Menu

عوامل صعود التيار الاشتراكي الديمقراطي في الولايات المتحدة

عبدالله جناحي - باحث وكاتب سياسي / البحرين

نشرت مجلة (الفراتس) الإلكترونية، مقالاً مطولاً بقلم الباحثة المصرية هبة أنيس بعنوان (عبير قواس ومسار الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا: من هامش السياسة إلى المؤسسات)، تضمن مقابلة مع النائبة عبير قواس، الناشطة التي انتقلت بعد سنوات من العمل المجتمعي إلى خوض معركة انتخابية انتهت بفوزها في الانتخابات التمهيدية لمجلس شيوخ ولاية نيويورك في كوينز. وذلك ضمن قائمة منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في الحزب الديمقراطي والتي جرت في يونيو 2026،

في سياق هذه المقابلة، يستشف المرء أهمية هذه التجربة الشخصية لمواطنة أمريكية من أصل أردني، والتحولات التي حدثت في الحزب الديمقراطي الأمريكي، وصعود التيار الاشتراكي الديمقراطي واليسار داخل هذا الحزب. وقد قَدَّمَ هذا المقال، معلومات ثرية من واقع تجربة عملية لمرشحة تمثل هذا الجيل من الشبابي الأمريكي الصاعد. حيث أشار إلى أن منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين تعمل مستقلةً عن الحزب الديمقراطي، ببرنامجها وتنظيمها الخاصين. ويتيح هذا المسار المستقل لمرشحي التيار المنافسة في الانتخابات التشريعية والرئاسية، دون تبنيهم بالضرورة، مواقف القيادة التقليدية للحزب الديمقراطي الأمريكي. ولهذا يخوض الاشتراكيون الديمقراطيون في كثير من الأحيان الانتخابات التمهيدية في مواجهة مرشحين ديمقراطيين حاليين. وفي سياق هذا المقال/المقابلة، تطرقت الباحثة هبة أنيس إلى أهم العوامل التي أدت إلى صعود هذا التيار الاشتراكي الديمقراطي في حزبٍ أمريكي ذي توجّهات رأسمالية عملياً، ورأسمالية ليبرالية ذي نكهة اجتماعية نظرياً.

العامل الأول: كيف تحول الإحباط والفشل إلى تفاؤل وانتصار؟

لقد توّج الصعود الأخير للاشتراكيين الديمقراطيين مساراً تراكمت فيه الانتصارات والانتكاسات، وتزامن مع تغييرات أوسع في المزاج السياسي والاجتماعي الأمريكي. حيث شهد- ابتداءً - هذا التيار خسارة أبرز وجوه الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، سباقيهما للكونغرس، وهما؛ كوري بوش وجمال بومان، وذلك بالتزامن مع استمرار الحرب الصهيونية على غزة، وبالتالي احتدام الصدام في الجامعات الأمريكية بين مطالبي الجامعات والإدارة الأمريكية بوقف الدعم غير المشروط "للثكنة الاستيطانية الصهيونية" في فلسطين، والدعوة لوقف إطلاق النار، ومؤيدي هذه "الثكنة" الذين اعتبروا المظاهرات معاديةً للسامية. أنفقت جماعاتٌ مؤيدةٌ "للثكنة"، وعلى رأسها لجنة "إيباك" الأمريكية الصهيونية، مبالغ طائلة ضد الحملتين.

(ملاحظة: سأستخدم في مقالي هذا تسمية "الثكنة الاستيطانية الصهيونية" بديلة عن تسمية "إسرائيل" حيث اعتبرها اكثر دقة حتى من مصطلح "الكيان الصهيوني").

في تلك الفترة كان جيل من الشباب الأمريكي الذي أصابه الإحباط من عجز نظامه السياسي حتى عن الاعتراف بدوره فيما يحدث في غزة وتحمل مسؤوليته. وشعر كثيرون بأنهم يخسرون معاركهم السياسية من دون أن ينجحوا في تغيير هذا الواقع: كان مرشحو هذا التيار الاشتراكي الديمقراطي من هذا الجيل الجديد؛ يجلسون ويقولون (لا يمكن أن تكون هذه حياتنا). ومن ناحية أخرى، رأى الجيلُ نفسُه تراجعَ فرصِه في بناء مستقبل مستقر داخل الولايات المتحدة. يعيش هذا الجيل تحولاً تزداد فيه الحياة صعوبة بدل أن تتحسن، وتتراجع فيه توقعات الناس بشأن مستقبلهم. وكانوا يربطون هذا القلق الاقتصادي بفشل سياسي أوسع، وهذا ما ساهم في صعود التيار الاشتراكي. فإذا عجزت المؤسسة السياسية التقليدية عن الاستجابة لما يراه جيلها أمامه من فظائع في غزة، فإن ذلك يطرح سؤالاً آخر عن قدرتها على الاستجابة لأزماته داخل أمريكا.

