Menu

نزعة القوة وتقديسها

طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية (7)

أحمد مصطفى جابر

خاص بوابة الهدف

تحمل إحدى رايات الجيش الإسرائيلي عبارة تقول «في البداية صنع جيش الدفاع الإسرائيلي الجندي والجندي صنع الأمة»(1)، وهذا ينسجم تمامًا مع طبيعة الكيان الصهيوني كـ"ثكنة" بتعبير الراحل إلياس شوفاني، وما يحيل إليه من عسكرة، وارتباط بفكرة القوة المتجسدة بالعنف، حيث يكتسب مفهوم القوة مكانة مركزية في الفكر الفاشي وجذوره المبكرة، وقد تحدثنا في الحلقات السابقة عن مكانة فلسفة القوة في الجذور الدينية اليهودية التي استخدمتها الصهيونية في مقولاتها الأساسية.

ولقد أدرك زعماء الصهيونية مبكرًا أن خطتهم ومشروعهم لا يمكن تحقيقه دون اللجوء إلى القوة التي ستتجسد لاحقًا في ممارسات العنف والإرهاب، ولطالما كرر قادة الكيان مقولات من نوع: إن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، وأن الرد الوحيد على الفلسطينيين هو سحقهم، وكما قال بن زفي وفقًا لعاموس ايلون: «لقد سقطت يهودا بالدم والنار وستنهض ثانية بالدم والنار»(2).

عسكرة المجتمع

كانت القوة أو (أفضلية القوة) بتعبير آدم سميث هي الركيزة الأساسية للاستعمار والاستيطان وفرض النفوذ، ولا شك أن الأفضلية الأبرز التي تمتلكها الولايات المتحدة في سطوتها واضطهادها للعالم هي أفضلية القوة، كذلك الحال بالنسبة "لإسرائيل"، لا الأخلاق ولا منطق العقل ولا الحضارة هي ما يمكن أن يتيح لثنائي مثل بوش وشارون أو ترامب ونتنياهو وخلفائهما بطبيعة الحال- فعل ما يفعلون.

اقرأ ايضا: طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية (1)

ومصطلح (أفضلية القوة) الذي تتبناه "إسرائيل" عبر استراتيجية التفوق المطلق والردع النووي، صيغ أولًا من قبل آدم سميث الذي وصفها بأنها: «التي حازها الأوربيون فتمكنوا من ارتكاب كل أنواع المظالم في تلك البلاد النائية (الهند) دونما خوف من عقاب»(3). وكان آدم سميث قد لاحظ أن النجاح الأوربي ناتج عن تمكن أوربا من ثقافة العنف وانغماسها فيها(4)، وتتضح أهمية ركيزة القوة عند الفاشيين من الاهتمام المطلق بالجيش والناحية العسكرية والتوجه نحو عسكرة المجتمع، فيصبح الجيش أو الأدوات العسكرية مقدسة ومنيعة على أي نقد ويتحكم الجيش والعسكر بكافة مناحي الحياة المدنية، وهكذا فإن كفاءة "إسرائيل" عادة ما تقاس بقدرتها العسكرية قبل أي شيء آخر ودائمًا ما تتقدم القدرة العسكرية إلى الواجهة عند الحديث عن "إسرائيل" ومناعتها، ومن هنا يحتل الأمن مكانة مركزية في الحياة اليومية للفكر السياسي "الإسرائيلي".

من المعروف أن جذور النزعة العسكرية وتمجيد القوة والعنف والقسوة الوحشية والتعطش لسفك الدماء تمتد بعيدًا في أغوار التراث الديني العسكري اليهودي الذي أرسى قواعده يوشع بن نون(5). ومن هنا يتم التركيز على تجهيز الجيش بأفضل المعدات لتحويل "إسرائيل" إلى حالة تهدد جيرانها بالإبادة والإخضاع والإفناء، وتتقدم القوة لتصبح الأداة ذات الأولوية في تصرفات "إسرائيل" ما ينعكس في العنف الإرهابي الذي تمارسه ضد الشعب الفلسطيني وضد جيرانها العرب، ولعل خير ما يدل على مكانة القوة في المجتمع الصهيوني ما كتبه باروخ كيمرلنج نقديًا عقب حرب 1967 شارحًا احتلال الأرض: «بأن المستوطن الذي يضع الكيباه على رأسه ويحمل المسدس الرشاش هو أفضل من يمثل الهوية الجماعية الإسرائيلية إن شاء الإسرائيليون ذلك أم أبوا».

اقرأ ايضا: طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية (2)

تحتل القوة إذن مكانتها (اللائقة) عند الفاشية؛ بسبب ضرورتها وحتمية وجودها ضمن المشروع الفاشي؛ فالفاشية في صراعها لإثبات وجودها، وضد القوى الأخرى، لا تهدف إلى (مجرد) النصر وإنما تدمير الخصم وإنهاء وجوده، من هنا فإن مسألة القوة تأخذ بعدًا أشد استراتيجية وتعقيدًا؛ طابعة الفاشية بالعنف القياسي (شرح1) المدمر الذي هو الدرجة من العنف الكافية لإلحاق أذى عميق بالخصم، بحيث يصبح أي استعمال آخر أو إضافي العنف من أي شكل من الأشكال غير مفيد وغبي وغي ضروري بالأساس.

[شرح1: العنف القياسي: نعرفه بأنه الدرجة من العنف الكافية لإلحاق أذى عميق بالخصم، بحيث يصبح أي استعمال آخر أو إضافي من أي شكل من الأشكال غير مفيد وغير ضروري، وفي حالة الفرد، فالعنف القياسي يتلخص بالتصفية الجسدية].

اقرأ ايضا: طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية (3)

وهذا كان بالضبط ما انطبعت عليه الحركة الصهيونية في حربها المبيدة التي لم تستهدف النصر في واقعة أو معركة كلاسيكية وإنما النصر الهادف لإراءة الخصم. إن هذه اللغة (القوة) هي الوحيدة التي يفهمها، نصر يهدف ليس إلى مجرد الفوز وإنما إلى إذلال الخصم وتدميره، وهكذا ففي عُرف دايان: «النصر العسكري هو الطريقة الوحيدة لحمل العرب في النهاية على قبول إسرائيل»، وذلك يعود إلى أن: «الشيء الوحيد الذي يحترمه العرب بالفعل هو القوة»(6). وهكذا يؤكد في مكان آخر: «نحن لولا خوذ الحديد والمدفع لما أتيح لنا قط أن نغرس شجرة واحدة أو نبني بيتا واحدا»(7).

