغليب قضية على أخرى كائنة ما كانت، فعِوضاً عن طلب الحقيقة ونشرها نَشَدَ السفسطائيون النجاح المبني على فن الاقتناع والإفحام والإغراء، وفي هذه الشروط تكون القيم الفكرية الرئيسية هي التبحر، الذي يضع في حوزة الإنسان جميع المعارف النافعة لموضوعه، والأرابة التي تتيح له أن يختار موضوعاته بحسب مناسبتها، وأن يقدمها في صورة أخاذة، ومن هنا "كانت السمتان البارزتان اللتان تميز بهما السفسطائيون: فَهُمْ من جهة أولى تِقَنيون يتباهون بمعرفة جميع الفنون والصنائع النافعة للإنسان وبقدرتهم على تعليمها، وهم من الجهة الثانية طوال الباع في علم البيان وفن الخطابة، ويعلمون الدارسين عليهم كيف يستحوذون على مسامع السامع ويفوزون بعطفه"([23]).
نستخلص مما تقدم أن المناقشات كانت في أثينا عاملا في إشعار الناس بالحاجة إلى شيء لم يكن معروفاً فيها من قبل، ونعنى بذلك –حسب ديورانت- "الدراسة العليا المنظمة للآداب، والخطابة، والعلوم والفلسفة، وأساليب الحكم، والسياسة، ولم تقابل هذه الحاجة في بادئ الأمر بتنظيم الجامعات، بل قوبلت بوجود طائفة العلماء الجوالين يستأجرون قاعات المحاضرات، ويدرسون فيها ما يضعونه للتعليم من مناهج، ثم ينتقلون إلى مدن اخرى ليعيدوا فيها هذه الدراسة.
وكان بعض هؤلاء المعلمين، ومنهم بروتاغوراس يطلقون على أنفسهم لقب سوفسطائى، أي معلم الحكمة، وكان الناس يفهمون من هذا اللفظ ما نفهمه نحن من لفظ "أستاذ جامعي"، ولم يكن له معنى مُحِط بالكرامة، حتى قام النزاع بين الدين والفلسفة، فأدى إلى هجوم المحافظين على السوفسطائيين، ولعل الجمهور كان يشعر نحو هؤلاء بشيء من الكره الخفي من بدء ظهورهم، لأن ما كانوا يتقاضونه من باهظ الأجر نظير تدريس المنطق والبلاغة لم يكن يطيقه إلا الأغنياء الذين أفادوا من علمهم هذا في دور القضاء"([24]).
أما المفكر السوري الراحل د. حامد خليل فيقول عن السفسطائيين: " لم يحدث في تاريخ الفكر الفلسفي أن طُمِسَتْ معالم حركة فلسفية، وشُوِّهتْ أفكارها، مثلما حدث للحركة السفسطائية، لكن ذلك لم يكن بالأمر الذي يدعو إلى الاستغراب، فالسفسطائية لم تكن مجرد حركة فلسفية يقتصر هدفها على تفسير العالم فحسب، وإنما كانت قبل كل شيء حركة صاحبة قضية، ومناضلة، وداعية إلى تغيير أسس القهر الإنساني، وما يترتب على ذلك من تغيير في قيم الناس وتقاليدهم وعقائدهم التي تَحُوْل دون ارتقائهم العقلي والبدني على السواء، وحقيقة الأمر ان السفسطائية كانت أول وأعنف حركة تَحَدِّ لأشرس تشكيلة اجتماعية إمعاناً في تكريس عبودية الإنسان وسلبه قوى تفتحه وإبداعه التي يكون بها وحدها انساناً بحق، أعني التشكيلة العبودية التي كانت تشكل طابع الحياة الاجتماعية اليونانية في القرن السادس ومطلع القرن الخامس ق.م"([25]).
