Menu

أمريكا لعبة الأفق.. لعبة الثقوب

عبد النور الهنداوي

يا أمريكا...

يا آ آ آ نعشنا الجميل !

إنه الآخر الذي مَنَحَنا نكهة الدم، وبكل هذه الفظاظة والسخرية، يحق له أن يقول: هؤلاء العرب الذين يمزجون الفلسفة بحليب البقر، يحدثونك عن ماضيهم الغابر، وعيونهم تلاحق الذباب الذي يحمل فوق ظهره قِطعاً فذّة وطازجة من الدم الساخن .

قد يكون العربي وقد تحوّل إلى تمثال من الهواء، بسبب أنه لا يفرّق بين الصرخة والعواء.. في حين الآخر "هو" الذي علّمنا كيف تكون الصلاة !

لا بأس أن يقتنع الأمريكي أنه جاء من خطيئة أخرى، وبدل أن يموت العالم، حافظ على بقاء العالم .

صحيح أن الأمريكي حسب فلسفته أنه يشبه الطيف، وإنه يعشق تحطيم الألم، والشك، والحيّرة، والتيّه، وأيضاً المجهول.. وهذه المفردات تتردّد أمام بُعدهِ الأزلي، وأكثر من ذلك يقول: إنني أنا الحلّ، لأن نوع الرخام الذي يستعمله لدى الشعوب هو تحطيم الأمل "ولولا أمريكا" لأكل العالم العالم !

هنا في بلاد العرب، الأمكنة تحاول إقناع سكانها أن قبورهم لن تنتقل معهم إلى العالم الآخر، فثمّة خلاص شاعري يقول: ما الجدوى من المكان وأرواحنا ستصل محطّمة إلى هناك .

أقول لأمريكا: بالتأكيد أيتها السيدة العظيمة المبجلة.. إن العرب الذين هم أهلي، لهم أرواح، وإن الشمس تدخل إلى نوافذنا وتقول أنا لست يوم القيامة !

هل نحاول أن نترك الأمكنة شاغرة لنشعر أن ثمة عيوناً لنا في الفراغ، وأخرى من الطين؛

المساحة لا متناهية كي نتأمّل، ولكن إلى ماذا يفضي الأمل، حين يكون الأطفال في غزّة يشبهون العذراء، والسيدة العذراء نفسها معذّبة مثلهم؟ ويجب على اليهودي أن لا ينتهي على المائدة، لأنه من الصعب بل من المستحيل إعادة تشكيله بعيداً عن نار الآلهة .

إنها سيّرة - يوشع بن نون- التي تعني: أن اليهودي هو الذي يحطّم الأجزاء الإضافية من الحياة، ليعيد صياغة الحياة تبعاً لمعايير الأنبياء الجدد، مع تكثيف الشخصية الفلسفية لليهودي الذي أُعطي تلقائياً صلاحية الخلق !

لماذا التعثّر العقائدي أحدث ثقوباً هائلة في حائط المبكى، وظهرت لحظة الجنون في السيدة أمريكا من أجل الدور الإمبراطوري لدولة قامت على لهاث العرب؟!

المشكلة أن العبقرية العربية هبطت وأصبحت بمستوى الركبتين، إنه الفيروس الغامض الذي حلّ بديلاً عن اللعبة المفخّخة. في أن يكون الحطام العربي هو الذي استقرّ في التوراة !

يبدو أن العربي قد لجأ إلى تلك النصوص المجنّحة، لأنه لا يستطيع أن يقفز فوق هذه الحفرة "لكن" قلبه سيظل بعيداً ولن يستطيع التخلّي عن هزيمته اللامرئية ما دام يجلس مبتهجاً على كتفي انكساراته، ويضع حدّاً لكل الأشياء، بما فيها الصفقة المثالية لخروجه من خاصرة الجغرافيا، والدخول في خاصرة التاريخ.. وينتظر قدوم صورة العربي الذي يرتجف.. وقد ترك نصفه الآخر في الجانب الآخر !