ومن تداخل المسارين الاقتصادي والسياسي، تفهم هذا الجيل جوهر الخلل في هذه اللحظة الراهنة، إنه نتاج "تركيبة من فشل سياسي كامل من جهة، ومن رؤية إبادة مستمرة في فلسطين من جهة ثانية". لقد كانت بداية صحوة التيار الاشتراكي الأمريكي في حملة بيرني ساندرز للانتخابات الرئاسية. حيث أدت النجاحات الكبيرة لحملة بيرني ساندرز في 2015-2016 إلى تحويل الفكر الاشتراكي الى قوة جاذبة للشباب الأمريكي، الأمر الذي ساهم في مضاعفة قاعدة منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين من 6,500 عضو في 2014 إلى 24,000 في 2017. وكان فوز الاشتراكية ألكسندرا أوكاسيو-كورتيز على عضو الكونغرس الديمقراطي البارز جو كراولي في ولاية نيويورك حدثا بارزا حيث أثبت التيار الاشتراكي أن بإمكانه الفوز بمقاعد نيابية عن الحزب الديمقراطي.

وقد جاءت "القفزة النوعية" لانتعاش ونمو هذا التيار، في حملة ممداني التي أصبحت دليلاً على إمكانية تحويل حالة "الغضب والإحباط لدى قطاعات من الناخبين إلى قوة انتخابية". حيث أن الناس، بعد فترة طويلة من الاحتجاج والشعور بأن شيئاً لا يتغير "احتاجوا إلى مكان إيجابي يضعون فيه طاقتهم"، وإن كثيرين تطوعوا في الحملة بعدما أمضوا سنتين من النضال من دون تغيير ملموس. كانت فلسطين جزءاً من قدرة الحملة على استقطاب من رأوا في ممداني مرشحاً حافظ على موقف متسق من الحرب في غزة والاحتلال، وطرح علناً مواقف غير معتاد سماعها من مرشحين ينافسون على مناصب مهمة. لذا أظهر فوز ممداني أنّ بعض المواقف التي عُدّت "مخاطرة انتخابية" لا تحول بالضرورة دون وصول المرشح إلى منصب كبير، وكسر افتراضات سابقة عمن يستطيع أن يصبح سياسياً، وحجم المال والعلاقات التي يحتاج إليها المرشح، وكذلك حدود ما يستطيع قوله علناً. وبالتالي أصبح فوز ممداني دافعاً قوياً وإلهاماً معنوياً للآخرين إلى خوض الانتخابات. ولقد اكتشف متطوعو حملات هؤلاء المرشحين عندما كانوا يطرقون آلاف الأبواب، حيث وجدوا حماساً لمواقف عُدَّت طويلاً مخاطرة انتخابية. سأل بعض الناخبين مثلاً "هل مرشحكم هذا ضد الإبادة؟ نعم؟ رائع". وتحمس آخرون لكون هؤلاء المرشحين الشباب من تيار الاشتراكية الديمقراطية. وحتى لو لم يكونوا منخرطين في التيار أبدوا ترحيباً بوجود مرشحين يتحدون المؤسسة السياسية الرسمية.

ويعلق المقال/المقابلة بأن هذا الإقبال على مرشحي التيار، لا يعني أن الناخبين تبنوا فجأة أفكاراً لم تكن موجودة من قبل. فما تغيّر هو استعداد أعداد أكبر منهم للانخراط السياسي بعدما ازدادت أوضاعهم المعيشية صعوبة فيما استمر السياسيون في تقديم الإجابات التقليدية نفسها. لقد تلمس هؤلاء المرشحون هذا الشعور في أحاديثهم اليومية، سواء في الحافلات أو سيارات الأجرة. فالعاملون في قطاعات مختلفة يواجهون ضغوطاً متزايدة، بينما تتركز الثروة لدى نسبة محدودة من المجتمع. لذا وجد الناس أنفسهم متعاطفين مع السياسات التي يطرحها التيار الاشتراكي الديمقراطي.

