(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).
الباب الرابع
الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى
الفصل السابع
فلسفة عصر الاقطاع في أوروبا منذ القرن السادس حتى الرابع عشر
النظام الاجتماعي الاقطاعي:
نظام الملكية:
كانت الزراعة هي المصدر الأساسي للثروة في العصور الوسطى، "فقد اتخذت الملكية أشكالاً ثلاثة رئيسية ترتب عليها قيام مجتمع مراتبي استمر بشكل أو بآخر طيلة عشرة قرون:
الشكل الأول هو الملكية المطلقة غير المشروطة بأي شرط من الشروط، وكان الملك والكنيسة هما وحدهما اللذان يتمتعان بهذا الحق بحسب النظرية الاقطاعية، والشكل الثاني هو الالتزام، أما الشكل الثالث فهو الايجار، وهو الذي يعطي بموجبه جزء من غلة الأرض، وليس ملكيتها، لرقيق الأرض أو مستأجرها، شريطة أن يقوم بأداء الإلتزامات الاقطاعية التي يترتب عليها ضمان حمايته من قبل السيد الاقطاعي.
ومن الجدير بالذكر أن منح الأرض للاقطاعي كان ينطوي على اطلاق يده في كافة المسائل الحقوقية والسياسية والامنية التي تتعلق باقطاعيته، دون ادنى تدخل من جانب رجال الملك، أما المبدأ الذي كان يقوم عليه ذلك الشكل الاقطاعي للتملك، فقد كان مبدأ الولاء المتبادل الذي يتمثل في ما على رقيق الارض أو التابع من التزامات اقتصادية وعسكرية تجاه سيده"([1]).
في هذا السياق، نعرض بإيجاز للواجبات التي كان يؤديها رقيق الأرض لسيده، لكي نتبين طبيعة النظام الاقطاعي([2]) وأساليبه في أوروبا، (والتي لم يعرفها الشرق على الإطلاق) لقد كان الرقيق يؤدي لسيده الواجبات التالية([3]):
دفع ثلاث ضرائب نقدية في العام.
تقديم جزء من محصوله وماشيته، يبلغ في العادة العشر، لسيده.
العمل عند المالك بعض أيام السنة مسخراً دون أجر.
يتعين على رقيق الأرض أن يطحن حبوبه، ويخبز خبزه، ويعصر عنبه في مصنع المالك، أو تنوره، أو معصرته.
تأدية أجر معين مقابل السماح للرقيق بصيد السمك، أو اقتناص الحيوان البري، أو رعي ماشيته.
رفع الدعاوي أمام محاكم المالك، ودفع مبلغ معين يتفق عليه نظير ذلك.
تلبية دعوة المالك بالانضمام إلى فيلقه إذا نشبت الحرب.
تأدية غرامة للمالك إذا ما أرسل الرقيق ابنا له إلى المدينة كي يتعلم، أو إذا وهبه للكنيسة، لأن الضيعة تخسر بذلك يدا عاملة.
تأدية ضريبة عن كل ما يحمله ذلك الرقيق من الغلات لبيعه في السوق.
الحصول على إذن من المالك إذا أراد الرقيق أن يتزوج هو او أحد أبنائه من خارج نطاق الضيعة، وطبعاً كان يحق للمالك الموافقة على تلك الزيجة أو رفضها.
في بعض المقاطعات كان يحق للسيد قضاء الليلة الأولى مع عروس الرقيق.
التركيب الاجتماعي:
كانت الملكية –في النظام الاقطاعي- تورث للأبناء، كما كان المركز الاجتماعي هو الآخر، ميراثاً أبدياً للأبناء، وأبناء الابناء، أما في الجيش، فان المراتبية الدقيقة هي التي كانت تحكم تكوينه، فقد كان ينقسم إلى طبقات على أساس الشرف والمنزلة المتحدرين إلى أصحابهما من الملكية التي كانت بحوزتهم، وليس أبداً بحسب الكفاءة أو التضحية.
