وبكل الاتجاهات ستجد نفسك مبحراً بالكثير من الشجن والحزن والهم، فعذراً للمسمى، وعذراً لما ورد أعلاه، لكنها قد تكون حقيقة الواقع الراهن بكل حيثياته، فمرة أخرى نجد أنفسنا أمام الفراغ في القدس ، وأمام استعراضات وفبركات تدعي حرصها على القدس وعلى عروبتها، وفعل الأسرلة والتهويد واستباحة كل القدس بات العنوان الأعرض والأشمل في المشهد المقدسي السريالي الفسيفسائي المعقد، جراء زحمة قضايا القدس، وتراجعها من أولويات الاهتمامات العملية والفعلية في الأجندة الوطنية الفلسطينية الرسمية وتلك العربية الحاكمة، وكأن القدس التي كانت يوماً عنوان القضية ومركز الصراع قد أصبحت اليوم ضحية زحمة الملفات، وضحية الحسابات السياسية التي لا ترى في المدينة إلا ورقة تفاوضية أو شعاراً يرفع في المناسبات، بينما يجري على الأرض فعلٌ آخر لا يحتاج إلى كثيرٍ من التفسير.
وراعي العربدة والبلطجة في العالم، سيد البيت الأبيض، أعلنها واضحةً صريحةً غير قابلة للتغير أو التفسير، فالقدس عاصمة إسرائيل، معلناً بذلك حرباً شعواءَ على لسانها العربي وتاريخها الحضاري، وممهداً لصفقة من بوابة القدس يكون عبورها، وسارعت المؤسسة الاحتلالية بالمباشرة بترجمة أولى لبنات العصر وصفقته فعلاً واقعياً لا مواربة فيه، وباشرت بسن القوانين بكل القراءات الممكنة، وأطلقت العنان لغولها بافتراس إنسانية الإنسان بالقدس وأزقتها وحواريها حتى تصبح الحياة فعلاً غير ممكن، وقبلة الله الأولى أغلقت أبوابها في وجه الخوف والقيود، وجلجلة اليسوع أوصدت قلاعها، والطفولة ما زالت المتسللة لثنايا اللحظات تحاول أن تلهو بعيداً عن المدجج بالحقد عند كل زاوية، بينما تتسع المسافة بين القدس التي نريدها والقدس التي يجري فرضها بالفعل يوماً بعد يوم...
وسيد كهنوت العالم اختار الموعد الدقيق في حسابات الترويج والإعلان في ظل الاستهانة والاستكانة والانقسام العربي والفلسطيني والاختلاف ما بين أقطاب الوجودية العربية حتى بجنس الملائكة إناث كانوا أم ذكوراً، وبذكرى فعل الاغتصاب للبشر والحجر في الأرض السمراء كان تدشين وافتتاح البيت الجديد للولايات المتحدة بالقارة المكتشفة منذ عشرات السنين، وبذلك كان وسيكون إنارة الضوء الأخضر لتل أبيب أن تبدأ بسن القوانين والتغول على الهندي الأحمر الجديد في إيلياء بهدف اقتلاعه وإحالته إلى كم مهمل على هامش الإنسانية وأقلية تحاول العيش في الحواري والأزقة المهملة من الكل، والكل هنا يعني الكل، أقطاب المعادلة الوطنية الفلسطينية والعرب العاربة ورعاة الدين الحنيف وأباطرة القانون والقوانين وحقوق الإنسان وأصحاب العمائم والكهنة والحافظين لكلام القدير القادر، وكأن القدس كانت تنتظر من الجميع فعلاً يتجاوز البلاغة، فيما ظل الفعل أقل كثيراً من حجم الخطر...
والمشروع الوطني يترنح، وأورسالم غائبة مغيبة عن فعل التحدي وإسناد مجانينها وعشاقها، بل إن هذا المشروع قد غابت ملامحه وأضحت سراباً في وقائع اللحظة الراهنة، وأمراء المنصة يتسابقون ويعدون العدة لمرحلة ما بعد الضياع، والقدس حجر الزاوية بالاصطدامات أو هكذا يجب أن يكون قد صار اسمها أورشليم العظيمة، ومعذرة للطمة المباشرة، وللحقبة المرة، وللمشهد السوادي، ولبشاعة اللحظة، لكن السنوات التي مرت لم تجعل السؤال أقل وجعاً، بل جعلته أكثر قسوة، فكلما ظننا أننا اقتربنا من استعادة القدس اكتشفنا أن الوقائع على الأرض كانت تسبقنا بخطوات، وأن ما كان تحذيراً بالأمس أصبح اليوم جزءاً من المشهد الذي نحاول أن نقاومه بالكلمات.