لكن خصوم السفسطائيين، من القوى المستفيدة من تكريس تلك العبودية –كما يضيف د. حامد خليل- "لم يلقوا أسلحتهم حين كانت الأفكار السفسطائية تلقي رواجاً كبيراً، وإنما كانوا يتحينون الفرص للإجهاز على السفسطائيين، واقتلاع جذورهم من أعماق الحياة اليونانية، وقد تحقق لهم ذلك في أواخر القرن الخامس (ق.م)، فأفل نجم الحركة السفسطائية منذ ذلك التاريخ وإلى الأبد، وأصبحت الاجيال فيما بعد، لا تعرف عن مفكريها أي شيء سوى ما كان خصومهم يلفقونه عليهم من تهم وتجديف، وأخص بالذكر "أفلاطون" كواحد من أخطر أولئك الخصوم، فقد وظف كامل عبقريته ليس لطمس معالم تلك الحركة وحسب، وإنما لتشويه أفكارها، وجعلها موضع احتقار الناس وتندرهم. وقد أفلح في تحقيق تلك المهمة بنجاح منقطع النظير. إذ أن لفظ "سفسطائية" أصبح فيما بعد، سُبَّة، وعاراً، ومصدراً للتهكم والسخرية في نظر البشرية حتى عهدنا هذا، اللهم إلا في حالات نادرة"([26]).
على أي حال، إن الديمقراطية الاثينية لم تكن إبداعاً جديداً وحسب، بل كانت، أيضاً، برهاناً على أن نوعاً محدوداً من الديمقراطية المباشرة ممكن في ظل شروط معينة، فهي تتطلب مثلاً، مستوى عالياً من التعليم العام، فإذا أراد الكل أن يشترك في إدارة المجتمع، فيجب أن يكون النظام التعليمي العام صالحاً.
لقد قاد السفسطائيون ذلك "التنوير الشعبي"، فهم "علَّموا المواطنين الضروريين للمشاركة في الحياة السياسية: فنون المناقشة، والخطاب والتربية المدنية، والمعرفة بطبيعة الإنسان...إلخ، وكانوا في الوقت ذاته، معلمين وإعلاميين ومفكِّرين: فهم نقلوا المعرفة والثقافة إلى الشعب، وبخاصة إلى النشطاء في السياسة والقادرين على دفع الثمن لمعلميهم، قبل غيرهم، وقد زَعَمَ العديد من السفسطائيين أن ما يدعى حقاً وعدلاً كان تعبيراً عما فرضه التقليد الاعتباطي أو الحاكم الاعتباطي على الشعب ليقبله، فلا وجود لما هو حق، وما ندعوه حقاً هو ما يخدم القوي، والقوة تصنع الحق، أو يمكننا القول إن الحق لا يتعدى أن يكون ما نجحت أكثرية الضعفاء في جعله معترفاً به، لذا يمكن تعريف الأخلاق بطرق مختلفة. أما بالمعنى الكلي الصحيح، فإن الأخلاق عدم، ولا وجود إلا لعواطف محبة وكراهية أنانية"([27]).