فالأمير والمركيز والكونت ورئيس الاساقفة، هم قواد الجيش، والبارون والسيد والاسقف ورئيس الدير، هم رؤساء الفرق، وكان الاتباع هم خدم البارونات أو الفرسان، اما الجنود الذين هم عدة المعركة ووقودها، فقد كانوا من الارقاء، ويليهم في المرتبة حشد من العبيد والخدم يتبعون الجنود من غير نظام ولا قادة.
النظام السياسي والتشريعي:
كان من المسلم به بوجه عام، أن تقوم فوارق واختلافات كبيرة في التكاليف والمزايا بين الاشخاص تبعاً للمركز الاجتماعي الذي يتبوأه كل منهم، والذي يقوم بدوره على مركزه الاقتصادي، فلم يكن هناك تشريع يحدد آفاق المسؤولية السياسية وحدودها وضوابطها، وكل ما في الأمر أن المجتمع كان محكوماً بقواعد عرفية تتوارثها الاجيال جيلاً بعد جيل، أهم ما كان فيها هو أن كل تابع تكون في حوذته أرض اقطاعية، يتعين عليه التعهد لسيده الأعلى منه بان يطيعه في كل الامور، سواء في شخصه أو في ماله.
فالمراسيم التي كان يصدرها الملوك في القرن السادس على سبيل المثال، كانت تنص على أنها صدرت بعد التشاور مع "زعماء الامة"، أو مع "الاساقفة والاشراف"([4]).
على "أن الشيء المهم في الامور هو أن أساس النظام السياسي لم يكن المساواة أمام القانون، وإنما كان حق كل انسان في التمتع بالحقوق والمزايا التي يكفلها له ذلك القانون تبعاً لمركزه ودرجته، فالاعتقاد الذي كان راسخاً بتفاوت المراكز، جعل من الممكن تسويغ أي قدر من عدم المساواة، ولذلك كان للملك وضع فريد جعل سلطاته في كثير من الاحيان مطلقة، إلا في الحالات التي تتعارض مصالحه مع مصالح فئات أخرى داخل الطبقة الحاكمة الواحدة، وبخاصة مع الكنيسة.
ومهما يكن من أمر، فإن السمة الغالبة التي تركت بصماتها على النظام السياسي في العصور الوسطى، إنما هي ازدواج ولاء الإنسان، لسلطتين إحداهما روحية والاخرى زمنية، فشؤون الروح والخلاص الابدي هي من اختصاصات الكنيسة، أما مجريات الامور الدنيوية اليومية، والمحافظة على السلام والنظام، فهي من اختصاص الحكومة، وكان الشعور بازدواج الولاء، يشتد أو يضعف بحسب العلاقة بين الملوك والبابوات"([5]).
تراجع دور الكنيسة والبابا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر:
بلغت "الكنيسة ذروة سلطتها الدينية في عهد البابوات: إنوسنت الثالث (Innocent III)، وغريغوري التاسع (Gregory IX)، وإنسونت الرابع (Innocent IV) (1198 – 1254)، فقد خرج البابوات مظفرين في الصراع مع الإمبراطور أوتو الرابع (Otto IV)، وفريدريك الثاني (Ferdreick II)، وأَمَّنوا سلطة واسعة شملت، في ما شملت، الإشراف على التعيينات والاتفاقيات، وإبداء الرأي في مسائل الحرب والسلم، وإشراف على رعاية الأرامل والأيتام، وإدارة لاضطهاد الهراطقة، والحق في مصادرة ممتلكاتهم، والحق في التدخل في الثورات ضد الكنيسة والنظام الاجتماعي. غير أن هذه الإنسانية الكلية ومعها السيطرة الكنسية العليا لم تدم إلى الأبد، وحوالي العام 1300، نجد أن رجال الدين الفرنسيين يتصرفون مثلهم مثل المواطنين الفرنسيين، وليس كموظفين لخدمة البابا، وصار الولاء للوطن أقوى من الإخلاص للبابا، وصارت الدولة القومية (وفي هذه الحالة، فرنسا) صارت كياناً سياسياً أقوى من الأخوة المسيحية الكلية، حتى في أوساط رجال الدين"([6]). وقد أدى نمو الدولة القومية المنظمة إلى تعاون مليء بالتوترات بين الملك والطبقة الأرستقراطية، وظهر التوتر بصورة أيديولوجية في الصراع بين مذهب الحكم المطلق ومذهب الحكم الدستوري.
