Menu

مُشاهدات يوميّة من الحَجر (6): تحيّة للجيش الأبيض

محمد كناعنة

خاص بوابة الهدف

الجيش الأبيض هو ذلك الجيش الذي يخوض الآن معركة المواجهة المُباشرَة مع الطاغوت المُنفلت على البشريّة جَمعاء، فايروس كورونا المُستَجَدّ والمعروف ب كوبيد-19، لهُنَّ/لهُم نرفع التحية تلو التحية.

وكما ذكرت في مقالتي السابقة، فهذه المهنة، مهنة الطب ومشتقّاتها، هي من أهم المهن الإنسانية عبر التاريخ وأنبلُها وإن لَم تكُ أقدمها، وأنا أميلُ في قراءَتي هذه إلى الفلسفة كَمدخَل لِفهمِ الحياة وتناقُضاتها وَبوصفها "أم العلوم" وكما قالَ عنها ابن سينا: "هي اسْتكمال النفس الإنسانية بتصوُّر الأمور، والتصديق بالحقائق النظريَّة والعمَليَّة، على قدر الطاقة الإنسانية"، أو كما وصفها سُقراط وَعرَّفها بأنَّها: "البحث العقلي عن حقائق الأشياء"، وليسَ صُدفَة أن وصفَ فلاديمير لينين (المادية الجدلية – الديالكتيك): "بِروح الماركسية الحَيّة"، فالمادية الجدلية هي جانب مُلازم للفلسفة الماركسية، فَمبادئ الديالكتيك وقوانينِه هي سلاح بيد العلوم بمختلف مُسمّياتها (والطب في مُقدّمتها) ومن خلالها يتجلّى الطريق صوب الحقيقة وفهم الحياة بشكل صائب.

تكفير التَفكير:

قد يكون من حَظ الأطباء اليوم، والعاملين في مجالهم، أنَّ الفكر التكفيري ليسَ هو المُسيطر على الأقل على أجهزة الحُكم والتحكّم بمصائر البشر وإلّا لكانَ مصيرهُم كَمصيرِ عُلماء أوروبا في ظل سيطرة الكنيسة في القرون الوسطى على الحياة بمجمل تجلياتها، عندما فرض رجال الدين قيودا شاملة على العلماء وحرموهم من مزاولة أي نشاط خارج ما تسمح به مبادئ الكنيسة، وكانت نتيجة ذلك اتهام الكثير من العلماء بالهرطقة وممارسة السحر وإعدامهم.

اقرأ ايضا: مُشاهدات يوميّة من الحَجر (5): التحيّة لمن يستحق التحيّة

وفي هذه الفترة من القرون الوسطى، فترة حكم رجال الكنيسة، كانت الأوبئة كالكوليرا والطاعون والجدري، تُعتبر إرادة ربانية لا يمكن مواجهتها، فقد كانت الكنيسة، ولسنوات طويلة جدا تعارض أي بحث علمي لا يتماشى مع المبادئ المسيحية ومنها على سبيل المثال، التشريح الذي اعتبرته تشويها لجثماين الموتى والتي ستبعث في صور مشوهة بعدَ البعث، مع أنَّ المسيح بذاتهِ كان طبيبًا وشافيًا بحسَبِ الأناجيل.

وفي عصر الدولة الإسلامية تمَّ تَكفير وقتل عدد لا بأسَ بهِ من الفلاسفة والعُلماء المسلمين ومعظمهم أو كُلَّهم عَملوا في مجالات الطب والأبحاث الطبية، منهم جابر ابن حيان "أبو الكيمياء"، أبو نصر محمد الفارابي المُلقّب بِـ "المُعلم الثاني" تيَمّنًا بالمُعلّم الأول الفيلسوف اليوناني أرسطو، ابن سينا "أبو الطب"، يعقوب ابن إسحاق الكندي "مؤسّس الفلسفة الإسلامية"، ابن رشد صاحب كتاب "تهافت التهافت" و"فصل المقال"، ابن الهيثم ويُعد واحدًا من "أعظم علماء الإنسانية"، الرازي ويوصف بـ"أعظم أطباء الإنسانية" على الإطلاق، جميعهم عَملوا في الطب بحثًا ومهنة، وفي الفلسفة والمنطق، هؤلاء جميعهم وغيرهم العديد تمَّ تكفيرهم واتهموا بالزندقَة من قبلِ فُقهاء الدين الإسلامي وقتلوا وبعضهم حُرقت مؤلّفاتهِ العلمية والبحثية والفلسفية.