بسبب مثل تلك النسبية، بدأ السفسطائيون بشكل تدريجي يخسرون القبول الشعبي، ولما كان للزبائن المختلفين مصالح مختلفة في أمور عديدة، اضطر السفسطائيون، مثل المحامين في المحاكم، أن يجادلوا لصالح قضايا مختلفة أو ضدها، ولم يكن يهم الزبون سوى تحقيق هدفه ألا وهو ربح القضية، وليس الحصول على الإجابة الصحيحة، "وكان لابد للمهارات التي كان السفسطائيون يعلمونها أن تتكيف مع ذلك الهدف. وكانت النتيجة أن عَلَّمَ السفسطائيون، في معظم الاحيان، حيل النقاش وأشكال الخداع فيه، وليس فن المناقشة العقلية، لذلك، صاروا في خطر الانحطاط إلى مراوغين مرائين، نعني "سفسطائيين"، بما تعنيه الكلمة عند البعض من أن السفسطة هي نوع من المراوغة، لكن الحقيقة انهم كانوا على العكس من ذلك، فقد طرح السفسطائيون مسائل كثيرة، تتعلق بالأخلاق وبالعلوم الاجتماعية، والإبستيمولوجيا– مسائل رافقتنا، منذئذ، مثل المسائل المعقدة عن النسبية والمطلقية (Absolutism)، والحق والقوة، والأنانية والغيرية أو المحبة للغير، والفرد والمجتمع، والعقل والمشاعر، وهي بعض المصطلحات الأساسية، وسوف نرى أن سقراط وأفلاطون شاركا في ذلك الجدل الذي أحاط بالسفسطائيين، ويمكن النظر إلى نظرية المُثُل عند أفلاطون بوصفهما محاولة لصياغة جواب إيجابي عن السؤال المتعلق بما إذا كان هناك نظام سياسي – أخلاقي، نعني: أن نظرية المُثُل، هي بهذا المعنى حجة مضادة للشك السياسي – الأخلاقي السفسطائي.
أما في السياسة فقد انقسم السفسطائيين إلى مدرستين، قالت احداهما مثل روسو فيما بعد، "ان الطبيعة خير والمدنية شر، وان جميع الناس متساوون بالطبيعة، وان النظم الطبقية المصطنعة هي التي قضت على هذه المساواة بينهم، وفَرَّقتهم إلى طبقات، وأن القانون هو من اختراع الاقوياء من الرجال، ليقيدوا ويحكموا الضعفاء منهم".
وادعت المدرسة الاخرى مثل نيتشه، "ان الطبيعة وراء الخير والشر، وان الناس بالطبيعة غير متساوين، وان الاخلاق من اختراع الضعفاء لتقييد وكبح الاقوياء، وأن القوة هي الفضيلة العليا، والرغبة العليا التي يرغب بها الانسان، وأن الدولة الارستقراطية هي الأفضل والأَحكم، والأكثر تناسباً طبيعياً من جميع انواع الحكومات".
في هذا الجانب، يبدو أن هذا الهجوم على الديمقراطية، يعكس ظهور الاقلية الموسرة في اثينا التي أطلقت على نفسها اسم حزب الاوليجاركية (حزب الخاصة أو القلة) والتي وصَفَتْ الديمقراطية بكونها ضعيفة وعاجزة وكاذبة ومصطنعة.
ومع ذلك فإن "هذه الديمقراطية التي كانت لديهم، كانت ديمقراطية تامة ومُتْقَنة ولا مثيل لها، لقد كانت "الاكسليزيا" أو الجمعية العامة في أثينا، المصدر الأعلى للسلطة، والجهاز الرسمي الأعلى في الدولة، وكانت "الديكاستيريا" أو المحكمة العليا، تتألف من أكثر من الألف من الاعضاء (لجعل الرشوة متعذرة وباهظة التكاليف)، وكانت المحكمة تُخْتار حسب الحروف الابجدية من سجل جميع المواطنين، لذلك لا نجد نظاماً أكثر ديمقراطية من هذا النظام الذي عرفته اثينا، ولا أكثر سخافة وبطلاناً كما كان يقول معارضو هذا النظام عنه"([28]).