فخضعت مسألة العلاقة بين الحكام والرعايا لتمحيص كبير، أي: إذا كان لملك سلطة مطلقة، فعلى رعاياه أن يظهروا طاعة مطلقة، ألا يكون الثوار عندئذ محرومين من حق الثورة ضد حاكم ظالم مستبد.
كذلك، أثير سؤال عن مشروعية السلطة المطلقة والدستورية، أي: هل سلطة الملك المطلقة هبة من الله؟ وهل للمجالس القومية حق مشروع في السلطة بفضل طبيعتها التمثيلية؟ لكن الاحداث وتطورها في ذلك العصر أجابت على السؤال، ففي القرن الرابع عشر دار النزاع الأيديولوجي (في إطار الصراع على المصالح) حول مسألة العلاقة بين الملك ورعاياه، وبين البابا وبقية المسيحيين، وهل يجب أن تكون للملك (او للبابا) سلطة مطلقة، أو يجب أن تكون السلطة أيضاً في المجالس التمثيلية التقليدية، وتخضع للقوانين والتقاليد القديمة؟([7])، والإجابة هنا، سنجد ملامحها الأولى عند القديس الفيلسوف توما الاكويني في القرن الثالث عشر، ثم تطورت بالمعنى الفلسفي العقلاني، وبالمعني السياسي الاجتماعي النقيض لفلسفة القرون الوسطى عموماً، والفلسفة المدرسية السكولائية خصوصاً، عند الفيلسوف روجر بيكون الذي مهد الطريق لتراكمات النهضة فيما بعد.
روجر بيكون (1214 - 1292):
"روجر بيكون Roger Bacon، ويعرف أيضاً باللقب Doctor Mirabilis (لاتينية: "المعلم البديع")، وهو فيلسوف إنجليزي وراهب فرانسيس، كان شدد على أهمية الفلسفة التجريبية (أو الإمپريقية)، وكانت الروح الإنجليزية، روح النفعية والاعتماد على الاختبار، قد أخذت تتشكل، وبناءً عليه كان روجر بيكون أحد أوائل الاوروبيين المنادين بالطريقة العلمية الحديثة، المستلَهمة من أعمال العلماء المسلمين، فقد كان يعترف بما للعلوم والفلسفة الإسلامية من فضل عليه، وعلى العالم المسيحي كله، وربما هو مَدين به لليونان عن طريق العلماء المسلمين؛ وأشار إلى أن علماء اليونان والمسلمين كانوا هم أيضاً ممن تلقوا الوحي والهداية من الله"([8]).
رفضّ بيكون ميتافيزيقية المدرسيين وفلسفتهم الرجعية، وطرح فكراً نقدياً للفلسفة المدرسيه عبر إعلانه أن الوصول إلى الحقيقة يتطلب إزالة العوائق التي تعترض المعرفة " وأهم هذه العوائق عند بيكون: رواسب الجهل وقوة العادة والتبجيل المفرط لمفكري الماضي، وأن أفكارنا الصحيحة يجب أن تثبت بالتجربة"، فألقى بنفسه بحماسة بالغة في تيار العلوم الرياضية، والتاريخ الطبيعي، والفلسفة، وترك جامعة اكسفورد عام 1256، حيث قضى عشر سنوات في تأليف بعض كتبه الصغيرة أمثال: في "العدسات المحرقة" وفي "قوى الاختراع" و"الطبيعة العجيبة"، و"تقدير الحادثات الطبيعية". ووضع في هذا الوقت خطة "الكتاب الرئيسي"، وهو موسوعة من عمل رجل واحد أراد أن تكون في أربعة مجلدات: (1) النحو والمنطق. (2) الرياضة، والهيئة، والموسيقى. (3) العلوم الطبيعية - البصريات، والجغرافية، والتنجيم، والكيمياء القديمة، والزراعة، والطب، والعلوم التجريبية. (4) ما وراء الطبيعة والأخلاق([9]).