ولم يعد التغول على المقدسي وحده، فالأونروا نفسها باتت هدفاً مباشراً في هذا المشهد، فحظر نشاطها في القدس، والتضييق عليها، ومداهمة مقرها الرسمي والتعامل معه كأنه جسم غريب عن المدينة، ثم هدمه، ليست مجرد إجراءات إدارية عابرة، وإنما هي في جوهرها محاولة أخرى لاقتلاع شاهد من شواهد الوجود الفلسطيني، وشطب عنوان ارتبط لعقود باللاجئ وحقه وذاكرته، وكأن المطلوب ليس فقط تغيير وجه القدس، وإنما إعادة تعريف من يسكنها ومن ينتمي إليها ومن يحق له أن يحمل ذاكرة المكان، وحتى مخيم شعفاط ومركز قلنديا وما يجري فيهما وحولهما من تضييق وملاحقة واقتحامات وإجراءات تمس تفاصيل الحياة اليومية، كلها ليست بعيدة عن السياق ذاته، فالمخيم الذي كان عنواناً مؤقتاً للجوء صار عنواناً دائماً للذاكرة، ولهذا يصبح التضييق عليه تضييقاً على الذاكرة نفسها، ويصبح استهداف الأونروا محاولة للتعامل مع قضية اللاجئين باعتبارها ملفاً يمكن إغلاقه بقرار أو هدم مبنى أو إغلاق مكتب.
والمواطن بالقدس أضحى لا هم له إلا بابتداع كل السبل والوسائل الممكنة وتلك غير الممكنة أو المتاحة ليبقى قابعاً ببيت المقدس أو بأكناف بيت المقدس، في محاولة منه للبقاء ليس أكثر، والكل يطالبه بفعل الصمود والبقاء وفعل البقاء والتمكين، وهذا الفعل لابد له من مقومات ولابد له من أسباب من الضروري توافرها وتوفيرها وتحقيقها حتى يستوي فعل الصمود ليقبع المقدسي ببيت المقدس، فالصمود ليس شعاراً يلقى على مسامع من يواجهون الهدم والمصادرة والقيود، وليس بطولة مجانية يطلب من المواطن أن يدفع ثمنها وحده، بل هو فعل يحتاج إلى حماية وإسناد وتعليم واقتصاد ومؤسسات وبيت ومدرسة وشارع وذاكرة، ويحتاج قبل كل شيء إلى إرادة سياسية تعرف أن بقاء المقدسي في القدس هو في حد ذاته فعل مقاومة للزمن الذي يراد له أن يغير وجه المدينة.
ويظل السؤال الأكبر، ما السبيل للخلاص وإعادتنا للقدس وإماطة اللثام عن مرحلة العجز؟ حيث إن كل المؤشرات تؤكد تراجع البرامج التي من شأنها تعزيز المفهوم الوطني العربي بالتفاصيل اليومية في القدس، ولم يعد السؤال فقط عن استعادة القدس في الخطاب السياسي، بل عن استعادة حضورها في الفعل اليومي، في المدرسة، وفي السوق، وفي البيت، وفي المؤسسة، وفي الثقافة، وفي الاقتصاد، وفي قدرة العائلة المقدسية على أن تبقى في مدينتها دون أن تتحول حياتها إلى معركة بقاء لا تنتهي.
