Menu

إرهاصات اليوم التالي لإنهاء العدوان الصهيوأمريكي !..

محمد صوان

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

ربما تمكن العدوان الصهيوأمريكي من توجيه ضربات مؤلمة ل إيران وبنيتها التحتية.. غير أنه لم يحقق أهدافه المعلنة في تغيير النظام السياسي الإيراني، وتدمير برنامجه النووي ولا حتى القضاء على قدراته الصاروخية، أو إرغامه على التخلي عن حلفائه الإقليميين.. وتمكنت إيران من الثبات والتماسك، وإعادة ترتيب أوراقها واستعادة الكثير من فعالياتها، وفرض نفسها في البيئة الإقليمية عبر السيطرة والتحكم بمضيق هرمز.. مع تراجع قوة الردع الصهيوأمريكية وتراجع ثقة حلفائها بها !..

بالتزامن مع انتقال بؤرة الاهتمام الإقليمي والعالمي إلى متابعة العدوان الصهيوأمريكي على إيران.. تراجع الاهتمام – ولو مؤقتاً – بقطاع غزة والقضية الفلسطينية.. كما عزز تمسك إيران بقدراتها الدفاعية والصاروخية، ورفض المقاومة اللبنانية نزع سلاحها، وثبات المقاومة الفلسطينية على مواجهة الضغوط لنزع سلاحها.. كما أن إدراك إيران بأنها تخوض معركة وجودية دفعها لمزيد من دعم قوى المقاومة على الجبهات الأخرى بوصفها خط الدفاع الأول !..

لقد تمكن الاحتلال الإسرائيلي من التقدم لمسافة " 5 -10 " كيلومترات في عمق الأراضي اللبنانية.. وقام بعمليات قتل وتدمير واسعة.. غير أنه فوجئ بتحسّن الأداء النوعي للمقاومة اللبنانية. وبقدرة حزب الله على تجاوز الثغرات السابقة، مع رفضه لأي هدنة تتيح للاحتلال الصهيوني الاستمرار باستباحة الأراضي اللبنانية، في الوقت الذي أصرّت به إيران على وقف العدوان على جميع الأراضي اللبنانية!..فعلى مدار الثلاث سنوات الماضية، أسهمت الحرب باستنزاف القوات الإسرائيلية وقدرتها على خوض المواجهة على الجبهات الإيرانية واللبنانية والفلسطينية، الأمر الذي أدى أيضاً للانخفاض النسبي لحجم العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وهو انخفاض يرجح أن تكون المقاومة قد استفادت منه، في عملية التقاط الأنفاس وترميم القدرات، بعد المواجهة الطويلة مع الاحتلال.. تعزز تمسك إيران بقدراتها الدفاعية والصاروخية، ورفض المقاومة اللبنانية نزع سلاحها وتجريدها من قدراتها الدفاعية بمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.. وفي تعزيز روح المقاومة الفلسطينية وموقفها المبدئي الرافض للتجاوب مع الضغوط الأمريكية لنزع سلاحها، وتجريدها من عناصر قوتها وقدراتها الدفاعية، ووفر غطاءً إقليمياً ودولياً لمشروعية تمسكها بحقها المشروع بسلاحها!.. وبالرغم من محدودية مشاركة المقاومة الفلسطينية في الحرب على إيران، نتيجة تداعيات معركة طوفان الأقصى التي خاضها الشعب الفلسطيني ومقاومته على مدار ثلاث سنوات تقريباً، فإن إعادة الاعتبار لمشروع " وحدة الساحات "، كحالة فاعلة ومؤثرة، علاوة على بروز تماسك محور المقاومة للعدوان الصهيوأمريكي.. ينطويان على إرهاصات وآفاق إيجابية للمقاومة الفلسطينية.. حيث تجلى ذلك بتكامل الأدوار بين جميع أطراف الحالة الإقليمية المقاومة للعدوان والاحتلال وتعزيز قدراتها على المواجهة رغم ما لحق بها من أذى وأضرار !..

