يوم 18/8/2026 قصفت " إسرائيل " قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب شمال غرب سورية , متهمة دمشق بـ " انتهاك اتفاق " عبر السماح بانتشار قوات تركية فيها , في خطوة أثارت غضب الإقليم والعالم .. وعلى الفور نفت دمشق " وجود أي اتفاق مع إسرائيل , وعدم وجود أي قوات تركية في الموقع المستهدف "! واعتبرت القصف الإسرائيلي " انتهاكاً صارخاً لسيادة الدولة و عدواناً آثماً على أراضيها "!..
تنتهج حكومة تحالف اليمين القومي الديني الفاشي في " إسرائيل " سياسة يسميها الصهاينة أنفسهم " هستيريا الجبهات الساخنة " سواء كان ذلك في قطاع غزة أو الضفة الفلسطينية المحتلة أم في لبنان , أم على الجبهة السورية .. فحكومة و جيش الاحتلال يبرران هذا التصعيد بحجج أمنية واهية , وترى وسائل الإعلام العبرية وعبر عدد من المحللين الصهاينة أن ذلك هو محاولات لإنقاذ حكومة اليمين القومي الديني من الهزيمة في الانتخابات التي ستجري يوم 27 تشرين الأول 2026 , فعلى مدار شهر آب 2026 نفّذ الجيش الإسرائيلي " 27 " غارة جوية على سورية و " 36 " عملية اجتياح بري واعتقل " 11 " مواطناً سورياً , وترافق ذلك مع تهديدات من المسؤولين السياسيين و العسكريين موجهة لتركيا التي يتهمونها بإقامة قواعد عسكرية على الأراضي السورية , وهو الأمر الذي تنفيه كل من أنقرة و دمشق بشكل قاطع و رسمي !.. وفي الوقت نفسه تنفذ حكومة تل أبيب غارات وحشية على قطاع غزة بحجة تصفية قادة المقاومة الميدانيين , وحصدت خلال شهر آب 2026 أكثر من " 150 " شهيداً بينهم " 30" طفلاً والباقي من المدنيين , و نفذت عمليات تصعيد استيطاني و عسكري في الضفة الغربية شملت هجمات لقطعان المستوطنين المحميين من الجيش على بلدات ومخيمات عديدة في شمال الضفة الغربية و في المنطقة التي تعرف باسم " E 1 " قرب القدس , لشطر الضفة الغربية إلى نصفين بهدف منع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة !..
• لماذا سورية الآن ؟ :
لا يمكن قراءة الغارات على مطار " أبو الظهور " بوصفها حادثة منقطعة عن مسار أشمل , فمنذ سقوط نظام الأسد في 8/ 12/2024 تعرضت سورية لنحو " 500 " غارة إسرائيلية , إضافة إلى " 900 " اجتياح بري للأراضي السورية !..
تركز " إسرائيل " باستهدافها المواقع العسكرية السورية التي تتصل بإعادة برامج التأهيل أو التعاون مع تركيا ,من بينها مطار " T 4 " في تدمر و مطار " حماه العسكري " , إضافة لدأبها بتوسيع مجال الاحتلال , وإنشاء " أحزمة أمنية عازلة " داخل الأراضي السورية واللبنانية والفلسطينية !..
كل ذلك يؤشر إلى أن العدوان الصهيوني المتواصل في المنطقة لم يعد مجرد ضربات استباقية .. بل انتقل إلى إدارة المجال الحيوي , والسعي لإنتاج وقائع قابلة للتحول إلى " ترتيبات سياسية أمنية " وتتزامن تلك الاعتداءات مع تنامي وتيرة التهديدات الإسرائيلية الموجهة إلى سورية , و تعريفها بـ " غزة المضخمة " وأن الصدام معها قادم , و أن رئيسها أحمد الشرع " العدو الشرس لإسرائيل " !..
كل ذلك يندرج ضمن " التوجهات الإسرائيلية " للتعامل مع سورية الجديدة .. وإبقائها دولة ضعيفة أمنياً و مفككة ديمغرافياً و سياسياً , وغير مسموح لها بالتعافي والنهوض والتطور الطبيعي !..
إن حكومة اليمين القومي الديني الصهيوني تسعى لإطلاق يديها لتوسيع الحرب في الإقليم عبر اللجوء لتوجيه الضربات المتتالية على أكثر من جبهة , وهو ما يحتاجه نتنياهو و حكومته المتطرفة لدعم رصيدهم الشعبي قبل انتخابات الكنيست في تشرين الأول 2026.
• ردود الفعل السورية والتركية :
لا تزال حكومة دمشق مهتمة بتقديم مشهد سوري مختلف عن مشهدها السابق خلال فترة نظام الأسد - الأب و الإبن - وبالتالي تقديم نفسها إقليمياً و دولياً بوصفها دولة تتطلع لإعادة الإعمار و إعادة بناء نظامها و مؤسساتها , و تأهيل بيئتها الداخلية من أجل التعافي والاستقرار .. و لم تتخذ أي إجراءات عدائية نحو دولة الاحتلال , بل حاولت طوال الشهور الماضية التوصل إلى " اتفاق أمني " وهو ما صرح به وزير خارجيتها أسعد الشيباني -أكثر من مرة - سعياً منها لخفض التصعيد بين الجانبين .. لكن توجهها هذا بدأ بالتبدل بسبب التعنت والاشتراطات الصهيونية .. و أعلنت أنها بحاجة للدفاع عن شعبها وبلادها في مواجهة الاعتداءات الصهيونية المتكررة !..