هل هو العواء الذي تركناه وراءنا كي نرسم حدوداً مسبقة للصدمة؟ من الآن وصاعداً ستقتات حتى الكلاب الشاردة من لحمنا، والصدى لن يلحق الأذى بالهيكل، أو حتى البحث عن حجارة الهيكل !

في أمريكا، يتعاملون مع المستقبل بعيني الفضيحة ولا يعني إن كان العربي بعقله المرير، يستطيع أن ينام في غير الأزمنة الضائعة بنومها .

المجهول يتدحرج دون هوادة باتجاه العرب، والحائط الدموي يفصل بين العربي والعربي، وبين اليهودي والعربي، وأمريكا تتعامل عمودياً وأفقياً "معنا" كشرائح تجربة مشوّشة بدأت تأخذ شكلها النهائي. إن كان على صعيد الارتجاج البنيوي للشخصية العربية ممثّلة بحاكمها الذي هو "لا شيء" أو على صعيد ترابطه العضوي مع الوجدان الأمريكي _ المغلق على اتساعه _

صحيح أن ضوء القمر لم يعد ذلك الكائن الشاعري الذي تحوّل ضوؤه إلى حجارة، وإن العواء في الصحراء له نكهة خاصة جداً لدى أولئك الذين يتقيّدون حرفياً بالنصوص، ولا يوجد أي ثقب ما في المستحيل.. ولكن؛ أخشى أن يكون ذلك الثقب الضائع، كما اليهودي الضائع !

لقد بدأ الظهور الهشّ للعربي الضعيف جداً، مقابل الظهور الهشّ لليهودي القوي جداً وبينهما الأمريكي بسوطه اللألاء، يسوق ما تبقّى من القطيع العربي الداشر جداً، باتجاه ذلك النوع الآخر من" الكلام "!

كيف يصبح العذاب والتعذيب لدى العربي ضرورة إديولوجية؟ وكيف نرى الأجوبة تندلع من أجسادنا بأقوال ونظريات رعاة البقر.. ويتعاملون مع شعوبنا كقطعان البقر؟!

إذن أمريكا جاءت من أجل أن تجعلنا بشراً أسوياء، هذا بعد أن لاحظت العاهات الحضارية والثقافية، وتنتظرنا نحثّ الخطى باتجاه منطق التضامن، لنلاحق الأضواء_ أضواءنا اليهودية طبعاً_ وحينئذ نعترف أننا فقدنا رؤوسنا على الأقل !

العنكبوت الأمريكي يطبق على العالم، بدءاً من الهمبرغر إلى الروك أندرول، والكنتاكي وبناطيل الجينز والسيدة مادونا، إلى تحويل الشعوب كلّ الشعوب إلى شرائح تجربة بدلاً من القوارض، وقد نجحت في تذويب الخشبة الإديولوجية، واحترفت في كيفية تصنيع الآلهة. ونحن بالكاد نستطيع تصنيع الرغيف !

فإذا كنّا نشتكي من أن السماء توقفت عن إنتاج المعجزات لسبب أو لآخر، فأمريكا الآن هي التي تتولّى هذه المهمة، باعتبار ما تبقّى من الكرة الأرضية "ليس" سوى أرصفة لبضاعتها !

أمام أمريكا، لم يعد العرب "كل العرب" سوى جنازات للريح، وها هو اليهودي الذي رأى في اليهودي كيف أعاد صياغة الأنبياء الجدد، وكيف أبدلوهم برعاة البقر !

لقد وضعنا الكاوبوي هكذا، بين استراتيجية اللهاث، واستراتيجية اللامعنى. لذلك يقول اليهودي فيما بينه: لاحظ إن من أرادنا ان نجعل منهم حطاماً يستيقظون .

ألم يكتب الأمريكي الصاخب نورمان ميلر: "نحن العراة الموتى"!