• الآفاق مفتوحة على أكثر من احتمال:

تبرز الآفاق المفتوحة لتأثير تداعيات الحرب الصهيوأمريكية –خلال الفترة الماضية– على خيارات المقاومة الفلسطينية، خاصة ما يتعلق بمواجهة الضغوط الصهيونية والأمريكية لقمعها ونزع سلاحها:

- الاحتمال الأول: إسهام تداعيات الحرب بتعزيز صمود المقاومة الفلسطينية، وقدرتها على مواجهة الضغوط لنزع سلاحها وتجريدها من قدراتها الدفاعية، وعلى التعافي من نتائج المواجهة الطويلة مع الاحتلال الإسرائيلي خلال معركة طوفان الأقصى !..

- الاحتمال الثاني: تزايد الضغوط الصهيوأمريكية على المقاومة الفلسطينية لإضعافها و نزع سلاحها، ولتعويض الفشل بتحقيق أهداف الحرب على إيران، والمراهنة على رضوخ المقاومة لتلك الضغوط !..

- الاحتمال الثالث: سعي الجانب الصهيوأمريكي لفصل مسار التعامل مع المقاومة الفلسطينية عن مسارات المواجهة مع إيران و لبنان، وعزله عن التداعيات المحتملة.

تبدو فرص نجاح الاحتمال الأول، المتمثل بتعزيز صمود المقاومة الفلسطينية واحتفاظها بسلاحها وقدراتها، قوية، في سياق المعطيات الراهنة وتأثير نتائج العدوان الصهيوأمريكي على إيران، ولا سيّما في ضوء الفشل الأمريكي والصهيوني بتحقيق أهدافه العدوانية، وصمود المقاومة اللبنانية وأدائها المميز في المواجهة الحالية مع الاحتلال الصهيوني.. كما تظهر استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني فرص فقدان الحزب الجمهوري أغلبية الكونغرس الأمريكي، وخسارة ائتلاف اليمين القومي الفاشي لأغلبيته في الكنيست الإسرائيلي.. في الوقت الذي تتحسن فيه البيئة السياسية عربياً وإقليمياً باتجاه إدراك حجم الأخطار المترتبة على تغيير "العقيدة الأمنية الصهيونية" نحو مزيد من التطرف، وتزايد النزعة التوسعية العدوانية للكيان الصهيوني.. كما أن النتائج الإيجابية لمشروع "وحدة الساحات" التي برزت خلال العدوان على إيران، ترجّح تصاعد الاهتمام باستمرار التنسيق وتعزيزه في المرحلة القادمة..

بضوء ما سبق، ومع سعي الجانب الصهيوأمريكي لفصل مسار التعامل مع المقاومة والقضية الفلسطينية عن مسارات المواجهة مع إيران ولبنان يغدو مهماً دعوة الدول العربية وإيران لحل المشاكل العالقة بينها بالحوار والوسائل السلمية، واحترام سيادة دول المنطقة واستقلالها بعيداً عن التدخلات الخارجية لقطع الطريق على تل أبيب وواشنطن لاستغلال التباينات كأداة لتوسيع الهيمنة الصهيوأمريكية على المنطقة والإقليم !..

هنا تبرز ضرورة ثبات المقاومة الفلسطينية بمواجهة الضغوط الهادفة لنزع سلاحها وتجريدها من قدراتها الدفاعية، حيث أن الأخطار المترتبة على التجاوب مع تلك الضغوط أكبر بكثير من تلك المحتملة لخيار الثبات والتحمّل والمواجهة! ولقد أظهرت نتائج المشاركة الفاعلة للعديد من فصائل المقاومة في الرد على العدوان الصهيوأمريكي ضد إيران، أهمية دراسة آفاق تطوير مشروع وحدة الساحات وتحقيق التكامل بين أطراف محور المقاومة للعدوان الغاشم، وبما يعظم قدراتها الدفاعية، ويزيد من كفاءتها لردع الاحتلال عن مواصلة سياسته التوسعية.. مع أهمية مراعاة تباين الظروف والخصوصيات والمعطيات لكل طرف من أطراف محور المقاومة !..

لقد أثبتت الأحداث والتطورات الأخيرة أهمية التواصل والتنسيق بين الأطراف العربية والإقليمية، وبما يمكن من رفع مستوى إدراكها لخطورة السياسات والممارسات الصهيوأمريكية العدوانية، وبالتالي ضرورة احتضانها لدور المقاومة الفلسطينية في مواجهة نزعة التوسع والتمدد الصهيوني، وتأكيد أنها عنصر قوة ومنعة ينبغي المحافظة عليه، واستثماره في لجم وإحباط الاندفاعة الصهيونية، وحماية أمن واستقرار المنطقة، وتحقيق أهداف ومصالح شعوبها !..

