Menu

لا يوجد اعتقال سياسي.. ونحن نطير بأجنحة

بوابة الهدف الإخبارية

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

من المفهوم أن السياسة تذهب أحيانًا بأهل السلطة والحكم والنفوذ لكثير من الموبقات، ليس أقذرها الكذب اليومي على الجمهور، باسم صناعة الرأي العام والتأثير فيه أو الحرب الإعلامية ضد الخصوم، ولكن في فلسطين هناك من يظن أن الرأي العام بحد ذاته هو الخصم، ويذهب لشراء عداوته بأي ثمن.

الاعتقال السياسي واقع قائم في فلسطين، والأسوأ أنه غالبًا ما يكون اعتقال أمني في جانبه الأكثر سوادًا، أي أن أجهزة أمن السلطة الفلسطينية تعتقل فلسطينيين بسبب مقاومتهم للاحتلال أو في إطار تبنيها لمعايير أمنية يفرضها العدو والاتفاقات الأمنية معه، والتبريرات المعتادة لهذه الاعتقالات يمكن سردها ترتيبًا؛ ابتداء بالمسوغات الأكثر جهلًا وتجاهلًا لعقل الجمهور، على شاكلة ترداد نصوص قانونية عن تقويض السلم الأهلي والأمن القومي والمصالح الوطنية العليا والاستقرار الكوني، وليس انتهاء بالحيلة المعجزة "ليس لدينا معتقلين سياسيين"، وما يتبعها من إشارة لنوعية الاتهامات التي تسجن السلطة معتقليها السياسيين بذريعتها.

إن المطلب الوطني من السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية بسيط وعادل، بل وحسن النية تجاه هذه السلطة، وربما مجامل لها، ألا وهو إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف الاعتقال السياسي، وجميعنا يدرك أن إطلاق سراح المعتقلين اليوم أو وقف الاعتقال لأسبوع سيتبعه موجات وحملات اعتقال أكبر، لكن السلطة "أعظم" بكثير من أن تتنازل للكل الوطني أو أن تقبل التحايل المعتاد على عقولنا وقلوبنا بسياسة الباب الدوار، حيث خرج الناطق الجنرال ليخبر فلسطين التي خبرت مليون مليون جلاد وسجان وناطق، بأنه ليس لديه معتقلين سياسيين. حسنًا لدينا خيار هنا أن نصدق ذلك، وهذا طبعًا يشبه أن نصدق أن لنا أجنحة نطير بها، ونكذب كل تقرير حقوقي وكل صرخة ألم وكل تظاهرة احتجاج وكل جرح ولحظة عذاب في الزنازين أو أن يفعل به الشعب الفلسطيني ما اعتاده، بأن يحوله لمادة للسخرية، وأن يعاقب المنظومة السياسية التي تسمح له بترداد هذا الهراء أمام الجمهور، بمزيد من سحب الثقة ومزيد من الغضب والنفور ومزيد من الاحتجاج.

فلسطين ليست محطة وقود لقاعدة عسكرية أمريكية حتى يختفي فيها الناس؛ دون معرفة أهل البلاد بكل تفصيل قاد لاعتقالهم، وأيضًا هذه البلاد لا تقتصر على "السلطة الفلسطينية" وسجونها وقوانينها وأجهزة أمنها؛ فلسطين الكبيرة الواسعة في معاني وجودها وهويتها ونضالها وشعبها المُلّهِم لنضالات الشعوب في وجه القمع والاحتلال ومحاولات الإبادة أكبر بكثير من الأجسام والمؤسسات التي أنتجها؛ فما بالك بتلك التي فُرضت عليه!

حقًا يجب على كل زميل صحفي أن يذهب لمنزل السيد "الناطق" لسؤاله عمن ألهمه هذه الإجابة الرائعة، على مطلب جماهيري وطني عام؛ فما تفتق عنه فعلًا حيلة عبقرية، لم يسبقه إليها مليون قبله كان نصيبهم مثله، وأملنا أن تكون هذه المقابلات الصحفية بعد صدور قرار الإفراج عن المعتقلين السياسيين من أبناء شعبنا المناضلين والشرفاء والأذكياء الذين اختاروا درب النضال لا الدفاع عن القمع أو الخضوع له.

لأننا نريد الوحدة الوطنية في وجه العدو، ولأننا ندرك أن الأخطار مميتة، وأن المهمات التي وضعها شعبنا على الطاولة كبيرة، لا يجب أن نسمح أبدًا بتلفظ مثل هذه العبارات في وجه أبناء شعبنا؛ صحيح قد يكون شعبنا بعيد عن فرض سيادته المستحقة على قراره السياسي، ولكن على الأقل ما زال هذا الشعب يمكنه فرض احترامه على كل موظف لديه مهما علت رتبته.