أما كتابه الضخم المعروف باسم "الكتاب الأكبر"، فهو أكبر مؤلفات روجر بيكون، وهو كتاب يضم ثمانمائة صفحة مقسمة إلى سبع رسائل: (1) في الجهل والخطأ. (2) وفي العلاقة بين الفلسفة وعلوم الدين. (3) وفي دراسة اللغات الأجنبية. (4) وفي فائدة العلوم الرياضية. (5) وفي فن المنظور والبصريات، (6) وفي العلوم التجريبية. (7) وفي الفلسفة الأخلاقية.
مَزَجَ روجر بيكون العلوم بالتنجيم والسحر، ومزج بين الكيمياء والسحر، ثم اهتم بالعلوم التجريبية، من خلال منهجه العلمي، حيث وضع خطة لإصلاح العلم والفلسفة، لأن هناك–كما قال- أربعة أخطاء كبيرة متوارثة فيها وهي:
الايمان الاعمى بمرجعيات دينية وفلسفية خاطئة.
العادة والأعراف التي تحفظ هذه الاخطاء.
الاحكام المسبقة عند الأغلبية خاصة عند اللاهوتيين.
الجهل السائد.
وهذه الاخطاء ساعدت وكرست حالة التجهيل المنتشره بين الناس وحالت دون تقدم وتطور العلوم والمجتمعات، وطالب بقيام العلوم واستنادها إلى التجربة، بما لا يتناقض مع اللاهوت.
استبق روجر بيكون سُمَيَّه فرنسيس بيكون في الدعوة إلى تحطيم الأوهام والأصنام بثلاثمائة عام فبدأ بذكر أربعة أسباب هي التي توقع الإنسان في الخطأ وهي: "الاقتداء بالمراجع الراهنة غير الجديرة بأن يُقْتَدى بها، والعادة التي استقرت من زمن بعيد، وإحساس الجماهير الجاهلة، وتغشية الجهل بستار من التظاهر بالحكمة".
أما التجربة عند روجر بيكون، يجب أن تكون وسيلة العلم وطريقة اختبار نتائجه، بناءً على ذلك، أحدث بيكون ثورة علمية أداتها الرياضيات والتجارب"([10]).
لكن على الرغم من ايمانه بالعلم والتجربة، إلا أن روجر بيكون كان يُصدِر حكمه الأخير لصالح الدين وليس في صالح الفلسفة، فبالأخلاق وحدها التي يؤيدها الدين –كما يقول روجر بيكون- يستطيع الإنسان أن يُنَجِّي نفسه، ولكن أي دين يقصد؟ إنه يحدثنا عن ندوة الأديان - البوذية، والإسلام، والمسيحية - ويفاضل بين الأديان الثلاثة، ويصدر حكمه في صالح الدين المسيحي، ولكنه لا يصدر هذا الحكم بوصفه ديناً يتعبد به الناس في العالم وكفى، فهو يشعر بأن البابوية، مهما وُجِّه إليها من نقد لاذع، هي الرابطة الروحية لأوربا، وبدونها تمزقها فوضى العقائد والحروب، وكان يأمل أن يدعم الكنيسة بالعلوم، واللغات، والفلسفة ليمكنها من أن تحكم العالم حكماً روحياً خيراً من حكمها الحاضر.
لكن لابد من القول على أن كل من روجر بيكون وفرنسيس بيكون رفضا منطق أرسطو، والطريقة المدرسية، وارتابا في الاعتماد على المراجع القديمة، وعلى العادات وغيرها من أصنام التفكير التقليدي، وامتدحا العلوم، وذكرا ما يتوقع اختراعه بالاعتماد عليها، ورسما منهاجاً لها، وأكدا فائدتها العملية؛ وطالبا بالمعونة المالية للبحوث العلمية"([11]).
قالوا عنه([12]):
" من بين الأمور التي تجعله أهلاً للثقة دخوله السجن أولاً، ثم الشجاعة الشهمة التي أعلن بها أن كتب أرسطو جميعها لا تصلح إلا للحرق؛ وذلك في زمن كان فيه إجلال السكولائيين لأرسطو يفوق بكثير احترام الجانسينيين للقديس أوغوسطينوس" (فولتير).