كانت القوة وما تزال، وسيلة وغاية لتحقيق السياسات الصهيونية وغاية في حد ذاتها لتوفير مناعة لا تخترق للمشروع الصهيوني، ولم يكن الصهاينة يتورعون عن استخدامها حتى ضد اليهود أنفسهم الذين يزعمون أنهم أقاموا هذا المشروع لإنقاذهم!  ومن ذلك قيام الأرغون (شرح2) بتفجير الباخرة الفرنسة باتريا في 21 تشرين الثاني عام 1940 وقتل 250 شخصًا، وهي راسية على شاطئ يافا، وكذلك تفجير الباخرة ستروما وقتل 769 في استنبول كل هذا لتأليب الرأي العام ضد بريطانيا؛ بسبب تضييقها على الهجرة.

اقرأ ايضا: طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية (4)

[شرح 2:أرغون: معناها المنظمة العسكرية القومية national military organization وفي العبرية irgun zvai leumi وتسمى اختصارا (اتسل) izl : يعود تأسيسها الى عام 1937 بعد مرور عام على الثورة الفلسطينية الكبرى، حيث قال جابوتنسكي: «أن اليهود لن يحصلوا أبدًا على دولة في فلسطين ما لم يكونوا مستعدين للقتال من أجلها»، وحقق دعوته هذه، حيث قام في النصف الثاني من عام 1937 بانشاء الأرغون، واضعًا عام 1938 مشروعًا خاصًا لمواجهة تقسيم فلسطين، ويقوم ذلك المشروع على ترحيل مليون ونصف المليون يهودي إلى فلسطين خلال عشر سنوات وتنفيذًا لهذه قام الهستدروت بتزويد منظمة الأرغون بالمال والسلاح من أجل جلب أعداد كبيرة من اليهود الأوربيين سراً الى فلسطين].

نتيجة لأهمية القوة في الفكر الفاشي الصهيوني، كان لا بد لأدوات القوة أن تحتل مكانة رئيسية في تفكير الساسة وفي المجتمع، فصار الجيش قدس أقداس إسرائيل، وأيقونتها التي لا تخترق، وصارت العسكرية الأمنية هاجسًا دائمًا للسياسي والمثقف ورجل الشارع. وقد اعتبر بن غوريون المهمة الأساسية للجيش هي حماية الدولة، ولكن تلك لم تكن المهمة الوحيدة، إذ على الجيش أن يكون مركز تعليم للشباب "الإسرائيلي"، سواء منهم المولودون داخل "إسرائيل" أو القادمون الجدد؛ إذ من واجب «الجيش تثقيف جيل رائد؛ جسمًا وعقلًا، شجاعًا، مخلصًا وقادرًا على توحيد القبائل المبعثرة ويهود المهجر ليجهز هذا الجيش نفسه لتحقيق المهام التاريخية لدولة إسرائيل من خلال تحقيق الذات»(8). وأوضح ديفيد بن غوريون، وفقًا لمفهومه عن الدولة: "الشعب محمي من قبل جيش الشعب، يجب تطبيق التجنيد الإجباري على كل شيء، للجيش أدوار اجتماعية وتعليمية وشريك رئيسي في عملية بناء الدولة"(9). وعلاقة الجيش "الإسرائيلي" بالمجتمع نابعة من أنه يستمد أيدلوجيته منه و يستجر قواه البشرية، ولكنها (المؤسسة العسكرية) لا تلبث أن تعيد إليه تلك الأيدلوجية بعد إعادة صياغتها بصورة خالصة في عملية ترتيب وتدريب وتعليم هدفها خلق (صهيوني) من طراز جديد يتناسب مع هذه الأيدلوجيا النقية التي أعادت المؤسسة العسكرية صياغتها(10).ومن العوامل المساعدة في بروز تأثر المؤسسة العسكرية:

اقرأ ايضا: طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية (5)

- طبيعة المهمة الملقاة على عاتقها وهي الدفاع والأمن التي يتعلق بها حاضر ومستقبل "إسرائيل" كوجود سياسي وبشري، وهكذا فالمجتمع تعامل مع المؤسسة العسكرية بصفتها الضامن الوحيد لوجوده.

- الاندماج حد التطابق بين أيدلوجية المؤسسة العسكرية مع أيدلوجية الدولة والأحزاب السياسية والتنظيمات، وبحكم قيام الأيدلوجية الصهيونية على مبدأ القوة فإن المؤسسة العسكرية هي الأكثر تعبيرًا عن هذه الأيدلوجية.

اقرأ ايضا: طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية (6)

- بحكم طبيعة مهماتها حازت المؤسسة العسكرية على دعم مادي بشري كبيرين وهي تحظى بأعلى نسب إنفاق من الناتج القومي.

وتتبدى أهمية وخطورة الجانب الأيدلوجي في أن ما لا يقل عن 90% من الذكور و70% من الإناث يلتحقون بالخدمة العسكرية لفترة تتراوح بين 24-36 شهرًا، إضافة إلى خدمة الاحتياط التي تتجدد سنويًا حتى سن 55 عامًا، ويتبدى حجم التأثير الحقيقي للمؤسسة العسكرية في أجهزة البنيان السياسي للسلطة عبر قناتين:

  1. تشارك المؤسسة العسكرية في رسم السياسات الراهنة والمستقبيلة المتعلقة بموضوعي الأمن والدفاع، وكلاهما موضوع أساسي في "إسرائيل"، وكل القضايا الأخرى تخضع بصورة كلية تقريبًا لضرورات هذين الموضوعين على النحو الذي تقرره المؤسسة العسكرية.
  2. تظهر القناة الثانية في كون قادة المؤسسة العسكرية يلعبون دورًا بارزًا في قرارات المجلس الوزاري المصغر (الحكومة الأمنية)؛ سواء من خلال عضوية وزير الأمن أو مشاركة رئيس الأركان وقادة الأسلحة والأجهزة بصفة استشارية.