ولا شك أن خلق وقائع وطنية في القدس من شأنه الإسهام في الإبقاء على جذوة الصراع على القدس وفي القدس، وأخشى في هذا السياق أن الوقائع الإسرائيلية المفروضة قسراً قد كسبت جولات عديدة بهذا الشأن، سيما ما بعد إقامة جدار الفصل العنصري الذي أصبح التعامل والتعاطي معه كجزءٍ من سياسة الأمر الواقع، تلك السياسة التي اعتمدتها كافة الدوائر الإسرائيلية في مسلسل إطباق سيطرتها بالكامل على القدس، وهو الأمر الأخطر الذي يقودنا إلى أن فرض الأمر الواقع إسرائيلياً وعدم مجابهته بسياسات الأمر الواقع فلسطينياً أيضاً قد بات طريقاً ذا اتجاه واحد يؤدي إلى القدس الإسرائيلية ذات المعالم اليهودية التي يعيش بأطرافها أقلية عربية من الضروري الإبقاء عليها وفقاً للفهم الإسرائيلي حتى يكون بالإمكان أن تدعي إسرائيل أنها تحترم الأديان والتعددية في القدس، بينما يجري تفريغ المدينة من مضمونها العربي تدريجياً، لا بضربة واحدة، وإنما عبر تراكم الوقائع الصغيرة التي تصبح بعد سنوات حقيقة كبيرة يصعب تغييرها.
وهذا ما عملت وتعمل عليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بمعنى أنها كانت قد امتلكت الرؤية الاستراتيجية للمراد من القدس وباشرت بالفعل التنفيذي منذ اليوم الأول لاحتلال القدس، وكانت أن استغلت حالة الفراغ الوطني والعروبي وغياب الخطط الوطنية ذات الأبعاد العلمية والعملية والمرتبطة بالأجندة الفلسطينية الرسمية، وتحديداً خطط ومخططات السلطة الوطنية، وغياب وتغبيب الهم المقدسي عن دائرة الاهتمام حتى فيما يخص فعل الاستثمار الاقتصادي المرتبط بالفهم الوطني للفعل الاستثماري الذي من شأنه أن يساهم في معركة الوجود العربي في القدس، مع الأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الاستثمار ووقائع العملية الاقتصادية ذاتها في القدس جراء السياسات الإسرائيلية بهذا الشأن، ومع ذلك بقيت الحقيقة الأكثر مرارة أن المشروع الإسرائيلي لم يكن ينتظر اكتمال الخطط الفلسطينية حتى يبدأ، بل كان يتحرك فيما نحن نختلف حول العناوين ونؤجل التفاصيل.
والمفارقة التي تستحق أن تسجل في دفتر هذا الزمن أن بعض من يتعاملون مع الأرض وكأنها سلعة معروضة للبيع، ثم يجدون أنفسهم لاحقاً في مواجهة السلطة وإجراءاتها، قد يكتشفون بعد ذلك أن للزمن أيضاً محاكمه الخاصة، وأن من باع أرضاً في القدس للإسرائيلي ثم اعتقلته السلطة، قبل أن يخرج من الاعتقال، يمكن له بعد ذلك أن يتجه إلى المحاكم الإسرائيلية مطالباً السلطة بالتعويض، فيصدر له الحكم، ويقال إن التعويض بلغ ملايين الشواقل، ثم يكون الحل الأكثر أناقة أن تدفع المقاصة الفلسطينية الثمن .. يا لها من مفارقة تصلح لأن تكون مشهداً من مسرح العبث السياسي، فحتى الأرض التي بيعت، وحتى القضية التي اعتقل بسببها، وحتى الحكم الذي صدر، يبدو أنها وجدت طريقها في النهاية إلى خزينة المقاصة، وكأن القدس لا يكفيها أن تخسر بعض أرضها، بل عليها أيضاً أن تدفع فاتورة من باعها ومن اعتقلته ومن حكم له بعد ذلك. وهنا لا تعود المسألة بحاجة إلى كثير من التعليق، فالسخرية في هذه الحالة ليست من الكاتب، وإنما من المشهد نفسه، ومن تلك القدرة العجيبة على تحويل المأساة إلى معادلة قانونية ومالية يكون المواطن والوطن فيها هما الطرف الذي يدفع دائماً.