"رجل عظيم كان يمكن أن يعطي الثقافة العلمية برمتها وجهاً جديداً واتجاهاً جديداً فيما لو أمكن لعصره أن يفهم عمق تفكيره" (فلهلم تينمان).
"كان رائداً عبقرياً للعلم التجريبي، وقد تخلص من سلطة أرسطو، ودعا جازماً إلى إخضاع الاستدلال للوقائع، وسلط ضوءاً باهراً على دور الرياضيات في العلم". (بيير روسو).
توما الأكويني (1225 - 1274):
توما الاكويني فيلسوف إيطالي، بدأ حياته طالباً في مدرسة للرهبان في مونتي كازينو، ثم التحق في جامعة نابولي، وبعد ذلك التحق بجامعة باريس، حيث تخرج أستاذاً في 1257؛ ومن 1259 إلى 1268 أقام في ايطاليا بعد أن أصبح راهباً.
كانت حياة الأكويني حافلة بالعمل والترحال إلى مراكز العلم، فنتج عن ذلك مجموعة ضخمة من الكتابات، وتوفي وهو بعد لم يكن قد بلغ بعد الخمسين من عمره (1274). وطوب قديساً في عام 1323 بعد 49 عاماً من وفاته، وفي عام 1879 تبنت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فلسفته([13]).
بسبب تأثيره الديني ودوره اللاهوتي المتميز، حمل الأكويني ألقاباً عديدة منها العالِم الملائكي والعالِم المحيط، والقديس أو العالم الأعظم، ترك تأثيره الواضح على الفلسفة الغربية وعلم اللاهوت، تأثر بفلسفة أرسطو–كما يقول يوسف حسين- وحاول دمجها مع علم اللاهوت، كما تاثر بفلسفة أوغسطين والفارابي وابن سينا وابن رشد، ويظهر تأثره بهؤلاء في عدد من كتاباته وكتبه واشهرها "الخلاصة اللاهوتية" ، وكتاب "رسائل في قوانين الطبيعة" و"الخلق والخالق" و"خلاصة الرد على الوثنيين" و "شروحات في اعمال أرسطو" .. إلخ.
فلسفته: المعرفة عند الاكويني تنقسم إلى قسمين : معرفة مرتبطة بالإيمان، ومعرفة عن طريق العقل والفلسفة، ولا يوجد تعارض بينهما كما يقول ، أما الحقيقة فهي عنده ثلاثة اقسام:
حقائق نكتسبها من الطبيعة بواسطة العقل و التجربة.
حقائق نكتسبها من الايمان أو الكتاب المقدس وهي فوق قدرة العقل الانساني.
حقائق يمكن تعلمها من الطبيعة والكتاب المقدس معاً، وهي ما عُرفت باللاهوت الطبيعي، بهدف خلق الانسجام بين العقل والطبيعة من ناحية وبين الدين من ناحية ثانية.
موقفه من المجتمع والانسان، فيقوم على التلازم بين القانون الالهي وبين الانسان من خلال الضمير الانساني في إطار الدولة الدينية.
أما الحقائق–كما يقول الاكويني-"فإننا نستمدها من الكتاب المقدس، مثل الروح والخلق والله.. الخ" وهذا هو ما عرف عنده باللاهوت الطبيعي، بمعنى أن ما يُوجِدْهُ الله لا يخالف ما ورد في الكتاب المقدس. وبالتالي نستدل على الله من الكتاب المقدس من ناحية ومن الطبيعة من ناحية ثانية، ذلك هو منهجه اللاهوتي الذي يؤكد على الانسجام بين العقل والايمان، وهو منهج وسط بين الدين والفلسفة، وكان هدف الاكويني جعل الفلسفة خادماً للدين.
لكن الأكويني لم يُغفِل العقل، إلى جانب إدراكه –كما يضيف يوسف حسين- "بأن "الدولة هي القانون الطبيعي الذي لا ينفصل عن القانون الإلهي، فالقانون الإلهي يُعرَف بواسطة الايمان، أما الوسيلة التي تضمن تطبيق القانون الطبيعي حسب الاكويني فهي الضمير الانساني، وكل ذلك مشروط بوجود الدولة في إطار النظام المَلَكي الذي يضمن وحدة الشعب.