أخيراً، "يرى المؤرخ الأمريكي "ول ديورانت" أن "السوفسطائيين في مجموعهم يُعَدُّونَ من العوامل التي كان لها أعظم الأثر في تاريخ اليونان؛ فهم الذين اخترعوا لأوربا النحو والمنطق، وهم الذين رَقّوا فن الجدل، وحللوا أشكال الحوار، وَعَلَّموا الناس كيف يكشفون وكيف يمارسون؛ وبفضل ما بعثوه في اليونان من حافز قوى وما ضربوه بأشخاصهم من أمثله شغف مواطنوهم بالمناظرة والاستدلال؛ فهم الذين استخدموا المنطق في اللغة، فزادوا الأفكار وضوحاً ودقة، ويَسَّروا انتقال المعرفة انتقالا صحيحاً دقيقاً، وهم أيضاً الذين جعلوا النثر صورة من صور الأدب والشعر ووسيلة للتعبير عن الفلسفة؛ وطبقوا التحليلعلى كل شيء؛ وأبوا أن يُعَظِّموا التقاليد المتواترة التي لا تؤديها شواهد الحس أو منطق العقل؛ وكان لهم شان كبير في الحركة العقلية التي حطمت آخر الأمر دين اليونان القديم، فكان نصيبهم في تدهور الأخلاق أنهم اشتركوا في التدهور الذي أصاب أثينا مع غيرهم، ولم يكونوا العامل الأساسي فيه، فقد كان تعريفهم للأخلاق أو لقيمة الإنسان تعريفاً قائماً على أساس المعرفة، كما فعل بروتاغوراس قبل سقراط بجيل من الزمان، كان هذا التعريف باعثاً قويا على التفكير، ولكنه كان ضربة زلزلت قواعد الاخلاق نفسها؛ كذلك كان توكيد المعرفة وتعظيم شأنها من الأسباب التي رفعت مستوى اليونان العلمي والثقافي؛ ولكنه لم يُقَوِّ من ذكائهم بنفس السرعة التي حرر بها عقولهم"([29]).
قال السوفسطائيين، "إن المعرفة شيء نسبي، لكن هذا القول لم يكن سببا في حمل الناس على التواضع كما يجب أن يكون، بل إنه أغرى كل إنسان بأن يتخذ من نفسه معياراً يقدر به جميع الأشياء، فأصبح كل شاب نابه يُحس بأنه خليق بأن يحكم على القانون الأخلاقي الذي يسير عليه بنو وطنه، وأن يرفضه إذا لم يفهمه أو يعجبه، ثم يصبح بعدئذ حراً في أن يبرر رغباته حسب ما يراه هو بعقله، ويقول إنها فضائل النفس التي تحررت من رق القانون.
كانت التفرقة بين "الطبيعة" والعرف، وميل صغار السوفسطائيين إلى القول بأن ما تبيحه "الطبيعة" خير في ذاته على الرغم من حكم العادة أو القانون، كان هذا الميل وتلك التفرقة عاملا في تقويض الدعائم القديمة للأخلاق اليونانية، ومشجعاً للناس على القيام بكثير من التجارب في أساليب العيش، وأخذ الشيوخ يأسفون لانقضاء ما كان يسود المنزل من بساطة وإخلاص، ولانهماك الناس في السعى وراء اللذة وجمع المال متحللين في ذلك من قيود الدين، وعلى أثر ذلك، بدأ سقراط حياته بخطبة ضد السوفسطائيين، وواصل أرسطو هجومه عليهم وعَرَّفَ السوفسطائي بأنه الرجل "الذي لا يحرص إلا على أن يُثْري من وراء التظاهر بالحكمة"، واتهم بروتاغوراس بأنه "يعد الناس بجعل أسوأ الأسباب يبدو كأنه أحسنها"، ولكن -يقول ديورانت- "إذا ما انتقد السوفسطائيون التقاليد والأخلاق السائدة في عصرهم، فلم يكن ذلك بطبيعة الحال عن سوء قصد فقد كانوا يظنون أنهم بعملهم هذا يحررون الناس من رق العقول، وكانوا بهذا الوصف وهم الطبقة الراجحة العقل في زمانهم يتصفون بما يتصف به أهل ذلك الجيل من شغف بالحرية العقلية، وقد فعلوا ما فعله علماء الموسوعات في عصر الاستنارة في فرنسا إذا انقضوا على الماضي الميت انقضاضا جديرا بالإعجاب فاكتسحوه أمامهم دفعة واحدة، فقد كانوا "أداة البحث الجديد، ولكنهم عجزوا عن ان يضعوا السياسة المؤدية إلى هذا التكيف وكفاهم فخراً أنهم كانوا حافزاً لطلب المعرفة، وأنهم جعلوا التفكير سنة العصر، وأنهم جاءوا من كافة أركان العالم اليوناني إلى أثينة بأفكار جديدة وأسباب للتفكير جديدة، وأيقظوا فيها الوعى الفلسفي والنضوج الذهبي. ولولاهم لما وجد سقراط أو أفلاطون أو أرسطو"([30]).