اختارت دمشق مساراً مختلفاً , غير أنها بقيت محافظة على الدبلوماسية والبراغماتية عبر تبني خطاب سياسي يدين الاعتداءات ويدعو للتحرك من داخل المؤسسات الأممية والقانونية الشرعية .. إضافة لحشد الدعم الإقليمي و الدولي الرافض للانتهاكات الصهيونية , جنباً إلى جنب مع تدارك الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة مع دولة الاحتلال , بالرغم من تكرار الاجتياحات والتوغلات في أراضيها .
دخلت دمشق بعدد من " جولات التفاوض "غير المباشرة مع العدو الصهيوني عبر الوسيط الأمريكي , و لا تزال جاهزة للانخراط فيها من أجل التوصل إلى " تفاهمات أمنية " جديدة تضع حداً للعدوانية الصهيونية .. لكنها في الوقت نفسه ترفض الإذعان للشروط الإسرائيلية .. فليس أمام دمشق راهناً سوى مواصلة النهج الدبلوماسي البراغماتي , وتعزيز علاقات التحالف والتعاون مع تركيا و دول المنطقة وعلى مستوى كافة المجالات !..
من جانبها اعتبرت الخارجية التركية العدوان الصهيوني على مطار أبو الظهور تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي , و أدانت العدوان بشدة , و دعت " المجتمع الدولي لاتخاذ مواقف أكثر حزماً لوقف الاعتداءات الصهيونية المتصاعدة على سورية والمنطقة ومحاسبة المسؤولين الصهاينة على هذه الجرائم التي تتجاهل القانون الدولي " .. أما مكتب الرئاسة التركية فقد نفى المزاعم التي أطلقها نتنياهو بحق تركيا كونها " تهدف إلى شرعنة العربدة الإسرائيلية التي تستهدف سيادة سورية ووحدة أراضيها ", و تابع المكتب بيانه " ستواصل تركيا التعاون مع سورية الجديدة على أساس مشروع ومن أجل إرساء الأمن والرفاه والاستقرار فيها , و لن تسمح بزعزعة أمنها أو النيل منها "!..
وعليه , لن يفلح العدوان الصهيوني بتغيير السياسة التركية و مواقفها حيال مواصلة التعاون مع سورية , لكن ليس وارداً أن يفضي النزاع بين تركيا و" إسرائيل " إلى التورط في صدام عسكري مباشر بينهما , خاصة و أن " إسرائيل " تدرك جيداً التكلفة الباهظة لأي مواجهة مع تركيا , بالنظر إلى قوتها العسكرية , و عضويتها في حلف الناتو والعلاقات الودية بين رئيسها و رئيس الإدارة الأمريكية , فضلاً عن أنها دولة قادرة على ردع المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى الاستفراد بدول الإقليم !..
لقد علّق السفير الأمريكي في تركيا " توماس باراك " على العدوان الصهيوني ووصفه بـ " التصعيد غير المبرر " .. وعكست تصريحاته حجم التخوف الأمريكي من تحول الأراضي السورية إلى ساحة اشتباك مباشر بين " دولتين في حلف الناتو " وفي الوقت نفسه حليفين لواشنطن , وهما " تركيا و إسرائيل "!
ليس خافياً حجم التوتر المتنامي بين " أنقرة و تل أبيب " على خلفية ملفات كثيرة .. إلى حد أن تحذيرات عديدة صدرت من بعض الأطراف تحذّر من الصدام الوشيك بين الطرفين !.. و صرّح توم براك قائلاً :" العمل جار من أجل إنشاء آلية تنسيق أمني تمنع الاحتكاك بين تركيا وسورية من جهة و إسرائيل من جهة أخرى " وتابع قائلاً :" تركيا لم تتلق إشعاراً مسبقاً بالضربة الإسرائيلية , لكن أجهزة راداراتها رصدت الطائرات الإسرائيلية المتجهة نحو حدودها .. وكان يمكن أن يؤدي ذلك إلى رد فعل تركي مختلف .. ولحسن الحظ تمكنت العقول الباردة من منع التدهور لما هو أسوأ !..
- خلاصة القول : يحمل العدوان الصهيوني على سورية ما هو أعمق وأكثر من " رسالة مزدوجة " إلى كل من سورية و تركيا كي تنضويان ضمن المساعي الصهيوأمريكية لإعادة تموضع سورية , و إبقائها في حالة من الضعف و التفكك وفق ما تقتضيه مصالح ائتلاف اليمين القومي الديني الفاشي الصهيوني , ويتماشى مع ما يقوم به جيش الاحتلال في الجنوب السوري , حيث يحاول عرقلة أي تواجد عسكري سوري فيه .. كما تواصل " إسرائيل " دعمها للمحاولات الانفصالية التي يقودها زعيم حركة الموحدين في جبل العرب حكمت الهجري في محافظة السويداء !..
من حق سورية الخارجة من حرب استمرت " 14 " عاماً وهي مدمرة و منهكة , الالتفات إلى التعافي و إعادة بناء الدولة و إنقاذ الاقتصاد و توفير الحياة الأفضل للشعب السوري .. بوصف كل ذلك من الأولويات التي يتطلع إليها السوريون .. لذلك تحاول الإدارة الجديدة تجنب أي صدام مع " إسرائيل " والتفرغ لإعادة الإعمار والبناء !..
غير أن حكومة الاحتلال ليست في موقع منح دمشق فرصة التعافي و إعادة البناء .. و ليس أمام سورية الجديدة راهناً سوى المضي قدماً في اعتماد النهج الواقعي البراغماتي والاعتماد على مقاومة و تضحيات الشعب السوري والحاضنة القومية و البلدان الصديقة في مواجهة التغوّل والتوغّل الصهيوأمريكي !..