يصف كلود كلين أستاذ القانون(11) الجيش بأنه «مدرستنا الوطنية للإرادة، فالجيش فعلًا هو أكبر مزود لرجال السياسة» فعندما يغادر الضباط زيهم العسكري إلى وظائف مدنية برواتب مجزية تخصص لهم الشركات الوطنية التابعة للدولة أو المختلطة؛ إذ أن شركات المياه والهاتف والكهرباء واستيراد البترول والأسلحة  يسيرها متقاعدون من الجيش، والجيش باعتباره مصعدًا اجتماعيًا حقيقيًا لكثير من "الإسرائيليين"(12). وهكذا لعب الجيش دائمًا دورًا سياسيًا هامًا في "إسرائيل"(13)؛ أحد هذه الأدوار باسم الجيش نفسه، والثاني من خلال الضباط الكبار الذين يعاد تدويرهم مرة أخرى كسياسيين، ونادرًا ما تخلوا المقاعد العشرة المضمونة في الكنيست للأحزاب الرئيسية من جنرالات سابقين لعبوا أدوارًا عسكرية أساسية.

ولعل تفسير النفوذ المتزايد للعسكريين يمر بأسئلة مطروحة بألسنة "اسرائيلية"(14)، كيف يمكن الابقاء والمحافظة على مجتمع (ديمقراطي) في ظل وضع يتمتع فيه الجيش الذي يعتبر بطبيعته وحسب تعريفه جهاز غير ديمقراطي، بمثل هذه المكانة الرفيعة؟ وثم كيف يجب التعامل مع شخص انتقل من المستوى العسكري إلى المستوى المدني؟ وهي حالة رائجة في "إسرائيل"، ارتباطًا بالقول بأن التجربة هي التي تصنع الإنسان وتصوغه، ومن هنا فإن الإنسان العسكري يبقى حتى بعد انتقاله إلى المستوى المدني، عسكريًا في توجهه، بما يفسر بأن الانتقال المستمر والواسع النطاق لكبار الضباط إلى مواقع القيادة السياسية، إنما يدل على عملية عسكرة المجتمع والسياسة في "اسرائيل".

لعل تفسير ذلك يكمن في الضعف النسبي للمؤسسات المدنية في "إسرائيل"، وهو ضعف يترك فراغًا في الساحة يشجع المستوى العسكري على التحرك لملئه. إن تفسيرًا قاصرًا، قد يقترح أن المشكلة يكمن حلها في تقوية وتعزيز المؤسسات والهيئات المدنية، وهو تفسير قاصر لأنه يتجاهل طبيعة النشأة والمبنى للكيان الصهيوني القائم برمته على نظرية العنف المقدس وأولوية السلاح.

ورغم قصور التفسير أعلاه، فإنه لا يمكن انكار أن الهيئات المدنية ضعيفة بالفعل، وذلك لعدم وجود هيئة مدنية قادرة على تنفيذ مهام تحليل الواقع وبلورة وتنفيذ السياسة، مما يترك هذه المهمة للجيش، وكمثال على ذلك ما تسرب من مداولات المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) قبل انسحاب الجيش "الاسرائيلي" من لبنان عام 2000، حيث تردد حديث مفاده أن: «الجيش يسعى إلى بث الخوف بيننا»، أي أن الجيش مارس التخويف والترهيب على المجلس في تحليل الواقع، ففي ظل عجز الهيئة المدنية عن أخذ دورها لا عجب إذًا في وجود عسكريين ضمن أطقم رسم السياسة وتنفيذها.

وأكد المحلل رؤوبين بدهتسور(15) أن «السياسيين مأمورين من قبل الجنرالات» والحكومة والكنيست لا يتدخلان عادة في عمل جهاز الأمن الذي يحظى حسب أنطوان شلحت(16) بأتونوميا مطلقة (حكم ذاتي) في بلورة السياسة؛ بدءًا بمواضيع مثل حجم وتركيبة ميزانية الأمن وانتهاءً حتى بتخطيط الحروب. وقد اعترف مبكرًا موشيه شاريت رئيس الحكومة سابقًا: «يحصل أشياء (في مجال الأمن) لا تنمو إلى علمي، أسمع بيانات في صوت إسرائيل وأقرأ بعد ذلك في الصحف دون أن أعرف عن خلفيتها الحقيقية»، وإسرائيل خلافًا لكل الديمقراطيات الأخرى (التي تزعم الانتماء إليها)، تتميز بالغياب المطلق تقريبًا للرقابة البرلمانية على جهاز الأمن. لا توجد دولة ديمقراطية أخرى في العالم تعمل فيها المؤسسة العسكرية - الأمنية بصورة ذاتية كاملة من دون أن تكون هناك محاولة حقيقية ولو شكلية لمراقبة ما يحدث فيها.

الأتونوميا المذكورة أعلاه؛ حدت من قدرة الإدارة المدنية على اتخاذ قرارات مستقلة عن الجيش في أغلبية ساحقة من المواقف التي تطلبت رسم سياسات. وقد سجل التاريخ أربع حالات فقط بلور فيها رئيس الحكومة الإسرائيلية سياسات لم يقترحها الجيش وكان يعارضها(شرح3).

[شرح3: في عام 1977 عندما قرر بيغن توقيع اتفاق سلام مع مصر، ثم الانسحاب من سيناء؛ عارض ذلك قادة الجيش، وفي عام 1993 عارض الجيش قرار اسحق رابين تبني اتفاقيات أوسلو. كما أن ايهود باراك عام 2000 سحب الجيش الإسرائيلي من لبنان على الرغم من المعارضة الصاخبة والعلنية من قبل قادة الجيش وعلى رأسهم موفاز، وفي عام 2005 قرر شارون تنفيذ خطة الانفصال والخروج من غزة على الرغم من أن رئيس هيئة الأركان العامة موشيه يعالون وكبار قادة الجيش عارضوا الخطة].

وباستثناء هذه الحالات، فإن قرارات الحكومة المتعلقة بمجال الأمن كانت مستندة دائمًا إلى الاقتراحات التي عرضها الجيش على طاولة رئيس الحكومة(17)، معلقًا على هذا النفوذ وتحذيرًا من خطورته يقتبس بدهتسور(18) عن يغئال آلون -أحد السياسيين القلائل الذين حاولوا أن يواجهوا مشاكل الأمن ليس بوسائل عسكرية فقط- أقوالًا نطق بها في الستينيات وجاء فيها: «ضرورة الدفاع عن البلاد أمام العدوان، المصادمات العسكرية على الحدود، المنجزات العسكرية، والتدريبات الجماهيرية، الاستعراضات في ساحات المدن، كل هذه الأمور تخلق جوًا يحمل في أحشائه أخطارًا اجتماعية وأخلاقية شديدة؛ خطر تفشي العسكرة الشوفينية والفظة هو خطر عيني في "إسرائيل".. إنه خطر تمدد المغامرات حيال الخارج وسيطرة الاتجاهات المعادية للديمقراطية حيال الداخل، كينونة السلاح تحمل معها خطر فقدان قيم اجتماعية وأخلاقية وثقافية إلى درجة طمس شخصية الشعب كمجتمع متنور.. هذه الأشياء تناسب جميع المواطنين والشبان، مثلهم مثل أفراد الجيش الذين من شأنهم أن يتعطروا من مجرد سحر لمس السلاح».