أما الوجود: فالمبدأ الأول فيه هو الله الذي هو المبدأ الأول للوجود، ثم الملائكة، ثم الجواهر الحسية التي هي العَالْم الانساني والحيواني (الطبيعة) أو العالم الحسي، وكل ذلك عبر أدلة أو فرضيات ميتافيزيقية، تستند كلها إلى المحرك الأول الذي لا يتحرك"([14]).
وبوصفه أرسطياً، "رأى أيضاً أن المجتمع ذو وجود طبيعي، وأن لا حاجة لقيادة كنسية في شؤون الدولة، وفي الوقت ذاته، لا وجود لتمييز مطلق بين المجتمع (العقل) والمسيحية (الإيمان) – فالمهمات الروحية والمهمات الدنيوية تندمجان إلى حد ما "([15]).
لذا –كما يقول الأكويني- " إذا لم نكن عارفين بإرادة الله لا نعرف ما هو الخير، وإذا كانت تلك رغبة الله، لكان قرر معايير مختلفة للخير، لذا، فإن المسيحيين الذين يعرفون إرادة الله، هم في وضع فريد نسبة إلى رؤية الخير، ولا تعود معرفة الخير مسألة تفكير عقلي، بل مسألة إيمان صحيح، أي هي نتيجة الإيمان والنعمة، والله عند الأكويني هو قبل كل شيء عاقل، ويريد ما هو عقلاني وما هو خير. ولا يستطيع الله أن يرغب الشر. هو يرغب الخير لأنه خير، والخير ليس خيراً لأن الله أراده"([16]).
"دمج الأكويني نظرية المعرفة في فلسفته العامة، حيث يقول "إننا نكتسب المعرفة بواسطة الخبرة الحسية وبواسطة التفكير بما خبرناه". وهذا يتعارض مع النظرة الأفلاطونية التي تؤكد وجود مسار مستقل لرؤية المثل، كما أنها تتعارض مع نظرة كانط التي تؤكد أن الإنسان العارف يعطي بصورة أساسية شكلاً للانطباعات الحسية الواردة من العالم الخارجي، وبكلمات أخرى، نقول: إن الإكويني اعتقد أن المعرفة تبدأ بالخبرة الحسية، فلا وجود لشيء في العقل قبل وجوده في الحواس أولاً، فالمعرفة الإنسانية عنده تقوم كلها على الخبرة الحِسِّية بالاشياء الجزئية"([17]).
غير أن "للأشياء الجزئية مظهرين يمكن أن نميزها بالفكر، وهما الصورة والمادة. المادة شرط الحركة والتغير.
في الوقت ذاته، وعندما ندرك شيئاً، فإن ما ندركه هو الصورة. والصورة هي التي تجعل الشيء قابلاً للمعرفة. الصورة هي بنية الشيء ومظهره، والصورة هي التي تجعل توصيف الشيء بما هو ممكناً – دائرياً، أو بيضوياً، اخضر أو أصفر .. إلخ"([18]).
أما بالنسبة للحياة الاجتماعية، فقد رأى الإكويني أن "الحياة الاجتماعية والدنيوية هما مثل الجسد ووظائفه طبيعيان وواقعيان بشكل أساسي، وهذا يعني، من الوجهة اللاهوتية، أن هذه الأشياء ينظر إليها أيضاً على أنها من خلق الله.
وتماماً، مثلما رأى الأكويني أن الإنسان يستطيع بشكل طبيعي أن يعرف مظاهر مهمة من الخلق، بمعزل عن البلاغ والإيمان المسيحيين، رأى أن الإنسان يستطيع أيضاً بمعزل عن المسيحية أن يعيش حياة جيدة، ويمكنه بمقدار كبير أن يحصل على معرفة بمعايير الحياة الأخلاقية.
