Menu

مُشاهدات يوميّة من الحَجر (7).. من أبو قراط إلى جورج حبش: أطبّاء على خط النار

محمد كناعنة

خاص بوابة الهدف

يُعتبَر الطَبيب اليوناني أبوقراط هو مبتكر مُصطلح ومفهوم "الأخلاق الطبية" وذلك في القرن الخامس قبل الميلاد، وبحسب "كتاب الأخلاقيات الطبية" الصادر عن جمعية الطب العالمية - 2005 ومن تحرير جون وليامز مدير قسم الأخلاقيات في الجمعية: "ممارسة الطب عن طريق الاحتراف يعود تاريخه إلى أبو قراط، إذ كان الأطباء يؤدون القسم علانية بالالتزام بجعل مصالح مرضاهم فوق كل اعتبار".

ما يعني هنا أنّ مصلحة المريض، كانسان، تأتي فوق كلّ اعتبار، ومن المهم هنا الإشارة إلى أنّ الأخلاقيات تختلف وقد تتعارض مع القوانين، خاصة اذا كان القانون لا يكفل حريات الناس الأساسية في العلاج والحياة الكريمة وعدم التعذيب وغيرها من الحقوق الأساسية، فبالنسبة إلى الأخلاقيات الطبية: "أهم حق للإنسان هو الحق في الحياة، وحقه في عدم التمييز وعدم خضوعه للتعذيب أو لمعاملة قاسية تنال من كرامتهِ".

وعلى مر العصور أنتُهكَ هذا الشرف من قبلِ أطباء وقفوا إلى جانب "القانون" الذي لا يحترم حرية الإنسان وكرامته، القانون السائد للأقوياء وللسادة وأجريت عشرات التجارب للقاح وأدوية على الإنسان، وخاصة من قبل الأطباء الأوروبيين على "العبيد الأفارقة" في مزارع الأسياد في أمريكا وفي أفريقيا ذاتها وعلى السكان الأصليين من "الهنود الحمر" والسجناء، خاصة التجارب على مرض الجدري في القرن الثامن عشر على الآلاف من بني البشر، من رجال ونساء وأطفال كل ذلك في خدمة "السيد".

في الولايات المتحدة الأمريكية تم الكشف عن عديد من هذه التجارب على السكان الأصليين وعلى المواطنين من أصول أفريقية وذلك في ثلاثينيات القرن الماضي وحتى السبعينيات منه.

اقرأ ايضا: مُشاهدات يوميّة من الحَجر (6): تحيّة للجيش الأبيض

وفي عهدِ "أخلاق" المهنة، هناكَ أكثر من خمسة آلاف أسيرة وأسير فلسطيني في السجون الصهيونية، فايروس الكورونا يقتحم الأقسام هناك بلا رقيب أو حسيب، هؤلاء بعُرف كل الشرائع والقوانين الدولية من مسؤولية من يحتجزهم، (أو من أرسلهم ليقاتلوا وعليهِ مسؤولية تحريرهم)، إدارة ما يسمى بمصلحة السجون سحبت الأطباء من العيادات وأبقت على ممرض لكل سجن وذلك في بداية أزمة فيروس الكورونا، مما يعني ممرض لمئات الأسرى في كل سجن والحبّة السحرية للعلاج لكل الأوجاع والأمراض هناك هي حبّة مهدّئ الأوجاع، "الأكامول"، إذا راسك بيوجعك أو صدرك أو اصبع إجرك الكبير أو عندك "باسور" فأول شي بقلك دكتور السجن أو الممرض: "اشرب مي وخذ حبة "أكامول"، للأطباء والممرضين في السجون الصهيونية دور كبير في قمع الأسرى، الضرب خلال ما يسمى "العلاج" خاصة وقت القمع الجماعي هذا عدا عن دورهم في مساومة الأسرى المرضى ومحاولة تجنيدهم للأجهزة الأمنية، هناك مئات الأمثلة عن دور الأطباء الصهاينة في قمع وتعذيب وتشويه أجساد الأسرى الفلسطينيين، ومسلخ سجن الرملة المُسمّى جزافًا "مشفى" الرملة خير دليل على ذلك.

أطبّاء أوفياء للقَسَم:

اقرأ ايضا: مُشاهدات يوميّة من الحَجر (5): التحيّة لمن يستحق التحيّة

وفي مسيرة الوفاء للقسَم، هناكَ العديد منَ الأطباء ممن قاموا ويقومونَ بواجبهم، كلٌ من موقعهِ:

د. جورج حبش :

اقرأ ايضا: مُشاهَدات يوميّة من الحَجر (4): كورونا الصهيونيّة ومصلُها الشافي.. الحُرّية للأسرى

طبيب أطفال، من مواليد مدينة اللد المُحتلّة درسَ الطب في الجامعة الأمريكية، شهدَ أحداث النكبة هُجِّرَ مع عائِلته بعد إحتلال المدينة، حكيم الثورة، مؤسّس حركة القوميين العرب وفيما بعد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مناضل ومقاتل عنيد ضد الإستعمار والصهيونية والإمبريالية، أسَّسَ مع رفيق دربهِ وتوأم روحهِ النضالي د وديع حداد عيادة في عمان لمُعالجة الفقراء وخاصّة اللاجئين، ولأنَّهُ آمنَ بقسمِ شَرفِ المهنة رهنَ حياتهُ للدفاعِ عن الإنسان والإنسانية وأهمّها حقّهُ في الحياة على أرضهِ وفي بيتهِ وبلدهِ ولهذا قاتلَ حتى الرمق الأخير في سبيل العودة والحُرّية والتحرير.