ويناقش ميخائيل وارشوفسكي(19) فرضيًا، وجود تيار يميني متطرف ومنظم داخل الجيش وداخل أجهزة الأمن المتنوعة يعارض عملية السلام ويقوم بمبادرات لتخريبها، وهكذا فالجيش يشكل حاضنة ملائمة لتيار يميني قوي تمثل في قائمة طويلة من الجنرالات وصل كثير منهم إلى مناصب وزير ورئيس حكومة ويؤكد وارشوفسكي أنه منذ 1996 وما بعدها أصبح الجيش سلطة فريدة في حقوقها الخاصة وعلاقتها بالحكومة، وقد اعترف بيرس بسيادتها الخاصة ودعمها نتنياهو وباراك الذي جعل الجيش حزبه السياسي الحقيقي، وكذلك (أبو الجنود) شارون.

القناة الثانية المذكورة أعلاه، تتبدى في أن كبار الضباط يحضرون اجتماع الوزارة والاستخبارات العسكرية؛ تلفق المعلومات ويبرر الجيش المبادرات السياسية والعسكرية ويكتب النصوص، وكان موشيه يعالون الجنرال السابق وأبرز مرشحي العمل في انتخابات 2006 أول من أطلق صفة منظمة إرهابية على السلطة الفلسطينية وقدم (الدليل) ووضع السيناريو الذي تم تنفيذه منذ عام 2000 لتدميرها. ويلاحظ المراقب اقتران معظم التقديرات التي تصدر عن شخصيات الجيش برؤية أصحابها السياسية؛ تسييس الجيش، أو عسكرة السياسة، جاء نتيجة طبيعية للرؤية الاسرائيلية العامة كما ذكرنا في تحديد أولويات الاستراتيجية، ولما كان الأمن هو الوسيلة وهو الهدف فمن الطبيعي أن يلعب رجال الأمن دورًا سياسيًا بارزًا.

ومن نماذج تدخل الجيش(20) إصدار كتاب (أبيض) ضد الرئيس عرفات وقادة السلطة الفلسطينية يتحدث عن الفساد وعن دور السلطة في التحريض ضد "إسرائيل" وعن العمليات الفلسطينية وغيرها، كما قام الجيش بترويج قاموس (مصطلحات) بين أوساط الدعاية في "إسرائيل" ومن المصطلحات القديمة التي استبدلت بجديدة، مصطلح (الانتفاضة) الذي استبدل بـ (مواجهة مسلحة) وكلمة (إغلاق) أصبحت ( منع الدخول إلى إسرائيل) و( إطلاق نار ردعي) مقابل (إطلاق نار تحذيري ) و (عمليات انتقام وعقاب) أصبحت (خطوات أمنية) و (التصفية) بـ (عمليات إحباط موضعية).. الخ.

أيضًا أشارت الكاتبة الصحفية ياعيل باز ملميد(21) إن رئيس هيئة الأركان فضل شارون على باراك، وأنه كشف عن مواقفه السياسية بصورة مخالفة للعادة والعرف السائد في الجيش في مقابلة تلفزيونية، حيث تحدث عن أنه يعمل بصورة أفضل في «مكافحة الإرهاب» في عهد شارون أكثر مما كان في حكومات سابقة، لأنه لا توجد مفاوضات، وتضيف ملميد بأنه حين يصف رئيس هيئة الأركان السلطة الفلسطينية، بأنها كيان إرهابي فهذا تصريح سياسي ينطوي على أبعاد عملية، وكذلك فإن موقفه من تقديرات باراك بشأن احتمال حدوث حرب شاملة واتهامه إياها (التقديرات)، بأنها جاءت نتيجة لخدمة اعتبارات انتخابية، يعبر عن موقف سياسي وحزبي.

وحول انشغال الجيش بالسياسة كتب المستشرق غابي بيخور(22) أنه: «يوميًا نقرأ في الصحف عن تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش حول مكانة عرفات كشريك وبشأن جدوى أو عدم جدوى استمرار المفاوضات معه بشأن ضرب أو الامتناع عن ضرب السلطة الفلسطينية». يقول ايتان هابر – مدير مكتب رابين-(23) يتضح أكثر فأكثر أن التقديرات والمواد الاستخبارية للجيش الإسرائيلي هي المستند للقيادة السياسية ووفقًا لها تقدم كل القرارات للقيادات المدنية، وتكاد تكون هيئة الأركان قد سيطرت على الحكومة ومندوبوها يوجهون الصحافة ويظهرون كل مساء أمام عدسات التلفاز وكأنهم انتخبوا من شعب إسرائيل». ومنذ 1996 بشكل خاص أصبح الضباط يطلقون تصريحات سياسية وينذرون الحكومة ويعتبرونها غير حازمة ويخاطبون الرأي العام مباشرة، وهذا يحدث بالاتفاق مع القيادة السياسية المنتخبة.

وقد اعترف جلعاد شير أحد أبرز المفاوضين مع الجانب الفلسطيني في كتابه عن المفاوضات(24) أن: «تعليمات السلطة المدنية بخفض التوتر كانت تبقى حبرًا على ورق؛ فالدبابات لا تعود إلى مواقع انطلاقها ولا يسمح للعمال الفلسطينيين بالدخول إلى إسرائيل، إلا بأعداد ضئيلة ولا ترفع الحواجز عن الطرق». ويشير شير إلى نزعة بعض القيادات العسكرية لاتخاذ مواقف عملية يتوجهون بها إلى الرأي العام من فوق كتف الحكومة المنتخبة، ولكن عدم اتخاذ أي إجراءات قانونية ضد هؤلاء القادة يثبت ما ذكرنا سابقًا أن ذلك يحدث بلا اتفاق مع الحكومة وبرضاها.