ولأن الله خلقنا فإننا –كما يقول الاكويني- "نملك القدرة على المعرفة بمعزل عن كلمات المسيح وبلاغه، نحن نملك نورنا الطبيعي، فضلاً عن ذلك، يمكننا أن نعيش حياة عقلية واجتماعية بمعزل عن كلمات المسيح، وباستقلال من النظام المسيحي. وهكذا، نجد أن الأكويني لا يشارك أوغسطين في نظرته الإرادية والتشاؤمية إلى الإنسان.
يتبع الأكويني في نظرته إلى ماهية الطبيعة البشرية النظرة الأرسطية، أي: الإنسان كائن عقلي وروحي معاً.
والأعمال الصالحة هي التي تحقق تلك القدرات العقلية والروحية. ومثله مثل أرسطو، لا يرفض الأكويني فكرة أن الإنسان هو مخلوق دنيوي، أو أن للبشر المختلفين قدرات مختلفة. وبصرف النظر عما نختار استناداً إلى قدراتنا وموقعنا، ينصح الأكويني، مثل أرسطو، أن يكون سلوكنا سلوك اعتدال، فالسلوك المتطرف ليس طبيعياً وغير قائم على الخير"([19]).
لكن الإكويني "وضع نصب عينيه مهمة دحض الرشدية من مواقع الكاثوليكية المتطرفة، وذلك عن طريق البرهان على أن الايمان والعقل لا يختلفان أبداً، بل يشكلان وحدة منسجمة، لكن العقل، في بحثه عن الحقيقة، يمكن أن يقع في تناقض مع المعتقدات الدينية. هنا، بخلاف نظرية" الحقيقة الرشدية، يرى الاكويني أن مثل هذا التناقض يعني، دونما شك، أن أحدهما خاطئ حتما، وبما أن الوحي الالهي لا يتضمن أي شيء خاطئ، فإن التناقض الحاصل يعني أن المخطئ هو العقل لا الايمان، الفلسفة لا اللاهوت"([20]).
الخير والشر عند الإكويني:
إذا كان الله هو سبب كل شيء، فهل هو أيضاً سبب الشر؟ سوف نذكر باختصار ونحن نختتم بعضاً من حجج الاكويني الخاصة بمسألة الشر، ذلك إن بعض ما ندعوه شراً هو بالضرورة نتيجة للحقيقة التي تفيد أننا نعيش في عالم متناه، لذا، لابد من أن تكون الأشياء محدودة في المكان والزمان، والأشياء لا تبقى إلى الأبد، لكنها فانية –وهذا يشمل الإنسان.
لذا، فإن هذه الحدود وما تستتبع من شر هي محتومة، حتى في أكمل العوالم. لذلك، لا يمكن عزوها إلى إرادة الله، فالكثير "مما نعتقد أنه شر يبدو لنا من وضعنا المحدود ليس إلا. وإذا نظر إلى هذا الشر الواضح من منظور أوسع، فإنه يتلاشى. ومع ذلك، فبعض الشر حقيقي وسببه الله. ويكون هذا الشر عندما يعاقبنا الله على خطايانا، وعلى كل حال، ليس الله هو السبب الرئيسي للشر، بل العكس سببه الخطيئة الإنسانية. فخطيئة الإنسان، وهي الشر الحقيقي، لم يسببها الله، بل هي من أعمال الإنسان الحرة، صحيح أن الله أعطى الإنسان حرية الإرادة، أن يعيش حياة مستقيمة أو يقترف خطيئة. غير أن إساءة استعمال حرية الإرادة، أي فعل الشر، لم يسببه الله"([21]).
وفي هذا الجانب يقول د.حامد خليل في اشارته إلى الوظيفة التبريريه لفكرة "الوسط": "لقد طُرِحَ "الايمان" في المرحلة الأولى بوصفه الأساس الوحيد للظفر بالخلاص والتكفير عن الخطيئة، وفي تلك المرحلة برز دور فكر آباء الكنيسة، وبخاصة القديس أوغسطين، وفي المرحلة التي شهدت استقرار النظام الاقطاعي، وضمان استمراريته على أسس عقلية منبثقة من الأساس الإيماني، كان للقديس توما الأكويني دوراً أساسياً وهاماً في تكريس تلك الأسس، حيث أن الأكويني سَلَّم بقدرة العقل على معرفة الحقائق بقواه الخاصة، لكنه لم يدفع بهذه المقدمة إلى نتائجها المنطقية، فإذا ما تعارض العقل مع الايمان، تكون الكلمة الفصل لهذا الاخير.