وكل هذا ومع العلم المسبق لدى الكل الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي، نجد أننا لا نعمل سوى القليل القليل من حالات الإعلان اليومي بالصحف عن مشاريع إعلامية إعلانية لما يسمى بمسؤولي المدينة والمتربعين على عرش تصريحاتهم والمحذرين بالتهديد والعويل الإعلاني الإعلامي بهدف تمظهرهم بمنطق الحضور الكثيف إعلامياً، ومن يتابع ويقرأ تصريحات هؤلاء يعتقد أنه أمام حركة دائبة ودؤوبة في القدس تقض مضاجع الاحتلال وبرامجه، مع أن الواقع المقدسي مخالف تماماً لما يبدو بخلفية المشهد الإعلاني الإعلامي هذا، وكأن التصريح قد تحول إلى بديل عن الفعل، والمؤتمر الصحافي إلى بديل عن الخطة، والإعلان إلى بديل عن الحضور، فيما المواطن المقدسي يريد من يسنده في تفاصيل حياته لا من يضيف اسمه إلى قائمة المتحدثين عن القدس.
لا شك أن معطيات اللحظة الراهنة في القدس تؤكد أن الواقع الحالي بدأ بالاستسلام للأمر الواقع، حيث التعاطي بالشأن الحياتي الطبيعي صار يأخذ الشكل الدراماتيكي بالتعامل مع المؤسسات الإسرائيلية ذات الشأن وعلى مختلف الصعد والجبهات، فإذا ما اتجهنا صوب العملية التعليمية نلاحظ أن هذه الجبهة قاب قوسين أو أدنى لاستكمال الفعل التهويدي الكامل المتكامل، حيث أن فرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس العربية قد أصبح الحقيقة، والمواجهة هنا مقتصرة حتى اللحظة على عقد المؤتمرات الصحافية وعقد ورش العمل من قبل منظمات إن جي أوز ودعوات خجولة تصدر من هنا أو هناك، في ظل انهيار فعلي وحقيقي في المسيرة التعليمية على الجبهة الأخرى، مما يهدد انهيار جهاز التعليم الوطني جراء غياب الخطط الاستراتيجية ذات الإمكانيات الداعمة لها وروافعها الحقيقية التي من المفروض توافرها حتى يستطيع هذا الجهاز الصمود وبالتالي من المواجهة، لأن المعركة على القدس ليست فقط معركة حجارة وأرض، وإنما هي معركة عقل وذاكرة وهوية، ومن يخسر المدرسة يخسر جزءاً من المستقبل حتى لو بقيت له كل شعارات الماضي.
وبالمقابل فإن الفعل الاستيطاني وتكثيف قضم الأراضي الفلسطينية بالشكل العلني في ظل تواصل الفعل التسووي والبحث عن رعاة جدد للعمل التفاوضي وتكثيفه، والقدس تتحول إلى أورشليم بالشكل الفعلي مع اختفاء المعالم الفلسطينية العربية بالمشهد المقدسي عموماً، لم يعد مشهداً عابراً أو مؤقتاً، بل أصبح واقعاً يتقدم كل يوم، فيما لا تزال الردود الفلسطينية في كثير من الأحيان محكومة بمنطق رد الفعل، وكأننا لا نزال نطارد الوقائع بعد وقوعها بدلاً من صناعة الوقائع التي تحمي وجودنا وتثبت حضورنا.
إن القدس تعيش واحدة من أخطر مراحلها، ولابد أن تكون وقفة فعلية وشجاعة لمواجهة ومجابهة وقائع القدس الراهنة والتصدي للمشروع الأورشليمي، وهذا يتطلب أولاً إعادة صياغة منظومة التعاطي الفلسطيني الرسمي مع هموم وقضايا المدينة على أساس وضع الخطط الكفيلة بمعالجة كافة القضايا بشيء من الاهتمام والرعاية وعدم الإهمال من قبل المؤسسات ذات الشأن والعلاقة في المؤسسة الفلسطينية الرسمية، وبذات الوقت لابد من مواجهة الذات الوطنية والاعتراف أن ثمة انهياراً فعلياً وحقيقياً في مداميك الحركة الوطنية الفلسطينية المقدسية، الأمر الذي يهدد بالتالي إمكانية مواجهة المشروع الأورشليمي بكل أبعاده وأهدافه، وما لم نمتلك شجاعة الاعتراف بالعجز فلن نمتلك شجاعة تجاوزه، وما لم تتحول القدس من ملف في البيانات إلى قضية في السياسات والميزانيات والمؤسسات، فإن كل حديث عن استعادتها سيظل ناقصاً مهما ارتفع صوته.