إن ما سبق ينسجم تمامًا مع رؤية موشيه دايان على سبيل المثال، وهو وزير الدفاع لفترة طويلة والقائد العسكري الأبرز في إسرائيل الذي يعتبر أن: «ليس لإسرائيل سياسة خارجية دائما سياسة (دفاعية فقط) بينما يرى إيغال يادين ثاني قائد أركان للجيش بعد قيام الدولة (1949-1952) إنه ليس في إسرائيل مدنيون؛ فالمواطن الإسرائيلي هو جندي في إجازة لمدة أحد عشر شهرًا ويعلق إسرائيل شاحاك بالقول: «إن إسرائيل ليست دولة لها جيش وإنما جيش له دولة»(25). وهكذا تتبرر السياسة المتواصلة التي مارستها المحكمة العليا طوال سنوات وهي الامتناع عن التدخل في اعتبارات المستوى الأمني الذي يقدم النصيحة لرئيس الحكومة، وقد امتنعت أيضًا عن الاصطدام برأي هذا المستوى (الأمني) وتوصيته. وبالتالي امتنعت عن أن تطلب من خارج المؤسسة الأمنية رأيًا شخصيًا آخر؛ مجردًا من المصالح والمكانة الرسمية(26).

في دراسة بعنوان التنظيم العسكري للمجتمع يحدد ستنسلاف أندرسكي أربعة أنماط مختلفة لتسلط العسكرية وإثارة المجتمع وإعداده للحرب (أندريسكي) ولدى التفحص الدقيق للحالة الإسرائيلية نجد تحقق الشروط الأربعة الواردة في الدراسة، وهناك ما يكفي من المؤشرات التي تثبت صحة ما نذهب إليه، حيث جاء معظم رؤساء الوزراء من المؤسسة العسكرية وكذلك عدد من وزراء الخارجية والدفاع وكثير من الوزراء الرئيسيين(27). لا يقتصر الأمر على ذلك، بل أن الأحزاب السياسية اصطبغت بسمة عسكرية واضحة عندما وصل الجنرالات إلى قيادة الأحزاب والأمثلة واضحة من خلال العقدين الأخيرين  من رابين إلى شارون إلى براك وبيريز وبن إليعازر ومتسناع. كذلك أسس بعض الجنرالات أحزابهم الخاصة؛ فالجنرال دايان كان أحد ثلاثة من مؤسسي حزب رافي عام 1965 وشارون قبل وصوله إلى قيادة الليكود بزمن طويل خاض انتخابات 1977 بوصفه مرشح حزبه الذي أسس حينها (سلام صهيون) وفي الانتخابات نفسها وصل مجموعة من الضباط يقودهم إيغال يادين وحصلوا على 12 مقعدًا لصالح (الحركة الديمقراطية من أجل التغيير).

وكذلك عام 1984 أسس عيزر وايزمان ورفائيل ايتان حزبيهما الخاصين (آحاد) و (تسوميت) كما شكل الجنرال السابق ماتتياهو بيليد (القائمة التقدمية من أجل السلام)(28). وطبعًا جميع الأحزاب الصهيونية وقف على رأسها جنرالات في وقت من الأوقات، وكان ضمن حكوماتها جنرالات دائمًا، سواء الليكود أو العمل، وصولًا إلى قيام جنرالات بتشكيل أحزابهم الخاصة. ومن بين الجنرالات المتقاعدين أيضًا ينتقل الكثيرون إلى وظائف رئيسية في الشركات العامة، وأصبح آخرون عمداء كليات وأساتذة جامعيين ومحافظين(29). وحتى زمن قريب لم يكن أحد ليتجرأ على نقد الجيش أو توجيه أصابع الاتهام إليه لدرجة أن هبوط مستوى الثقة بالجيش في مؤشر الديمقراطية؛ يستدعي اضطرابًا ونقاشات واسعة كما حصل مؤخرًا، في المؤشر الأخير الصادر عن معهد الديمقراطية للعام 2020، وتعود المنزلة العالية التي يحتلها إلى أربع نقاط أساسية (30):

  1. العامل الديني باعتبار الحرب عمل مقدس، واحتلال القوة العسكرية منزلة عليا كما سبق وبينا.
  2. النشأة الشاذة للكيان الصهيوني التي تجعل الأمن في رأس جدول أولويات الدولة ومسألة الأداة العسكرية غاية في الأهمية.
  3. الدور الذي يتحمله الجيش في تحقيق الأمن والدفاع عن الاستيطان.
  4. اتساع دور الجيش في المجتمع بشكل كبير.

وتبدو النقطة الأخيرة متبلورة في المجالات التي سيطر عليها الجيش في المجتمعى(31)، حيث يشرف على قوة العمل البشري لأنها نفسها جيش الاحتياط، كما يشرف على المستوطنات الزراعية؛ بسبب احتلالها مكانة دفاعية، وكذلك على الصناعة، حيث هناك 120 ألف "إسرائيلي" يعملون في الصناعة الحربية الرسمية أو الخاصة أو الشركات الصغيرة المساندة لهذه الصناعة، ويشكلون ما يزيد عن 40% من مجمل قوة العمل الصناعية (32)، ولا شك أن صناعة السلاح هي أكبر مشروع منفرد في البلاد. ويعطي حجم الإنفاق دليلًا إضافيًا على أهمية الجيش، حيث اعتبارًا من السبعينيات شرعت "إسرائيل" في زيادة معدلات الإنفاق الحربي بالنسبة للدخل القومي، حيث تجاوز 43.3% مقارنة بـ5.5% لفرنسا و 8.3% للولايات المتحدة وشكلت صادرات السلاح والصناعة العسكرية نسبة 16% من مجمل صادرات إسرائيل قياسا بـ 4-5% لفرنسا و4.5% للولايات المتحدة و 2.5% لبريطانيا(33). ومؤخرًا، تم تصنيف الكيان الصهيوني باعتباره الأول في مؤشر العسكرة على مستوى العالم؛ مؤشر العسكرة العالمي (GMI) التابع لـ BICC مركز بون الدولي للحوار، والذي يهتم بشبكة واسعة من الموضوعات في قضايا السلام والعنف والتسلح والحرو، حيث يحتفظ الكيان بـ 169500 جندي عامل، و 465000 جندي احتياط، وهو جيش كبير نسبيًا أنفق عليه أكثر من 20 مليار دولار عام 2019، دون احتساب الزيادات غير العادية في العام 2020؛ بسبب عدم وجود ميزانية في الكيان، وأيضًا بسبب إخفائه للمعلومات، ما يعني أن الكيان ينفق بنسبة 5.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. مع استمرار الاستثمارات الكبيرة في الجيش وأيضًا مع الاختلاط الفعلي بين قطاعات عسكرية ومدنية بسبب طبيعة الكيان. في سياق مواز ومكمل، يواصل الكيان الصهيوني اعتبارًا من عام 2018 احتلال المركز الثامن على مستوى العالم كمصدر للسلاح، رغم أنها تحتل المرتبة الأولى مقارنة بعدد السكان(34).