فقد بين "الاكويني" ان الخير العام للمجتمع يقضي على الادنى بأن يخدم الاعلى ويطيعه، في حين أن على الأعلى أن يسود الأدنى، وقد عَبَّرَ عن هذه الصورة بطريقة تنطوي، في واقع الامر، على تقسيم طبقي حاد يُكَرَّس كله لصالح المتربعين على قمة الهرم الاجتماعي من إكليروس وبارونات، فطالما أن المجتمع عبارة عن تبادل خدمات ومنافع بغية الوصول إلى حياة طيبة، لذلك قضت حكمة الله أن تسهم في بنائه مهن وحرف كثيرة، فالزراع والصناع يمدون هذا المجتمع بالاحتياجات المادية، والقساوسة يسهمون بالصلاة وإقامة الشعائر الدينية، اما الهيئة الحاكمة فإنها تسهم بتسيير شؤونه كما تسير الروح الجسد، أو كما تتحكم طبيعة راقية في اخرى أدنى منها"([22]).
والجدير بالذكر –كما يضيف د. حامد خليل- أن "هذا المبدأ الذي قامت عليه نظرية المجتمع في العصر الوسيط جاءت إلى المسيحية من أفلاطون، فالطبقات الثلاث التي قال بها هذا الاخير (الحكام والمحاربون والعمال) تتطابق مع تقسيم مجتمع العصر الوسيط إلى (الاكليروس والاسياد والعوام)، صحيح أن الاكويني سَلَّم - نتيجة لمحاولته الرامية إلى التوفيق بين العقل والايمان – بالأصل الأرضي للسلطة إلى جانب الاصل الالهي، ولذلك أجاز مقاومة الملك المستبد من قبل الشعب، غير أن هذا لا يغير من جوهر النظرية في شيء، فحق المقاومة المذكورة تقتصر ممارسته فقط على الذين في يدهم سلطان أصلاً (أعني امراء الاقطاع المحيطين بالملك، أو الذين هم حكام على مقاطعاتهم)"([23]).
وإذن فإن الإنسان – الجمهور- يظل هو الخاسر، سواء أخذ بالتفسير الأوغسطيني الأصل الالهي الوحيد للسلطة، أم بالتفسير الاكويني القائل بالأصلين، ولا شك أن هذا التعديل من جانب الاكويني إنما كان يعكس الصراع على السلطة الذي أخذ يحتد داخل الطبقة الحاكمة وحدها".
([1]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م - ص 61
([2]) أشير هنا إلى أن هذا النظام الاقطاعي لم تعرفه مجتمعاتنا العربية طوال تاريخها.
([3]) مرجع سبق ذكره - د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – ص 62+63
([4]) المرجع نفسه – ص 64
([5]) المرجع نفسه - ص 66
([6]) مرجع سبق ذكره - غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي - ص 302
([7]) المرجع نفسه - ص 302
([8]) روجر بيكون – موقع: المعرفة – الانترنت .
([9]) المرجع نفسه .
([10]) المرجع نفسه .
([11]) المرجع نفسه .
([12]) جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 224
([13])غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 274
([14]) يوسف حسين – محاضرة على اليوتيوب – الانترنت.
([15]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي- ص 281
([16]) المرجع نفسه - ص 279
([17]) المرجع نفسه - ص 287
([18]) المرجع نفسه - ص 289
([19]) المرجع نفسه - ص 291+292
([20])جماعة من الأساتذة السوفيات– مرجع سبق ذكره – موجز تاريخ الفلسفة – ص 172
([21]) غنارسكيربك و نلز غيلجي– مرجع سبق ذكره – تاريخ الفكر الغربي - ص 300
([22]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م - ص 67
([23]) المرجع نفسه - ص 72+73