([1]) اميل برهييه – تاريخ الفلسفة– الجزء الأول: الفلسفة اليونانية– ترجمة: جورج طرابيشي– دار الطليعة – بيروت- الطبعة الأولى، 1982– الطبعة الثانية، 1987– ص22
([2]) يوسف كرم – تاريخ الفلسفة اليونانية – مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة – القاهرة – 2012 – ص 18/19
([3]) تلميذ طاليس ومعاصره، ولد حوالي 610 ق.م، اهتم، كأستاذه، بمسائل بنيان العالم، واشتغل بالجغرافيا والطبيعة، وبقضايا ظهور الحياة والانسان، لخص آراءه في مؤلفه "في الطبيعة" ، الذي ضاع، ولم تصلنا منه سوى كلمات منفردة، ليس بينها أية جملة كاملة، وهو، كطاليس ، لم يكتف بجمع المعارف، وصياغتها في مذهب فلسفي شامل، بل واستخدمها في الاغراض العملية، وكان أول من رسم خريطة للأرض، ووضع كرة أشبه ما تكون بالكرة الفلكية.. والأرض ، وما عليها من مياه ويابسة، لم تعد بعد القرص الطاليسي المسطح، ان الارض، عند أناكسمندر، تشبه الاسطوانة، أو العمود والسماء – كرة تحيط بالارض من جميع الجهات، والشمس، والقمر، والنجوم، لا تختفي في المحيط الكوني بحلول الليل، بل تتابع حركتها الدائرية مع الكرة السماوية كلها، لكنها تختفي وراء الافق ، والارض، بخلاف ما ارتأى طاليس، لا تحتاج للاستناد إلى شيء، بل تستقر دائماً في "مركز" العالم، الذي يبعد بعداً واحداً عن جميع نقاط الكرة السماوية ، فليس هناك ما يجعلها تتحرك إلى جهة دون أخرى. ويبدو أن أناكسمندر افترض أن المكان مملوء تماماً بالمادة وهذه المادة الأولى، "غير المعينة" ، لا حدود لها، وهي، بالتالي، "اللانهاية" Apiron. (موجز تاريخ الفلسفة – جماعة من الأساتذة السوفيات – تعريب: توفيق ابراهيم سلوم – دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م) – ص64+65)
([4]) هيراقلطس فيلسوف مادي، يؤمن بمبدأ التغيـّر فوحدها الصيرورة موجودة ولا شيء ثابت على الإطلاق وكل الموجودات الكونيّة هي في صيرورة وتحوّل مستمرين ودائمين وتتجلّى فكرته تلك في عبارته الشهيرة إنّنا لا نستطيع أن نستحمّ في النهـر الواحد مرتين لأنّ ثمّة مياه جديدة تجري في كلّ مرّة.
([5]) المدرسة الايلية هي مدرسة خاصة بدراسة الفلسفة اسسها الفيلسوف الشهير كزينوفانيس صاحب كولوفون في إقليم كامبانيا في جنوب إيطاليا بايليا حيث اشتق اسم الايلية.ايليا كانت مستوطنة تابعة لفوكيا من مقاطعة يونيا قديما وحاليا فوكا وهي تابعة للدولة التركية، حيث يعتبر كل من برمنيدس وزينون الاثنين من ايليا الممثلين الرئيسيين لهذه المدرسة الايلية.اما ميليسوس من ساموس كان ثالث وآخر عضو في المدرسة الإيلية الفلسفية القديمة (موقع ويكيبيديا - الموسوعة الحرة- الانترنت).