إضافة لذلك يشرف الجيش على قطاع المواصلات؛ بسبب ضيق المساحة مما يفرض تحكمًا بالممرات البرية والجوية والبحرية، وكذلك الإشراف على التعليم وعلى الصحافة، حيث هناك رقيب عسكري في مكاتب كل صحيفة، ويتولى الجيش المسؤولية عن حكم الأقلية العربية خارج المدن.

وتضطلع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بدورها في المجتمع عبر عدة وسائل أهمها الخدمة العسكرية والتربية والتعليم ومنظمات الشباب والتحشيد الذهني والتعبئة العسكرية لعموم المجتمع، وتقوم الخدمة العسكرية على أساس نظام وضعه يغال يادين رئيس الأركان العامة في عهد بن غوريون المعين في 19/11/1949، وكانت المشكلة التي واجهها في إعادة تنظيم الجيش هي مشكلة نقص القوى البشرية النسبي، ثم توصل إلى فكرة (الجيش الدائم الصغير والجيش الاحتياطي الكبير) هذا النظام أصبح من المعالم المهمة التي تميز الخدمة العسكرية الإسرائيلية(35). وبموجب قانون (خدمة الأمن القومي) الصادر في 1959 والمعدل، يخضع بموجبه للخدمة العسكرية جميع الإسرائيليين من الرجال والنساء اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 18 -38 عاما(36). والجيش هو منظمة صهيونية لم يكن يسمح للعرب في الخدمة فيها، وقد سمح للدروز الخدمة في أسلحة معينة منذ عام 1956 (37). ومنذ سنوات تسعى المؤسسة الصهيونية لإجبار العرب على القبةب بالخدمة العسكرية وسط حالة رفض جماهيرية عامة، مع استثناءات قليلة، وتتخذ الخدمة في الجيش ستة أشكال:

  1. الخدمة الدائمة: بموجب نظام الخدمة لعام 1955 تقوم على أساس التطوع في الجيش.
  2. الخدمة الإلزامية: تشمل اليهود والدروز فقط، والذكور والإناث معًا، وتفرض على جميع الذكور ما بين 18-29 عامًا، والإناث من 18 -26 سنة، وحصلت بعض التغييرات على المدة ، ويحافظ التجنيد على وضع شبه عسكري بعد إنهاء الخدمة حيث يحتفظ بلباس عسكري كامل لارتدائه عند العودة للخدمة (38).
  3. خدمة الاحتياط: وهو أم مميزات نظام الخدمة العسكرية واقتبسته "إسرائيل" عن سويسرا عندما قام يادين بزيارتها عام 1949(39). وهذا النمط يبدأ بعد انتهاء الخدمة الإلزامية، حيث يتم تحويل المجندين إلى خدمة الاحتياط التي يتم تنظيمها على أساس إقليمي-جغرافي لتسهيل عملية التعبئة، ويتم استدعاء جنود الاحتياط وضباطه بشكل دوري بعد تسريحهم لمدة تدريب تهدف إلى المحافظة على لياقتهم وكفاءتهم وتدريبهم على الأسلحة والتكتيكات الجديدة، وبفضل نظام التعبئة تمكنت "إسرائيل" عام 1967 من تعبئة 11% من سكانها اليهود كمقاتلين، وهي أعلى نسبة في العالم وتجاوز النسبة التي بلغها الرايخ الثالث أيام هتلر في الحرب العالمية الثانية(40). وقد وصف يادين قوات الاحتياط التي تضم كافة القادرين على حمل السلاح بقوله: «إن كل مواطن هو جندي يمنح إجازة قدرها أحد عشر شهرًا في العام، أما الشهر الثاني عشر فهو مخصص للتدريب»(41)، مما يعني عسكرة المجتمع بالكامل وهي مقتبسة أصلًا من المفهوم النازي الذي يتحدث عن المواطن بالزي العسكري، إلا أن الإسرائيليين حولوا الفرد إلى مقاتل مدى الحياة وتحول المجتمع إلى عسكري بالمعنى المجرد والواقعي معًا(42).
  4. خدمة الناحال: وهي منظمة شبه عسكرية شبابية تابعة للجيش ولها لواء خاص في صفوفه.
  5. الدفاع الإقليمي والمدني: يعتمد هذا النظام على المستوطنات المقامة على الحدود وهي مستوطنات محصنة ومزودة بالأسلحة المناسبة وتكون عادة ذات اكتفاء ذاتي من الناحية القتالية والإدارية، ويؤدي الدفاع الإقليمي دورًا بارزًا في أمن الكيان نظرًا لضيق العمق الجغرافي، ويشترك جميع سكان المستوطنة من 15- 55 سنة في العمل العسكري عند التعرض للهجوم، وترتبط كل مجموعة مستوطنات بقطاع دفاعي واحد. أما خدمة الدفاع المدني فيؤديها الأفراد ضمن خدمتهم الاحتياطية من عمر (45-49) عامًا، وتشمل حراسة المنشآت العامة ومكافحة الحرائق وغيرها (43). وتعد الخدمة العسكرية عاملًا في صهر المجتمع وقولبته، وتعتبر عاملُا موحدًا في المجتمع الصهيوني (44) وبلورة الذات الوطنية والحفاظ عليها.