اقرأ ايضا: مُشاهَدات يوميّة من الحَجر (4): كورونا الصهيونيّة ومصلُها الشافي.. الحُرّية للأسرى

وَعليه: إنَّ منع التفكير وتحريم إعمال العقل وتحريم الشك والسؤال أوصَل المُجتمع الإسلامي إلى الحضيض ومعهُ بالتأكيد المجتمع العربي، حصلَ هذا في الفترة التي نهضت فيها أوروبا من حَضيضِها بعدَ أن حطّمت قيود سيطرة الكنيسة على حرّية العقل والفكر والقول والفعل.

في المُقدّمة:

اقرأ ايضا: مُشاهَدات يوميّة من الحَجر (3): استعمار وضفَّتي جِدار

منذ انتشار وباء الكورونا كانَ "الجيش الأبيض" في مقدّمة الصفوف في مواجهة الوباء رغمَ ما يحملهُ ذلك من خطر جدي على حياتهم وعلى حياةِ عائلاتهم، وهذا يُعيدني على الأقل إلى ظاهرة كانت مُتفشية في بلادنا، وهي الإعتداء على الطواقم الطبية، في العيادات الخاصة وفي المُستشفيات وحتى على طواقم الإسعاف المتنقّل، ومهما كانت الأسباب فليسَ هناك ما يبرّر ذلك أبدًا، واليوم يُقرّ الجميع ونُشاهد هذا الدور الذي تقوم بهِ هذه الطواقم، فمنهم من لم يحتضن أبناءهُ وأحبّاءهُ منذُ أسابيع، شاهدنا تقارير عن ممرضات عربيات في المُستشفيات الصهيونية كيفَ يُبلينَ بشكل غير اعتيادي في مهمّتهُنَّ الإنسانية كالمُمرّضة "أصالَة صريح طبعوني" ابنة مدينة الناصرة، ومثلها المئات والآلاف من أبناء شعبنا العاملات والعاملين في قطاع الصحة من دونِ أن يزحفنَ او يزحفوا صوبَ السقوط الأخلاقي كما يفعل كلّ عام البعض من زيوان هذه الأرض، وهذا العام كانَ السقوط من نصيب ياسمين مزاوي وأيضًا ابنة مدينة الناصرة لِتُضيء في يوم نكبة شعبها، "شُعلة الإستقلال" لكيان ينتهك أرضها وناسها وشعبها ويهُجّر الملايين منهم، فأصالَة هي الأصالة في هذا الشعب وياسمين ومعها أحمد وهشام هم من زيوان هذه الأرض.

وعلى مستوى العالم هناكَ المئات من الأطباء والطواقم الطبية الذين قَضوا نحبهُم في هذه المعركة، في إيطاليا لوجدها تجاوزَ عدد الأطباء المتوفين ال 110 أطباء وخمسة وثلاثونَ ممرضًا وممرضة وسبعة صيادلة وهناك أكثر من عشرة الاف من الطواقم الطبية يحملون فايروس الكورونا، وفي إيطاليا توفيَ سبعة أطباء عرب منهم فلسطيني وهو الطبيب نبيل خير وفي إسبانيا وهناك عشرات الأطباء العرب والفلسطينيين الذين توفيوا مكافحة هذا المرض حول العالم، في فرنسا واسبانيا وأمريكا وأماكن أخرى.

اقرأ ايضا: مُشاهَدات يوميّة من الحَجر (2): نحنُ والكورونا والاستعمار

دواعش عَلمانيين:

أليسوا هُم فعلاً المُقاتلين الحقيقيين وجنود هذه المرحلة والمعركة، ما دفعني للكتابة عن الأمر أكثر من مرة ليسَ فقط واجب التحيّة لهؤلاء، وإنَّما هو قرائتي في العديد من المرات تعليقات إستهزائيّة على دور الطواقم الطبية من قبلِ بعض "الأكاديميين" والذين يعتبرون من أبناء الحركة الوطنية وناشطين سياسيين ومحسوبين على فئة "المُثقفين"، وهنا تبرز ضَحالة الفكرة والفكر، فالنقد شيء جميل وحيوي ومطلوب ولكنَّهُ بعيد الإستهزاء، بُعدَ السماءِ عن الأرض.

اقرأ ايضا: مُشاهداتٌ يوميّة من الحَجر (1): الشماتة

تحيّة للجيش الأبيض كل التحية في هذه المرجلة وهذه المعركة.