([6]) د. خديجة زنتيلي – حوار مع فاطمة الفلاحي (بؤرة ضوء) – الحوار المتمدن – 2/4/2017.
([7]) تعبير سفسطائي لدى الاغريق يعني الرجل المثقف والكفء.
([9]) المرجع نفسه – ص 62
([10]) د. خديجة زنتيلي – حوار مع فاطمة الفلاحي (بؤرة ضوء) – الحوار المتمدن – 2/4/2017.
([11]) آلان وودز – الماركسية والفلسفة – الحوار المتمدن – العدد 6048 – 8/11/2018.
([12]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني – دار الفارابي – بيروت 1985 - ص706
([13]) ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران – قصة الحضارة "حياة اليونان – الكتاب الثالث ضمن المجلد الرابع (7 /8) "العصر الذهبي" – مكتبة الأسرة- القاهرة – 2001 – ص43
([14]) ديمقريطس (حوالي 460 – بداية القرن الرابع ق.م) ولد ديمقريطس في أسرة غنية، وأولع بالعلم منذ الصغر، وقام ، بعد وفاة والده ، بعدد كبير من الرحلات إلى بلدان الشرق، اشتهرت أعماله بالموسوعية، حيث أسهم في مختلف العلوم والفنون: في الفلسفة، والمنطق، وعلم النفس، والاخلاق، والسياسة، والفن، واللغة، والرياضيات، والفيزياء، والفلك. ليس في العالم الا الخلاء والذرات، منها تتألف جميع الموجودات – تلك هي الموضوعة الاساسية في مذهب ديمقريطس الذري. ويعمم ديمقريطس آراءه الذرية لتشمل الحياة والروح أيضاً، وهو، كالفلاسفة الماديين السابقين، يرجع ظهور الكائنات الحية إلى الظروف والشروط الطبيعة، دونما أية غائية، أو علة خارجية مفارقة، والنفس، أيضاً، تتألف من ذرات نارية، وهي عبارة عن ائتلاف مؤقت لها. وقد أنكر الفيلسوف خلود الروح.. نظريته في المعرفة: نظرية ديمقريطس المادية في المعرفة منسجمة مع فهمه المادي للطبيعة ، الاحاسيس، عنده، مصدر المعرفة وأساسها.... آراءه الاجتماعية: عنى ديمقريطس بدراسة الظواهر الاجتماعية، واعتبر السياسة أهم الفنون قاطبة، مهمتها – ضمان المصالح العامة للمواطنين في ظل الديمقراطية العبودية. كان نصيرا متحمسا للنظام الديمقراطي العبودي: "ان الفقر في ظل الديمقراطية خير مما يسمى بالعيش الوثير في ظل القياصرة، بقدر ما الحرية خير من العبودية". وقد عبر عن رأي طبقة ملاك العبيد حين أكد على ضرورة خضوع الفرد التام لسلطة الدولة. المثل الذي يصبو اليه ديمقريطس هو حياة، يحميها االقانون والنظام، حياة الهدوء والطمأنينة، ويرى الشرط الضروري للحياة الاجتماعية في تقسيم العمل، الذي ينظر اليه الفيلسوف من وجهة المصلحة الطبقية لملاك العبيد. (موجز تاريخ الفلسفة – جماعة من الأساتذة السوفيات – تعريب: توفيق ابراهيم سلوم – دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م) – ص92+93)
([15]) ول ديورانت–ترجمة: د.فتح الله محمد المشعشع - قصة الفلسفة – مكتبة المعارف – بيروت – الطبعة الخامسة 1985م – ص6 /7
([16]) المرجع نفسه – ص7
([17]) ول ديورانت – قصة الحضارة "حياة اليونان" – المجلد الرابع (7 /8 ) الكتاب الخامس – انتشار الهلستينية - ص 207
([18]) المرجع نفسه – ص 209 / 210