ومن مؤشرات العسكرة الأخرى؛ إحالة الضباط الكبار على التقاعد في سن مبكرة ونقلهم إلى وظائف مدنية في الهستدروت أو الشركات الحكومية والمؤسسات التربوية والجامعات وحرص الجيش على تعيين الضباط في قطاعات معينة، يهدف لتوسيع التوجه العسكري لهذه القطاعات وجعلها أكثر قبولًا للانضباط والمثل والأهداف العسكرية، وتشير دراسات علم الاجتماع(45) إلى أن الضباط ينقلون أنماط السلوك والقواعد  والقيم التي اكتسبوها خلال خدمتهم إلى مناصبهم المدنية، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في إحدى المجلات أن آلون وهو من كبار الضباط السابقين أدار مجلس الوزراء كوحدة عسكرية عندما تسلم رئاسة الوزراء بالوكالة ما بين 26 شباط و17 آذار عام 1969 بعد وفاة ليفي أشكول(46).

  1. وأيضًا ما أورده ملحق هآرتس في 18 حزيران عام 1972 بقلم شلومو شابر حول الطريقة التي أدار بها الجنرال رابين السفارة الإسرائيلية في واشنطن (1968-1973)، حيث شبه الكاتب السفارة بوحدة قتال طال تمركزها على الجبهة، وقال: «إن آراء رابين في مؤهلات الدبلوماسي مستمدة من ماضيه العسكري»(47).

مؤشرات أخرى على العسكرة:

عسكرة الاقتصاد:

 بدأ مصطلح العسكرة militarization بالظهور في ألمانيا في عهد الإمبراطور غليوم، بدت العسكرة في ألمانيا كأنها مرتبطة بتحويل العلاقات والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية في وقت السلم إلى علاقات ومؤسسات ذات طبيعة عسكرية(48)، وينطبع الاقتصاد الإسرائيلي منذ نشأة الكيان بصبغة عسكرية، وهناك معيارين رئيسيين لعسكرة الاقتصاد في إسرائيل هما نسبة الإنفاق العسكري وحجم التصنيع العسكري، وقد سبق وتناولناهما بالتفصيل.

الدين والجيش:

مما يعزز التطرف الفاشي اليميني في الجيش الإسرائيلي تغلغل المتدينين فيه بشكل كبير، وثمة تيارين رئيسيين في إسرائيل للمتدينين: التيار الديني الأرثوذكسي وهو التيار الذي توصلت مرجعياته الروحية مع مؤسس الدولة بن غوريون إلى اتفاق يقضي بإعفاء المنتسبين إليه من طلاب المعاهد والمدارس الدينية من الخدمة العسكرية والتفرغ لدراسة الدين، ويشكل أعضاءه 18% من يهود إسرائيل.

التيار الثاني هو التيار الديني الصهيوني وهو اعتبر نفسه منذ البداية جزءًا لا يتجزأ من الدولة واعتبرت مرجعياته الروحية الخدمة في الجيش ليست مجرد واجب تقتضيه المواطنة، بل فريضة دينية يتوجب القيام بها على أكمل وجه، ويشكل أتباع هذا التيار 7-10% فقط وذراعهم السياسي هو حزب المفدال، وحتى أوائل الثمانينيات من القرن الماضي؛ ظلت نسبة المتدينين الصهاينة في الهيئات القيادية للجيش أقل من النسبة التي يمثلونها؛ من حيث تعداد السكان وظل الكيبوتسيون (قرى تعاونية) ينفردون بتبؤ المواقع القيادية في الجيش. ولكن منذ ذلك الحين حدث تغير دراماتيكي متلاحق، حيث قلت نسبة خريجي الكيبوتسات الملتحقين بالوحدات المختارة؛ بسبب تحلل الكثير من هؤلاء من الإيمان بواجب التضحية من أجل الدولة. وبالمقابل كانت توجيهات المرجعيات الدينية لأتباعها بأن عليهم الانخراط في الوحدات المختارة من أجل قيادة الجيش، وبالتالي التحكم بالمشروع الصهيوني(49). ما سهل ذلك هو «يشيفوت ههسدير» وهي معاهد دينية عسكرية يمولها الجيش وينضم إليها حصريًا أتباع التيار الديني الصهيوني بعد تخرجهم من الثانوية ويدير هذه المدارس الـ42 الحاخامات ويتم التشديد فيها على: «أن الخدمة العسكرية والروح القتالية هي مهمة جماعية يفرضها الدين بهدف قيادة المشروع الصهيوني»(50).

وشيئًا فشيئًا أصبح معظم قادة الوحدات المقاتلة هم من المتدينين(51) ومعظم القادة والمنتسبين إلى الوحدات المختارة مثل سرية وحدة الأركان ويجوز ودفيدفان، هم أيضًا من المتدينين ويحتكر هؤلاء الخدمة فيما يسمى (سرايا النخبة) التابعة لألوية المشاة، فمثلًا 60% من القادة والمنتسبين في سرية النخبة في لواء جفعاتي هم من المتدينين. وقد صرح الجنرال يهودا دوفيدينان الذي كان مسؤولًا عن قسم الشبيبة في وزارة الحرب بالقول: أن أتباع التيار الديني الصهيوني أصبحوا يشكلون العمود الفقري للجيش.

يتمثل خطر المتدينين في الجيش الصهيوني –كما في أي جيش في الحقيقة- في أنه في النظم الديمقراطية ينحصر دور العسكر في تنفيذ السياسات المقرة من الحكومات المنتخبة التي تفرزها الانتخابات ويعد عدم التزام العسكر بتعليمات الحكومة تقويضًا عمليًا للديمقراطية، وهنا يكمن الخطر في تبوء المتدينين للمواقع القيادية؛ فالقائد والجندي المتدينان في الجيش الإسرائيلي عندما يفرض عليه الاختيار بين أوامر عسكرية صادرة عن حكومته وتعليمات مرجعيته الروحية سيختار الأخيرة. كمثال على ذلك الجنرال يسرائيل فايس كبير حاخامات الجيش أعلن أنه يفضل خلع بزته العسكرية على تنفيذ أي أمر يصدر من قيادة الجيش يتعارض مع تعليمات الحاخام شابيرا (ثاني أهم مرجعية في التيار الديني الصهيوني)، وفي يشيفوت ههسدير يحرص الحاخامات على تذكير طلابهم أن لا مصدر أكثر قدسية من تعليمات التوراة والكتب المقدسة، وأن أي تعليمات تصدرها الدولة تفقد شرعيتها في حال تعارضت مع تعاليم الدين(52). وكذلك فإن جميع المرجعيات دعت أتباعها من القادة والجنود إلى رفض تعليمات قيادة الجيش بالمشاركة في تنفيذ فك الارتباط عام 2005، بل إن شابيرا دعا أتباعه للانشقاق عن الجيش، وقد تبين أن الذين منعوا الجيش من تنفيذ أوامر الحكومة في إخلاء بعض البؤر الاستيطانية في محيط نابلس عام 2005، هم جنود متدينون بناء على تعليمات مرجعياتهم الدينية، والحاخام دروكمان والذي هو أحد مدراء المدارس العسكرية الدينية دعا أتباعه من الجنود لإطلاق النار على الجيش (53).

