Menu

"فلسطينيات" نص مسرحي سوري يمجد ثورة الأبطال

جوان جان

 

كانت القضيةُ الفلسطينية– بكافةِ تداعياتها وحيثياتها- القضيةَ الأكثر تناولاً وتداولاً في المسرح السوري على مدى سنواته المديدة، ويُعتبر عقدا السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي الأكثر غنى على هذا الصعيد، إذ ظهرت في تلك المرحلة تجارب مسرحية عديدة تناولت القضية الفلسطينية إما بشكل مباشر أو غير مباشر كبعضِ نصوص سعد الله ونوس، محمد الماغوط، محمد أبو معتوق، مصطفى الحلاج، جان ألكسان، ممدوح عدوان.. بالإضافة إلى نصوص للكاتب المسرحيّ علي عقلة عرسان الذي نتناول في هذه الوقفة مسرحيته الشهيرة "فلسطينيات" التي جسّد فيها طبيعة الصراعِ العربي الصهيوني وكيفية تصدي الشعب الفلسطينيّ للغزوة الهمجية على فلسطين والعالم العربي.

فلسطينيات

تقدم المسرحية ثمانية عشر شخصية ما بين رجال ونساء، بالإضافة إلى جوقة من ست نساء مهمتها التعليق على الأحداث.

تبدأ المسرحية باستعراضٍ تاريخيّ على لسان جوقة النساء لوقائع القضية الفلسطينية ووضع الشعب الفلسطينيّ في الشتات ومخيمات اللجوء وكيف أن الأمل يتضاءل في العودة عاماً بعد آخر:

"مرت الأعوام، أيقظت النيام.. عشرون عاماً والخيام على الخيام.. ومعابر الحارات والأمصار تغفو في الظلام.. ويمر عام بعد عام.. وتهب موجاتٌ فتزداد الخيام".

وبعد هذه المقدمة تبدأ أحداث المسرحية بالتسلسل، لتكون البداية مع ظهور مسعود حارس الميناء محذّراً من اقترابِ الغزاة من الشواطئ وهم يحملون معهم الخراب والموت، وبذلك يزجّ الكاتب قارئه مباشرة في أتون المشكلة وصلبها:

"مسعود: تغضب الأمواج من حين لآخر.. ويمجّ البحرُ أشكالاً غريبة.. إن خلف الموج إعصاراً مخبّأ.. وحكايات مريبة.. فوقها ناس يفوح الحقد منهم.. مثل أفواج الجراد.. ما لهم لون موحّد.. إنهم أعجوبة التهجين واللون المولّد.. يقصدون السهل والوادي وأحضان الجبال.. أمرهم أضحى خطيراً".

وبذا تقوم شخصية حارس الميناء مسعود بتقديم تشريحٍ دقيق لطبيعةِ الغزاة وكيف أنهم ينتمون لشعوب متعددة ولا يربط بينهم رابط سوى طمعهم وهمجيتهم.

وبالتزامن مع تحذير حارس الميناء من خطر الغزاة يحمّلُ الكاتبُ هذه الشخصية مهمة فضح الموقف الرسميّ السياسيّ والعسكريّ العربيّ المتهاون والمتخاذل أمام الجحافل القادمة، إذ يشير حارس الميناء إلى أن ما تطلق عليهم المسرحية تسمية "العساكر" قد تواطؤوا مع الغزاة وسهّلوا لهم مهمتهم بدل التصدي لهم:

"رجل1: عسكر الميناء.. حراس الشواطئ.. ما الذي قاموا به؟

حمدان: هل رأوا تلك المراكب؟

مسعود: قد رأوها.. لم يقولوا شيئاً.. سهَّلوا أمر الدخول.

نواف: خطة تُملى ومشروع يُنفّذ".

وبعد مرحلة التلميح إلى أسّ المشكلة ومنبع التحريض (الدول الغربية) ينتقل الكاتب –على ألسنة شخصيات مسرحيته- إلى مرحلةِ الاتهام المباشر للقوى الامبريالية بدعم الحركة الصهيونية ومشروع إقامة دولة عنصرية على أرضِ فلسطين:

"رجل1: والكتاب الأبيض السامي وهاتيك الوعود؟

مسعود: كذبة كانت، وما نكث العهود بالجديد الصعب في تاريخ لندن.

رجل1: آه من حكّام لندن.

رجال: آه من كذب السياسة".

ويصور الكاتب كيفية التغلغل الصهيوني الاستيطاني في أرضِ فلسطين وكيف انتقل الغزاة من مناطق الساحل الفلسطينيّ إلى الداخل، ناقلين معهم أطماعهم وأحقادهم:

"مسعود: والجماعات التي حلّت بحيفا غادرت حيفا إلى قلب البلاد.

نواف: هذه حال الجماعات العديدة.. كل يوم ترسو في حيفا المراكب.

مسعود: زحف غاصب في شرايين البلاد".

وفي خضم تواتر أحداث المسرحية وتجسيد طبيعة الخطرِ الصهيوني لا ينسى الكاتب الإشارة إلى نفر قليل ممن تسري الخيانة في دمائهم فلا يتورعون عن التقليل من حجمِ الخطر الداهم وتصويره وكأنه سحابة عابرة لا تلبث أن تنقشع، وبذلك يشكلّون مصدر مؤازرة للغاصبين من حيث يدرون أو لا يدرون، ويجسّد الكاتب هذا النمط من السلوك الشاذ من خلال شخصية حماد الذي يتعامل باستهتارٍ مع الأنباء المتواترة عن خطر الغزاة الداهم:

"حماد: بضع آلاف وما منهم خطورة.