العامل الثاني: البنية التنظيمية للحزب الديمقراطي الأمريكي:

يضيف الصحفي المتخصص في الشؤون الأمريكية محمد السطوحي في المقال/المقابلة، المشار إليها أعلاه، بأن هناك عاملاً آخر لتفسير تأخر تحوّل الاشتراكيين الديمقراطيين إلى قوة مؤثرة، هو طبيعة العملية السياسية داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فقد ظلّت المؤسسة التقليدية للحزب هي المهيمنة، وساد تصوّر أنّ نجاح الحزب يتوقف على ترشيحه معتدلين. ووفقاً لهذا المنطق، يمكن أن تتنافس التيارات المختلفة خلال الانتخابات التمهيدية، لكن عليها عند الوصول إلى الانتخابات العامة الالتفاف حول مرشح المؤسسة أو المرشح الوسطي حتى لا يحصل الجمهوريون على فرصة للفوز. ولا يزال هذا المنطق حاضراً. ففي الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيغان، واجه عبدول (عبدالرحمن السيد)، المرشح المدعوم من اليساري ساندرز، منافسة من عضو مجلس النواب هالي ستيفنز، التي حظيت بدعم قطاعات من المؤسسة الديمقراطية. وشككت حملتها قبل الانتخابات في قدرة مرشح يساري مثل السيد على الفوز في الانتخابات العامة في ولاية متأرجحة لو فاز في الانتخابات التمهيدية، وحاولت إثناء المصوتين على التصويت له على هذا الأساس. وفي النهاية، تمكن السيد من تجاوز هذا الاعتراض وفاز بالترشيح الديمقراطي في أغسطس 2026، في نتيجة منحت اليسار دفعة مهمة.

ويستعيد السطوحي تجربة الانتخابات الرئاسية لسنة 2016م. حيث بدأت معركة هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز لمن سيكون مرشح الحزب في الانتخابات العامة. إذ رفض قطاع من الناخبين اليساريين دعم كلينتون مع أن فرصها في الفوز كانت أكبر، واعتبر بعضهم أنها سرقت الانتخابات التمهيدية، وامتنعت نسبة كبيرة منهم عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ويبدو بأننا سنشاهد سيناريوهات مختلفة في الانتخابات العامة القادمة، ولعل موجات "رفرفة جناحَي الفراشة"، ستصل ليس فقط للداعمين لهذا التيار في الحزب الديمقراطي، بل قد تمتد لحسم الخيارات حتى بين المرشحين المتنافسين في الحزب الجمهوري.

العامل الثالث: الإبادة الجماعية في غزة، رافعة للتيار الاشتراكي الديمقراطي:

لقد كشف الصراع الفلسطيني الصهيوني البنية العنصرية والإيديولوجية للثكنة الاستيطانية الصهيونية التي كانت تتبجح بأنها الأكثر ديمقراطية في وسط العرب المتخلفين الاستبداديين. وإنها تؤمن بالأفكار التقدمية. فالفرز الذي حصل بين التقدمي التحرري من جهة، واليميني العنصري من جهة ثانية، تجلّى في انحياز كافة القوى التقدمية واليسارية مع الشعب الفلسطيني ونضاله العادل، والانحياز الواضح لكافة الأنظمة اليمينية والرجعية مع هذه الثكنة الصهيونية وممارساتها الوحشية. وهذا ما تجلّى في الولايات المتحدة في وقتنا الراهن. حيث انبثق التيار الاشتراكي الديمقراطي الذي ربط برنامجه الداخلي بدعم الشعب الفلسطيني ورفض الدعم الحكومي الأمريكي للثكنة الصهيونية من الأموال الضريبية الذي يدفعها المواطن الأمريكي. هذا التيار، لأنه رفع راية التقدمية واليسارية، فعضوياً وجدلياً انحاز لفلسطين، وذلك من جوف حزب أمريكي غير يساري وغير تقدمي كان منحازاً -ولا يزال- للصهيونية المتوحشة. ولذلك، فإن الحرب في غزة بعد عملية الطوفان النوعية، دفعت صعود التيار اليساري إلى مرحلة جديدة، بالتزامن مع اتساع الحراك داخل الجامعات، وتصاعد الانتقادات للإدارة السابقة برئاسة جو بايدن وقيادة الحزب الديمقراطي واتهامها "بالمشاركة في الإبادة الجماعية". وترسخ لدى قطاعات من اليساريين تصوّر بأنّ الحزب الديمقراطي لا يمثلهم بالضرورة، فبدأوا يتحدثون بلغة سياسية مختلفة ويسعون إلى دعم مرشحيهم بأنفسهم. وكان انتخاب ممداني أبرز تعبير عن هذا التحوّل.