ولابد من إعادة الاعتبار للمؤسسات المقدسية التي تم تهميشها وتفريغها من محتوياتها بقصد أو بدون قصد جراء فعل التجفيف الذي قد يكون مقصوداً ومبرمجاً من قبل أصحاب العلاقة، مما أدى إلى تراجع في دور هذه المؤسسات على مختلف التوجهات والاختصاصات والتخصصات، فالمؤسسة المقدسية ليست تفصيلاً هامشياً، وإنما هي جزء من قدرة المدينة على حماية ذاتها، وكل مؤسسة تغلق أبوابها أو تفقد دورها أو تتحول إلى هيكل بلا قدرة على الفعل هي مساحة أخرى تترك فارغة، والفراغ في القدس لا يبقى فراغاً طويلاً، بل سرعان ما تملؤه قوة أخرى وفق مشروعها ورؤيتها ومصالحها.
ولابد من إعادة الاعتبار للدور الجماهيري الشعبي من خلال توفير السقف والحماية لها في حالة التواجه والمواجهة مع المشروع الإسرائيلي، لا أن تذهب جماهير القدس لتواجه ولا تجد من يساندها ويدعمها، فليس من العدل ولا من الوطنية أن نطالب المقدسي بالصمود ثم نتركه وحيداً في مواجهة كل أشكال الضغط، وليس من المنطق أن نطلب منه أن يحمي البيت والمدرسة والشارع والهوية بينما لا نوفر له الحد الأدنى من مقومات البقاء، فالقدس لا تحمى من خلف المكاتب، ولا تصان بالتصريحات، ولا تبقى عربية بالأمنيات.
فإن كان المطلوب التصدي لسياسة هدم المنازل وإيقاف مهزلة الهدم الذاتي، فلابد إذن من إسناد هذا المواطن وتمكينه من الصمود بوجه آليات وممارسات الاحتلال، لا أن يتحول هذا المواطن إلى مستجد على أعتاب من يعتبر نفسه مسؤولاً هنا أو هناك، فالمواطن الذي يهدم بيته بيده ليس بحاجة إلى خطبة في الصمود، بل بحاجة إلى بديل حقيقي يحمي حقه في البيت والحياة، والمقدسي الذي يواجه الغلاء والضرائب والحواجز وسياسات التضييق ليس بحاجة إلى من يزايد على انتمائه، بل إلى مشروع وطني يرى في بقائه في مدينته أولوية لا تقبل التأجيل.
أعتقد أن القدس تعيش اليوم مرحلة أخطر من الخمس دقائق الأخيرة التي تفصلها عن أورشليم، فقد مرت سنوات منذ كتبت هذه الكلمات، وتغيرت أشياء كثيرة، لكن السؤال لم يتغير، بل ربما أصبح أكثر إيلاماً وقسوة، فأورشليم لم تعد مجرد عنوان يخيفنا في المستقبل، وإنما مشروع يتقدم في الحاضر، والقدس لا تزال تقاوم بما تملك، والمقدسي لا يزال يحاول أن يبقى قابعاً ببيت المقدس أو بأكناف بيت المقدس، لكن الزمن الذي كان يمنحنا فرصة للتأجيل لم يعد رحيماً بنا كما كان، والأونروا تحاصر في القدس، والمخيم يضيق، والمؤسسة تهدم، والأرض تباع ثم تعود إلينا في صورة قضية وتعويض، وكأن المشهد كله مصمم كي يثبت لنا أن العبث يمكن أن يصبح سياسة، وأن العجز يمكن أن يصبح إدارة، وأن الخسارة يمكن أن تتحول إلى فاتورة يدفعها من بقي متمسكاً بالقدس.
واللبيب لابد أن يفهم من الإشارة والإشارات كثيرة هذه الأيام، والسؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس فقط هل من لبيب حتى يلتقط حقيقة الواقع والمطلوب حالياً لنصرة ما تسمى حتى الآن بالقدس، بل هل بقي لدينا من الوقت ما يكفي كي نلتقط الإشارة قبل أن يصبح الاعتراف بالعجز مجرد شهادة على ضياع ما كنا نظنه عصياً على الضياع؟