نواف: أعلنوا أطماعهم والكل يعرف.. إن سكتنا سوف نخسر.. سوف نندم.

حماد: ما الذي تخشاه؟ دعنا من جنونك".

ويربط الكاتب بين موقف حماد المتواطئ كممثل لفئة شاذةٍ من الشعب وموقف قوى السلطة العربية السياسية والعسكرية، رابطاً –على لسان مسعود- بين الجانبين:

"مسعود: نفس أقوال العساكر.. صانع الأقوال واحد".

المخيمات الفلسطينية

في القسم الثاني من المسرحية ينتقل الكاتب مع قرائه بضع سنوات إلى الأمام، مصوّراً أجواء وظروف المخيمات الفلسطينية في الدول العربية المجاورة من خلال شخصيتين تظهران في المخيم هما نعمان ووالدته سلمى وهما من سكان المخيمات:

"سلمى: هذه الخيمة يا نعمان خيمة منفية.. مشلوحة في الريح.

نعمان: كل يوم تسبح الخيمة في بحر الدموع".

ويؤكد الكاتب على أن واحدة من أوائل كوارث الشعب الفلسطيني خروجه من أرضه بناء على نصيحة حكام عرب ووعودهم بعودة الناس إلى بيوتهم خلال أيام معدودات:

"سلمى: صارت الأيام أعواماً وما زلنا هنا.. نقّلونا بين خيمات وخيمات أُخَر.. واستقر الأمر في هذا المخيم".

وبالعودة إلى شخصية حماد المتواطئ مع الغزاة في القسم الأول من المسرحية يتابع الكاتب رسم مسار الشخصية في القسم الثاني عندما ينقله مع بقية الشخصيات إلى المخيم بما ينسجم مع المعطيات التي قدمها الكاتب للشخصية في القسم الأول عندما يجعله ينتقل من متواطئ مع الغزاة إلى تاجر يتاجر بأوجاع الناس وحاجتهم إلى لقمة الطعام:

"حماد: ليس ذنبي أنكم تحت الخيام.

النساء: باعنا التجار للتجار.. ضعنا واشترونا، ثم باعتنا المناصب.. ضاق الرصيف بنا.. من ذا يؤازرنا؟ من ذا يواسينا؟ نحن الحيارى على طرف الخيام.. همّ يؤرقنا.. جرحٌ يدمينا".

ولا يكتفي الجوع بالنيل من سكان المخيم، فها هو البرد أيضاً يتعاطف مع الجوع مهاجماً الجميع دون استثناء ودون وجود من يدفع لهم بحمل حطب أو شعلة نار:

"حسان: يا حارس الليل، بنا برد.

الحارس: لا أحرس البرد.. إني أحرس الأمن.

حسان: من يحرس الناس إن جاعوا وإن بردوا؟

الحارس: هل مخزن القش في جيبي وأمنعه؟".

وبطبيعة الحال لا يقتصر مفهوم البرد في المسرحية على المعنى المباشر والماديّ له بل يمتد هذا المفهوم ليشمل البرد بمعانيه غير المباشرة كالإحساس بالغربة في دنيا التشرد والضياع:

"النساء: برد فوق رصيف الشارع.. برد فوق رؤوس القتلى.. بردٌ يُضني.. قلبي كتلة شوق.. قد جمّدها البرد.. برد في صحراء المنفى.. برد جمَّد قلب اللاجئ.. برد جمّد عطف الدنيا".

وتمر سنة وراء سنة ويبقى اللاجئون رهائن التشرد والفقر والجوع كنتيجة طبيعية للتآمر عليهم من قبل أبناء جلدتهم من تجار المال والأوطان قبل غزو الغازي وغدر العدو:

"نعمان: في ظلام الخيمة الصفراء نحيا من سنين.. مثل أوراق بلا جذر وساق.. قد نُزِعنا من أراضينا وجعنا.. لم يَجُع تجارُنا أو مترفونا.

حسان: إنهم تجار الشعوب".

وفي أرض اللجوء يتعرض الفلسطيني للعديد من الإغراءات والضغوط كي يتخلى عن فكرة العودة إلى الوطن ويتخذ من أرض (الشقيق) وطناً جديداً له، لكن الفلسطينيّ الحقيقيّ المحبّ لوطنه والمتمسك بأرض أجداده يرفض الفكرة جملة وتفصيلاً:

"نعمان: أرضنا خلف امتداد الشوك والأحزان تركع.. أرضنا مرج ابن عامر".

وفي مقابل هذا الموقف يبرز موقف مناقض يمهّد للقبولِ بفكرةِ الوطن البديل مؤقتاً والاستعداد لمعركة العودة والتحرير:

"نزّال: لكننا في أرضٍ نستطيع العيش فيها والإعداد".

وما بين هذا الرأي وذاك يختم علي عقلة عرسان مسرحيتَه "فلسطينيات" بالتأكيد على مفهوم الشهادة كمفهوم وحيد لاستعادة الحق:

"الجميع: بطل الثورة.. بطل الثار.. مشعال الأرض المغصوبة.. روى السهل الظامئ دمه".