([19]) المرجع نفسه –ص 211 / 212
([20]) موجز تاريخ الفلسفة – جماعة من الأساتذة السوفيات – تعريب: توفيق ابراهيم سلوم – دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م) – ص 82
([21]) كان بروتاغوارس، أشهر السوفسطائيين جميعهم وفي وسعنا أن نستدل على ما كان له من شهرة واسعة بما أحدثته زياراته لأثينة من حماسة بالغة واهتياج فيها كبير؛ وحتى أفلاطون نفسه – وهو الذي لم يقل كلمة طيبة في السوفسطائيين عن قصد – كان يجله ويصفه بانه على خلق عظيم. وكان من أفضاله الكثيرة أنه وضع أساس النحو وفقه اللغة الأوربيين، ويقول عنه أفلاطون إنه بحث في الطريقة الصحيحة لاستعمال الألفاظ، وإنه كان أول من قسم الأسماء إلى مذكرة ولا مؤنثة، وأول من ذكر أزمان الأفعال وحالاتها (إخبارية أو شرطية الخ). كان –بروتاغوارس يرى أن الإحساس هو السبيل الوحيدة إلى المعرفة، ويأبى أن يعترف بوجود أية حقيقة تعلو على العقل ولا تدركها الحواس،وتلك هي رؤية جون لوك فيما بعد. ومن أقوال بروتاغوارس " أن الحقيقة المطلقة لا وجود لها، وأن كل ما يوجد هو الحقائق التي يعتنقها بعض الناس في ظروف خاصة.
والحقيقة كلها والخير والجمال، أمور نسبية وشخصية؛ "والإنسان هو المقياس الذي تقاس به جميع الأشياء فهو الذي يقرر أن الأشياء الكائنة، وأن الأشياء غير الكائنة غير كائنة. أما من حيث الآلهة فلست أدرى –يقول بروتا غوراس- أهى موجودة أم غير موجودة كما لا أعلم لها شبهاً. وثمة أشياء كثيرة تقف في سبيل هذه المعرفة: فالموضوع غامض، وحياتنا الفانية قصيرة الأجل... وارتاعت الجمعية الأثينية من هذه الكلمة فقررت نفي بروتاغوراس، وأُمِرَ الأثينيون على بكرة أبيهم أن يسلموا كل ما عساه أن يكون لديهم من كتاباته، وأحرقت كتبه في السوق العامة. وفر بروتاغوارس إلى صقلية ولكنه، على ما ترويه القصة، غرق في الطريق". (ول ديورانت – قصة الحضارة – المجلد الرابع – ص212 + 213).
([22]) جماعة من الأساتذة السوفيات – مرجع سبق ذكره – موجز تاريخ الفلسفة –ص 83
([23]) اميل برهييه – تاريخ الفلسفة – الجزء الأول: الفلسفة اليونانية– ترجمة: جورج طرابيشي– دار الطليعة – بيروت- الطبعة الأولى، 1982 – الطبعة الثانية 1987- ص 106
([24]) ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران – قصة الحضارة "حياة اليونان" - المجلد (7/ 8) الكتاب الثالث- العصر الذهبي – ص 212
([25]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م – ص 11
([26]) المرجع نفسه – ص 12
([27]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي .. من اليونان القديمة إلى القرن العشرين – ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى ، بيروت، نيسان (ابريل) 2012- ص 90
([28]) المرجع نفسه - ص 103
([29]) ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران – قصة الحضار "حياة اليونان" – المجلد الرابع (7/ 8 ) – الكتاب الثالث "العصر الذهبي – ص 218
([30]) المرجع نفسه – ص 220

