تقتضي أيُّ معركةٍ تحرُّريةٍ شرطًا بديهيًّا لا يمكن لها، بدونه، أن تُنجز مهامَّها التحرُّرية، وأن تُسجِّل انتصارَها التاريخيَّ على عدوِّها، وهو شرط الوحدة الوطنية، التي تُجسِّدها مؤسَّسةٌ وطنيةٌ جامعةٌ، تُمثِّل بيتًا وطنيًّا لمختلف المكوِّنات السياسية والأيديولوجية المنخرطة في النضال ضدَّ المستعمِر. ولا تكاد توجد تجربةٌ تحرُّريةٌ عالميةٌ استطاعت إنجاز هذه المهمَّة من دون إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتحديد أولوياتها، ورسم استراتيجياتها وخطواتها السياسية.
وبعيدًا عن إعادة البحث في تاريخ حركة التحرُّر الوطني الفلسطيني، ومدى التزام هذه الحركة بهذا الشرط في مختلف المراحل التاريخية، يكفي القول إنَّ المرحلة الراهنة تشهد أخطرَ محطَّةٍ وصلت إليها القضية الفلسطينية بعد ثلاث سنواتٍ من حرب الإبادة، وفي ضوء مشاريع الاقتلاع والتهجير المُعلَنة، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، فإنَّ الأمر يستدعي وقفةً مع الذات الفلسطينية، لمراجعة أوضاعها، انطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية والتاريخية. ومن دون هذه الوقفة، التي باتت أكثر من ضرورة، ستشهد الأوضاع الفلسطينية مزيدًا من التقهقر أمام الهجمة الصهيونية الشرسة ضدَّ أرضنا وشعبنا ومقدَّساتنا.
وبرأينا، فإنَّ الدعوة إلى إجراء الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام، رغم ضرورتها، تُمثِّل قفزةً في الهواء، في ظل غياب توافقٍ وطنيٍّ شاملٍ على آليات إجرائها ومحدِّداتها، بما يضمن عدم العودة إلى مربَّع عام 2006، وعدم إعادة إنتاج الانقسام على نحوٍ مريعٍ هذه المرَّة؛ فالانتخابات ليست هي الغاية، كما تحاول بعض الأطراف الترويج لها، وكأنَّها خشبة الخلاص، وإنَّما هي وسيلةٌ لإعادة تجديد قيادة السلطة في الضفة والقطاع. وتنسى هذه الأطراف أنَّنا بحاجةٍ إلى إعادة ترتيب البيت الفلسطيني الوطني برمته، المتمثِّل في منظَّمة التحرير الفلسطينية، بوصفها المؤسَّسة الوطنية المعبِّرة عن الهوية الوطنية التي يعترف بها العالم، وما تنطوي عليه من مسؤوليات؛ فالمنظَّمة هي مرجعية السلطة ووليدتها، وليست العكس. ولا يجوز قلب المعايير، بل ينبغي تصحيح الخلل الذي تولَّد خلال العقود الثلاثة الماضية، عندما جرى تهميش المنظَّمة لصالح السلطة.
لقد جاءت مبادرة الجبهة الشعبية الأخيرة، التي تبنَّتها مختلف الأطراف الأساسية في الساحة الوطنية، بمثابة طوق نجاةٍ للحيلولة دون مزيدٍ من التدهور والتهتُّك في الحالة الفلسطينية؛ إذ دعت إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتوحيد الموقف الوطني، والتوصُّل إلى رؤيةٍ وطنيةٍ جامعةٍ بهدف مواجهة حرب الإبادة ومشاريع الضمِّ والتهجير، والتصدِّي لمحاولات فرض الوصاية الخارجية، فضلًا عن ضرورة التوافق الوطني الواسع على برنامج عملٍ سياسيٍّ وكفاحيٍّ مشتركٍ.
وبالتالي، لا بدَّ من إجراء حوارٍ وطنيٍّ شاملٍ، وإعادة بناء النظام السياسي من خلال إعادة بناء مؤسَّسات منظَّمة التحرير على أُسُسٍ ديمقراطيةٍ وتشاركيةٍ، وتشكيل مجلسٍ وطنيٍّ جديدٍ لفترةٍ انتقاليةٍ، وتشكيل حكومة توافقٍ وطنيٍّ لفترةٍ محدودةٍ، وصولًا إلى إجراء انتخاباتٍ شاملةٍ للرئاسة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني بصورةٍ متزامنةٍ، بما يضمن مشاركة الكلِّ الفلسطيني في الوطن والشتات.
والآن، وبعد تبنِّي هذه المبادرة رسميًّا، وإصدار مرسومٍ بتأجيل الانتخابات، الأمر الذي يفتح الباب أمام الولوج إلى عتبة الحوار الوطني، ينبغي لكافَّة المكوِّنات السياسية الفلسطينية أن تعي أنَّ الحوار ليس غايةً في حدِّ ذاته، وليس وسيلةً للاستخدام السياسي وإدارة الأزمة الراهنة، بل بات ضرورةً لإعادة ترتيب الحالة الفلسطينية المبعثرة والمنقسمة والواهنة. ومن دون هذا الممرِّ الإجباري، لن تستقيم حالتنا، بل سنواصل استنزاف قدراتنا، فيما يواصل العدوُّ تسجيل مزيدٍ من المكاسب على حسابنا.
إنَّ أهمَّ إنجازٍ يمكن أن يحقِّقه الحوار الوطني، إذا صدقت النوايا بالطبع، يتمثَّل في إعادة الاعتبار إلى المؤسَّسة الجامعة، أي المنظَّمة، وهو ما يشكِّل الخطوة الأولى والمهمَّة نحو توحيد خطابنا السياسي والوطني، والاتفاق على أشكال المواجهة مع الاحتلال، الأمر الذي سينجم عنه ما يلي:
• الارتقاء بنضالنا السياسي والدبلوماسي الموحَّد.
• تهيئة المناخ لشعبنا للتصدِّي للاحتلال ومستوطنيه ومشاريع الإبادة والتهجير.
• نزع ذريعة الانقسام التي ظلَّ الاحتلال يتغذَّى عليها لأكثر من عقدين، للتملُّص من الضغوط الدولية.
إنَّ دعواتنا الدؤوبة للعالم كي يتحرَّك من أجلنا لا تُعفينا من المسؤولية تجاه قضيتنا؛ فقبل أن نطالب العالم بأن يلتفت إلى قضيتنا وينصفنا، علينا أن ننصف أنفسنا أولًا، من خلال استعادة وحدتنا الوطنية، وتمكين العامل الذاتي الفلسطيني من أن يغدو فاعلًا ومؤثِّرًا ومنظَّمًا.
إنَّ الحوار الوطني المزمع عقده خلال الأيام القادمة هو الفرصة المتاحة أمام كافَّة القوى السياسية الفلسطينية للتوصُّل إلى اتفاقٍ وطنيٍّ. ويتعيَّن على الجميع أن يتحمَّلوا هذه المسؤولية التاريخية الجسيمة.