• غطرسة القوة إلى متى؟!.

في خضم سياسة الغدر والضربات العسكرية الأولى، غاب الإدراك واليقين الصهيوأمريكي، وهذه ليست أول مرة بتاريخ الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية.. إذ شهدنا ذلك بعد عدوان 1967، حيث لم يوقظ "إسرائيل" من جموحها المنفلت سوى حرب تشرين الأول 1973.. كما توقظها اليوم موجات الصواريخ المتتالية فوق فلسطين المحتلة.. "إسرائيل" هذه مغرمة بتقديم نفسها بمشهدين متناقضين:

- الأول: مشهد الضحية المستهدفة، حتى وهي تشن الاعتداءات على الآخرين وتنتهك سيادة الدول، فهي بارعة باستحضار حالة الاضطهاد التي تعرض لها "اليهود" في أوربا أواسط القرن التاسع عشر من الهولوكوست واللاسامية لتأكيد ذلك.

- والثاني: مشهد القوة العظمى القادرة على الفتك بأعدائها.. فهي "شمشون وداوود" في نفس الوقت، وهي " صاحبة الحقيقة " في جميع الأحوال، ونسي حكامها ما حذّر منه بعض قادتها، من أن "إسرائيل" أصبحت في نظر شعوب العالم، كياناً منبوذاً موصوماً بارتكاب جرائم الإبادة ضد الإنسانية، ويتجاهلون ما كتبه الصحفي توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز قائلاً: "إسرائيل تنحدر نحو هاوية العزلة".. لكن الأهم من البعد الأخلاقي والمعنوي الذي لا يعبأ به أطراف الائتلاف القومي الديني الصهيوني الفاشي، هو الاعتبار الاستراتيجي في معرفة موازين القوى، لحقائق الجغرافيا والديمغرافيا وحضارات الشعوب ومعتقداتها !..

لم تتعلم "إسرائيل" من تجارب قوى كولونيالية كبرى والتي هي أكثر منها جبروتاً بعشرات المرّات؟! فهي نسيت فرنسا التي هزمت في فيتنام ثم في الجزائر، حتى انكفأت على أطماعها الاستعمارية.. ونسيت ماذا حل بالولايات المتحدة -حليفتها الكبرى- في فيتنام الصغيرة بقدراتها والكبيرة بإرادة وإصرار شعبها على التحرر والاستقلال وحق تقرير المصير!.. أم هل نسيت ما جرى في العراق بعد احتلاله!.. وكيف هربت القوات الأمريكية من أفغانستان مجللة بمهانة لا ينفك الرئيس الأمريكي ترامب عن ذكرها !..

هل حققت الاغتيالات الفردية نصراً لأحد.. ولو حصل ذلك لتوقفت الحرب في فلسطين ولبنان منذ زمن، ولما حدث طوفان الأقصى، وصمدت المقاومة الفلسطينية واللبنانية !..

يعبث الائتلاف القومي الديني الصهيوني الفاشي بدول المنطقة، ويتلاعب بالتوازنات الاستراتيجية خدمة لمصالحه ولأيديولوجيته العنصرية المتطرفة، كذلك يعبث بمستقبل "الإسرائيليين" أنفسهم، وباستقرار المنطقة والإقليم بأسره، وهناك حقيقة لم يستطع هذا الائتلاف وحكومته تجاوزها.. ولن يكون بمقدورهم تجاوزها يوماً.. فالشعب الفلسطيني لن يرضخ ولن يستسلم للمشروع الاستيطاني الكولونيالي الإحلالي، رغم كل ما يتعرض له من مجازر ونكبات وقمع واضطهاد وتمييز عنصري على امتداد مئة عام ويزيد، لذلك سيستمر فشل الممارسات الصهيوأمريكية ويتكرر صدامها الحتمي مع شعوب المنطقة والإقليم.. ولعل ترامب ونتنياهو بحاجة لمن يذكرهم بما قالته غولدا مائير "رئيسة وزراء إسرائيل السابقة", عندما أرغمها وزير خارجية الولايات المتحدة السابق كيسينجر على وقف إطلاق النار خلال حرب تشرين الأول 1973:"ما أصغرنا أمام الكبار، وما أضعفنا أمام الأقوياء " !..