كلّنا على قناعة أن موتنا لا يحتاج إلى تصفيق، والدليل أنه لا يستطيع أن يتسلّق التاريخ إلى مالا نهاية؛

الدم العربي أصبح الإديولوجيا، ولا بأس يسقط الأبرياء ما دام هذا يُظهر كم هي الذراع الأمريكية اليهودية طويلة، وإننا نريد فقط وقفة أو برهة مع الضمير

نحن نشبه كلماتنا، ونرثي قتلانا كما لو أننا نسيّج المكان والزمان بهستيريا الدم الذي تمارسه أمريكا والدولة العبرية، وكيف ترعرعنا داخل النصوص التوراتية في جدلية فلسفية كي نصبح كائنات من القشّ اليابس !

كل ما أود قوله، إن الحاكم العربي يتسلّل بخطى وئيدة عبر الجثث، وبينه وبين الكارثة زلّة قدم يهددونا بها.. إمّا أن نكون بقايا حجارة في حائط المبكى، أو الخراب .

حماقة العرب الآن ضيف شرف على التاريخ، إلّا إذا أردنا أن نمتطي ظهر الحماقة، أو هي تمتطي ظهورنا ونقول: إن أمريكا "هنا" من أجل أن يجعلوا منّا بشراً، واليهودي يزغرد "من جانبنا" يا أصحاب الأزمنة العرجاء !

من يصدّق أن الحاكم العربي لا يشبه طبق "الكنتاكي الساخن "وأن قامته تتمايل بخيلاء لافت أمام الذهب الرنان؛ وقيل الذهب المجنون يهطل علينا من كل حدب وصوب، ثم نصرخ ضدّ أهلنا ودماء أهلنا، ونهزج لرعاة البقر الذين يحملون التوراة الجديدة.. بل للقياصرة الذين ما برحوا منذ عقود وعقود، يمشون فوق عِظامنا، ومصممون أن نكون ضيوف شرف على الحماقة !

هل نحتاج إلى تلك الشهادة البعيدة لإضاءة أحوالنا، ولا تزال رؤوسنا تتدحرج من الماضي إلى الماضي الذي هو الحيّز الفسيح بل الفضفاض، الذي تعمل فيه تلك الرؤوس؛ ونكثر الحديث عن البراغماتية، والسوسيولوجيا، والنفعية، والعشوائية، والضياع، وكيف لنا إعادة ترتيب الجغرافيا ومعها التاريخ !

أمريكا تُظهر بقية العالم كما لو أنه مجمّع للهنود الحمر، فيما على بوابة الهيكل، يقف اليهودي ويقرأ في التوراة: لا يمكن أن يعيش أو يستمر العربي إلّا داخل المقبرة !

في بعض النقاشات. سمعت أصواتاً تدعي الثقافة، تطالب بإعادة الاعتبار للعقل العربي، لأن أي خطأ في الرهان يعني الانزلاق إلى الأبد.. إلى مستنقع النار .

أين هي إذن مواجهة التفاصيل، ونصف القلب العربي في حالة نزاع مع النصف الآخر، أعني هل نحن أمام لعبة الأفق، أم لعبة الثقوب؟

هل تتفضل علينا أمريكا وتقول للعرب: ما هو مشروعها قبل أن تنفجر غرائزها وتؤكّد أنها صاحبة الهيكل المقدّس وهي الوحيدة التي ترفع الإصبع الغليظة في كل ما يعنيه العربي بشقاء فلسفته، وإنه مخلوق بشري وله أبعاد !

أمريكا إذن، هي التي تمسك الكرة الأرضية كي لا تقع، وتضطلع بشكل فذّ في كل اللحظات الغامضة والكارثية.. ويا لبهاء الفلسفة العربية من المحيط إلى الخليج حين تتحدث عن العربي ومنتجاته الآتية من أزمنة ميتة .

وعبثاً نستطيع أن نعثر على مثيل لنا، لأن الإديولوجيا التي وُلدت في بلادنا لم تنتج سوى حَمَلَة المناجل، ومصاصي الدماء وقبضة من الرمل تلعب فيها الرياح !

يا أمريكا

يآ آ آ آ نعشنا الجميل

ملعقة صدئة

وقليل من الخيال

كي يستيقظ حكامنا

من لحظة الكارثة

إلى

لحظة الكارثة !!