وكما يتدخل الدين في الجيش وكما يفرض هذا الأخير سلطته على السياسة ويستولي عليها، فإنه لا يمتنع عن فرض هذه السلطة على باقي المؤسسات، وقد أشرنا إلى الاقتصاد في عدة مواقع، أما التعليم فهو أيضًا ضمن الخطة، وقد أعد سلاح التربية في الجيش الإسرائيلي منذ 2005 خطة مشتركة موسعة مع وزارة التربية سيتم بموجبها إلحاق ضباط بـ 74 مدرسة في المرحلة الأولى هم 250 مدرسة عام 2006، هؤلاء الضباط سيعملون كمحاضرين للتربية العسكرية والتمهيد للالتحاق بالجيش(54).

المراجع

  1. سحر العريفي، الإرهاب الاسرائيلي: التربية العسكرية نموذجًا. شؤون الأوسط 17(بيروت: شتاء 2005) ص 160
  2. مايكل جانسن. التنافر في صهيون: هل يمكن أن يقوم سلام في الشرق الأوسط. ترجمة كمال السيد. ط1(بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1988)، ص 55
  3. نعوم تشومسكي. الغزو مستمر. ترجمة مي النبهان. ط2(دمشق: دار المدى 1999)، ص 17
  4. نفس المرجع.
  5. ابراهيم حمزة الدليمي، دوافع وآثار عسكرة المجتمع في الكيان الصهيوني (بغداد: بيت الحكمة، 2002)، ص 22
  6. العنصرية الإسرائيلية مصدر للحرب الدائمة بالشرق الأوسط. في: البيان عدد 5 سبتمبر 2003.
  7. روجيه ديلورم، اني أتهم، ترجمة: نخلة كلاس، (دمشق: دار جرمق للطباعة والنشر، آب 1980) ص39
  8. عاموس بيرلمووتر، العسكريون والسياسة في إسرائيل، ترجمة مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية (دمشق: مؤسسة الأرض، 1975 ) ص 83-84.
  9. باروخ نيفو ويائيل شور كل الشعب جيش. خدمة الاحتياط في إسرائيل (نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية(، 2002 ، ص 10
  10. فايز سارة، المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي، شؤون فلسطينية عدد 223-224، تشرين أول وثاني 1991، ص 69.
  11. آلان مينارغ، جدار شارون، ترجمة محمد أحمد صبح، ط1 (دمشق: كنعان للدراسات والنشر، 2005) ص128
  12. المرجع السابق، ص127
  13. ميخائيل وارشوفسكي، ديمقراطية اسرائيل، في: رؤية أخرى العدد 36/37(القدس-بيت لحم: مركز المعلومات البديلة، صيف 2005)
  14. أوراق اسرائيلية -2004-عدد24 (الجيش يحتكر تفسير الواقع) اصدار المركز الفسطيني للدراسات الاسرائيلية-مدار- رام الله)
  15. هآرتس 28 تموز 2006
  16. أنطوان شلحت. حول التداعيات السياسية للحرب على لبنان-الحلقة الثانية. المشهد الاسرائيلي 28/9/2006
  17. المرجع السابق
  18. هآرتس 28/تموز/2006
  19. وارشوفسكي. مرجع سابق
  20. صالح عبد الله سرية، تعليم العرب في اسرائيل (بيروت: مركز الأبحاث الفلسطينية، 1974) ص30
  21. داني بن سمحون، من وثيقة حزب دعم: موقف الهستدروت من العمال العرب.  www.rezgar.com
  22. صالح عبد الله سرية، مرجع سابق.
  23. المرجع السابق
  24. ماريوس شاتنر، كيف مهد الجيش الاسرائيلي للإنتفاضة، لوموند ديبلوماتيك. تشرين أول/أكتوبر/2002
  25. هآرتس 14/5/1996
  26. المرجع السابق
  27. جانسن، مرجع سابق، ص 94
  28. المرجع السابق
  29. المرجع السابق، ص 95
  30. الدليمي، مرجع سابق، ص 177- 181
  31. الدليمي، مرجع سابق، ص 183
  32. بشارة بجج. اسرائيل وأمريكا اللاتينية: البعد العسكري (قبرص: مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1987)، ص 7-8
  33. المرجع السابق
  34. الكيان: الأول في مؤشر العسكرة والثامن في تصدير السلاح عالميا، تقرير. بوبة الهدف 9 كانون أول 2020: https://hadfnews.ps/post/75693/
  35. الدليمي، مرجع سابق، ص189
  36. عبد الوهاب المسيري. موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية. (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. القاهرة. 1974)، ص 157
  37. المرجع السابق
  38. الدليمي، مرجع سابق، ص 191
  39. الدليمي مرجع سابق، ص192
  40. الدليمي، مرجع سابق، ص194
  41. المرجع السابق
  42. هيثم الكيلاني، المذهب العسكري الاسرائيلي، (بيروت: مركز الأبحاث في م.ت.ف، 1969) ص 178-179
  43. المرجع السابق، ص 120
  44. الدليمي، مرجع سابق، ص196
  45. المرجع السابق، ص 200
  46. المرجع السابق
  47. المرجع السابق، ص 201
  48. احسان كيالي. العنصرية والفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ط1(دمشق: 1987)، ص68-69
  49. صالح محمد النعامي، الجيش الاسرائيلي في قبضة المتدينين، الجزيرة نت، المعرفة، تحليلات 2005
  50. المرجع السابق
  51. أنطوان شلحت، كل شيء مباح- كل شيء ممكن، في: www.arabs48.com   25/3/2006.
  52. لمزيد من التحليل حول مسألة تديين الجيش راجع: أحمد مصطفى جابر. تديين الجيش الإسرائيلي في إطار التأثر والتأثير متعدد المجالات. بوابة الهدف. 10 آذار/ مارس 2018. https://hadfnews.ps/post/39013
  53. صالح النعامي، مرجع سابق
  54. يديعوت أحرونوت. 30/5/1976