فوق هذا اللحم، جلدٌ لبسَ الأرض، وغفل عن معنى الهوية. أفصحَ للتاريخ عن الحروب والنكبات والنكسات، ثم تسمّر عند الرواية. كيف تصبح جلادًا لنفسك باسم المعرفة؟ وكيف تقتلك فلسطين التي بداخلك في كل مرة أفصحتَ فيها عن اسمك لا غايتك؟
كم مرةً علينا أن نقع في احتلال أنفسنا؟ وكيف يتقاطع احتلال الأرض مع ما يحتلنا في داخلنا؟
من نحن؟ وماذا تعني فلسطيننا اليوم؟
إذا كانت الأرض رديف الهوية، فإن الهوية اليوم يُعاد تأطيرها وصياغتها وفق السياسات لا الحقيقة. أنا فلسطيني هناك، وغزّي في ذاكرةٍ طويلة، ولاجئ في واقع يومي؛ مهمَّش في أنحاء العالم بتاريخٍ محرَّف، وحقيقةٍ مقيَّدة، وحقوقٍ مؤجَّلة، وحياةٍ برسم الشروط. تعيش كإنسان عادي شريطة أن تتنازل عن تاريخٍ كُتب بالدم. يُصادَر صوتك وعقلك وحنينك الأول، وتبقى سجين عنوانٍ واحد: الأرض.
ربما نكتب عن فلسطين بوصفها وجعنا، نقصنا، خوفنا، وعنفوانا الكامن. من معرفتنا بالاحتلال—وكل معرفةٍ بانعدام الأرض— جهل كامل يدفعنا إلى خلق معرفةٍ بديلة لنستمر. فهل ينبغي أن نعيد تعريف الهوية وبناءها من جديد؟ وكيف نعيد قراءتها بينما يفرض الاستعمار الاستيطاني تكوينها اليوم بصورة مغايرة؟
هنا تصبح الذاكرة المرتبطة بالنكبة خطًا أساسياً في بناء الهوية الفلسطينية، ويغدو الماضي—ما قبل النكبة—عين الحاضر، لأن بدونه يتعرّض المستقبل لخطر المحو. نحن نتذكّر كي لا نُضيّع الإنسان الفلسطيني قبل كل أشكال الاستعمار. وتشير ليلى أبو لغد في Nakba: Palestine, 1948, and the Claims of Memory إلى أن تذكّر الماضي لدى الفلسطينيين فعلُ مقاومةٍ في الحاضر؛ فالذاكرة ليست استرجاعًا فحسب، بل ممارسة أخلاقية وسياسية في مواجهة المحو الثقافي.
غير أن الاستعمار، عبر التهجير والعنف منذ النكبة، لم يقتصر على اقتلاع الناس من أرضهم، بل فكّك العامل المكاني بوصفه مكوّنًا أصيلاً للهوية. ومع الشتات، صار العامل الزمني—الذاكرة—هو الحامل الأساسي، تُغذّيه حكايات من عاشوا الأرض. هكذا يغدو التاريخ الشفوي جزءًا من البنية الثقافية للفلسطيني في الشتات، لا ملحقًا بها. وهذا ما يلتقي مع طرح إدوارد سعيد في After the Last Sky: Palestinian Lives حول الهوية المشتتة، حيث تصبح الثقافة وطنًا بديلًا، وتغدو التفاصيل اليومية حدودًا رمزية لا يستطيع الاحتلال مصادرتها.
تتشعّب هذه التفاصيل عبر الذاكرة المحكية والرموز: الكوفية، المفتاح، غصن الزيتون، والتطريز الفلسطيني. ليست زينةً للهوية، بل بنيتها الحيّة. ويشير شريف كناعنة إلى أن الفلكلور بعد عام 1948 تحوّل إلى أداة جامعة، نقلت الهوية من بعدها المحلي (ابن قريةٍ بعينها) إلى هوية وطنية شاملة، تمنح الشعب المشتّت استمراريةً ومعنى، وتؤسس لشرعية تاريخية في مواجهة السرديات الإقصائية.
أما المخيم، فلم يبقَ مكانًا مؤقتًا، بل صار صورةً مكثّفة عن الوطن. مساحة ضيّقة تحاكي اتساع الفقد، وتذكّر كل يوم بأن وجودها مشروط بغياب الأصل. هناك يتشكّل المخيال، ويتكوّن الوعي بالمقاومة بوصفها ضرورةً لا خيارًا. وتبيّن Julie Peteet في Landscape of Hope and Despair: Palestinian Refugee Camps أن المخيم فضاءٌ يُعاد فيه إنتاج الهوية عبر تحويل الضيق إلى معنى، والحرمان إلى تمثيلٍ رمزي للوطن المفقود؛ حتى يغدو الجسد ذاته موقعًا للمقاومة.
لم تكن مصادرة الأرض الفعل الوحيد لسلخ الهوية، بل رافقها منهجٌ يعمل على إشاعة اليأس وتقويض القدرة على امتلاك الغد. فحين ينعدم الإطار المكاني، ويُدفع الإنسان إلى حياةٍ يومية مجرّدة من أبسط حقوقه، يفقد ثقته بالاستمرار، ويُدفع إلى الرضوخ لأدنى الشروط. الأخطر من فقدان الأرض هو فقدان الأمل والحلم بالمستقبل. يناقش غسان الحاج في أعماله حول الاستعمار الاستيطاني كيف تُستهدف قدرة الإنسان على تخيّل مستقبل ممكن؛ وحين تُقوَّض هذه القدرة، يصبح الخضوع نتيجةً لفقدان المعنى بقدر ما هو نتيجة للقوة.
من هنا، تبدو الهوية الفلسطينية اليوم في معركةٍ أكثر قسوة، تستهدف محوها وإعادة تشكيل عناصرها لصالح رواية المستعمِر. إنها معركة وجودية تتطلّب إثبات الذات كفلسطيني أولًا—بكل ما يحمله هذا التعريف من تاريخ لجوء ونكبات وتسميات. وفي قلب هذه المواجهة، يبرز دور المثقف بوصفه فاعلًا لا هامشًا: تفكيك سردية المستعمِر، وإعادة بناء الرواية الفلسطينية، وتفعيل الثقافة كأداة مقاومة.
إن الكتابة عن فلسطين هي درع الوجود الأول الذي يحمله المثقف، متجاوزًا الأطر الزمانية والمكانية. هي مفتاح الأفق في المخيال الفلسطيني، حيث المستقبل متحرر ممن صادر الماضي بآلامه، لكنه لن يقدر أبدًا على تقييد الأمل بالغد. نحن نكتب إيمانًا منا بالحرية التي نتلمسها في الكلمات. نكتب من شقوق الذاكرة الثائرة على المنافي والأوجاع، حتى يستحيل المخيم نفسه فلسطينَ أخرى، نعرّفها كما لا يعرفها الاحتلال. صادروا ماضينا، نعم. لكننا نكتب لمستقبل لا يطاله أي احتلال. نحن نسكن كلماتنا كما تسكننا فلسطين. سنظل نكتب، حتى يلتقي الخيال بالأرض. عندها، حتمًا، ستعرفنا الهوية