ويشير المقال الآنف الذكر بأن هذا التيار، ولأنه ارتبط بالقيم اليسارية والتقدمية، فهو طبيعيا اندمج وتسامح ودعم مع التنوع الديني والعرقي في أمريكا-على الأقل في بعض مدنها- لذا، فنموذج ممداني بدأ يتكرر في ولايات أخرى. ففي كاليفورنيا، فازت عائشة وهاب، عضو مجلس شيوخ الولاية والمرشحة اليسارية، في أغسطس 2026 بالانتخابات الخاصة لشغل مقعد الكونجرس الذي استقال منه النائب إريك سوالويل في أبريل 2026، متغلبة على منافستها الديمقراطية ميليسا هيرنانديز. وجاء فوزها بعدما واجهت، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" في أغسطس 2026، إنفاقاً كبيراً من جماعات خارجية دعمت منافستها.

ويبدو ظهور هذه الشبكة من المرشحين في نيويورك وخارجها تتويجاً لمسار بدأ قبل أكثر من أربعة عقود، تنقل فيه التيار الاشتراكي بين الهامش السياسي ولحظات من الصعود والانتكاس، قبل أن يجد طريقاً أوسع إلى الانتخابات.

إن أغلبية المترشحين من قائمة المنظمة الاشتراكية الديمقراطية في الحزب الديمقراطي الأمريكي قد نشأوا في مجتمعات مرتبطة بالمهاجرين، وعايشوا عن قرب التمييز والتضييق الممارس بحق أهاليهم. وكانت لهذه البيئات والظروف دورها الواضح في الانحياز نحو السياسات اليسارية، والعمل مع منظمات تعمل على إصلاح سياسات الهجرة، وفضح التمييز المسكوت عنه المطبق على الأصول والأجناس غير الأنجلوسكسونية. وعلى صعيد الوعي السياسي تجاه القضية الفلسطينية، فقد كانت هذه الشريحة الشبابية تشاهد وتسمع وتراقب السياسيين الرسميين في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والإعلامية والحزبية، عن مواقفهم تجاه ما يجري في فلسطين. مما جعلهم يدركون "إلى أي مدى لا يهتمون فعلاً بحياة الناس داخل مدنهم، فما بالك عدم اهتمامهم بالشعوب الأخرى، بما فيها الشعب الفلسطيني" حيث كانت النخبة السياسية المتحكمة في مصير الأحزاب يرفضون اتخاذ مواقف قد تضر بمسيرتهم السياسية. لذا، وأمام وجود حملات انتخابية مستعدة رفع شعارات رفض الإبادة الصهيونية للشعب الفلسطيني، والتي كانت تمثل "انتحاراً سياسياً" لأي مترشح في أمريكا، تغيرت المسارات. وهذا التغير قد بدأ بتراكمات أولية غير مرئية، ما لبث أن تحولت نوعياً. ففي سنة 2017 انطلقت حملة "خضر اليتيم"، القس والناشط الفلسطيني الأمريكي وعضو منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين، الذي خاض الانتخابات التمهيدية لمجلس مدينة نيويورك عن منطقة "باي ريدج" بدعم من المنظمة. حيث كان ممداني وبعض المترشحين الآخرين منخرطين في هذه الحملة. ورغم خسارة اليتيم الانتخابات، لكن بقيت شعارات الحملة المؤيدة للشعب الفلسطيني في الذاكرة الجمعية، بل وأصبحت "بوصلة" الحملات الانتخابية التالية. وبالتالي، تحول هذا النشاط إلى نموذج العمل السياسي المختلف عن النماذج السابقة، والذي جمع ناشطين ومنظمين ينقلون القضايا التي يعملون عليها خارج المؤسسات إلى داخل الحملات الانتخابية.

وهكذا يمكن القول بأن مآلات، وموجات "رفرفة جناحَي الفراشة" من طوفان الأقصى، قد وصلت إلى عقر دار الإمبريالية الأمريكية، فبعد أن كان طرح حقوق الشعب الفلسطيني في الانتخابات الأمريكية موضوعاً محظوراً، ومحاربة بربرية "الثكنة الاستيطانية الصهيونية" في فلسطين خطًا أحمر لا يمكن الاقتراب منه، أصبحت القضية الفلسطينية عاملاً جذابًا وضروريًّا في إنجاح المرشح اليساري الأمريكي.