د. وديع حداد:

اقرأ ايضا: مُشاهَدات يوميّة من الحَجر (3): استعمار وضفَّتي جِدار

طبيب عام من مواليد العام 1927 في مدينة صفد المحتلة، رفيق جورج حبش في النضال وتأسيس الجبهة الشعبية وحركة القوميين العرب وفي العيادة المجانية في عمان، صاحب مقولة: "وراء العدو في كلّ مكان"، مسؤول العمليات الخارجية في الجبهة الشعبية لهُ باع طويل القتال ضد الإستعمار، أغتيلَ في ألمانيا عام 1978 على يد جهاز الموساد في عملية مُعقّدة لم تعترف بها "إسرائيل" الرسمية وقد كشفت عنها صحيفة "يديعوت أحرونوت" الصهيونية عام 2006 على لسان أحد رجال الموساد، وكانت هذه العملية "أول عملية تصفية بيولوجية"، حيث تم دس السم بالشوكولاته البلجيكية المفضلة لديه.

د. أرنستو تشي جيفارا:

اقرأ ايضا: مُشاهَدات يوميّة من الحَجر (2): نحنُ والكورونا والاستعمار

طبيب أرجنتيني وثائر أممي رفيق فيدل كاسترو في تحرير كوبا من حكومة باتيستا العميلة لأمريكا، زارَ غزة والجزائر وقاتل في مناطق مختلفة من العالم ضد الأنظمة التابعة للاستعمار، تخلّى عن مهمة الطب وشهاداتهِ في سبيل تحقيق قسمهِ بتحقيق العدل والعدالة، قُتلَ في أحراش بوليفيا على أيدي رجال الاستخبارات الأمريكية ال "سي آي إيه"، أيقونة النضال ضد الظلم والإستعمار قدّيس الشباب والثورة.

د. فرانز فانون:

اقرأ ايضا: مُشاهداتٌ يوميّة من الحَجر (1): الشماتة

طبيب نفساني وفيلسوف اجتماعي، مارتينيكي أسمَر، ولدَ في جزر المارتنيك عام 1925 حيثُ كانت تخضع لللإستعمار الفرنسي، قاتلَ ضد النازية في أوروبا، خلعَ عنهُ فرنسيّتَهُ وإنظمَّ للجزائر، شعبًا وثورة، قاتلَ في صفوف ثوار جبهة التحرير الجزائرية وعندما مرض رفضَ التقاعد وبقي على رأس عملهِ النضالي حتى رحيلهِ ودُفنَ في مقبرة الشهداء مقاتلي الثورة الجزائرية، أمن بالعُنف الثوري للتحرير، أشتُهرَ بكتابه "مُعذّبو الأرض" والذي فيهِ يرى فانون أنَّ الشعب الجزائري يستطيع التحرّر من الإستعمار فقط عن طريق العنف الثوري.

د. فتحي الشقاقي :

طبيب أطفال من مواليد عام 1951 في مخيم رفح في قطاع غزة، هُجّرت عائلتهُ عام 1948 من قرية "زرنوقة" قضاء يافا، سجن لسنوات عديدة في السجون الصهيونية، أبعدَ من السجن إلى خارج فلسطين عام 1988، أسَّس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وكانَ أمينها العام حتى استشهادهِ عام 1995 بعدَ أن اغتالهُ الموساد الصهيوني.

د. حيدر عبد الشافي:

طبيب وجرّاح، من مواليد غزة عام 1919 سياسي وطني واجتماعي وحدوي ذو شعبية واسعة وله احترام كبير في صفوف الشعب الفلسطيني، شاركَ في تأسيس العديد من اللجان والهيئات الوطنية الفلسطينية المناهضة للإحتلال، كان عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني وفي المجلس التشريعي.

د. عبد العزيز الرنتيسي:

طبيب أطفال، من مواليد عام 1947 في قرية "يبنه" المُحتلة قرب عسقلان، أعتقلَ لسنوات من قبل الاحتلال الصهيوني من مُبعدي مرج الزهور الأربعمائة، اشتهر وبرزَ كناطق رسمي باسم المُبعدين، من مؤسّسي وقيادات حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، اغتيلَ باطلاق صاروخ على سيارتهِ السابع عشر من نيسان 2004.

هذه نُخبة من عشرات ومئات من الأطباء الذين زاولوا المهنة على طريقتهم ومنهم الآن يقوم بدورهِ في مكانٍ ما على هذه الأرض.

(فَمنهُم من قَضى نَحبَهُ ومنهُم من يَنتَظر وما بَدّلوا تَبديلا).

آمنوا بالفكرة وأقسَموا اليمين بالحفاظ على شرف المهنة فقَضوا على دربِ هذا الشرف شُهداء.