الانتخابات حق أصيل لا منّة فيه
اختيار الفلسطينيين لممثليهم في الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني حق أصيل لا يسقط بالتقادم، واستحقاق وطني وديمقراطي لا يجوز تعطيله أو الالتفاف عليه أو مقايضته بأي اعتبار. فالشعب الذي يدفع أثمان القرار السياسي من دمه وأرضه ومستقبله هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تحديد من يمثله وكيف يُدار شأنه العام.
غير أن قيمة هذا الاستحقاق لا تُقاس بمجرد إجرائه، بل بالأسس التي يقوم عليها والبيئة التي يجري فيها. فصندوق الاقتراع الذي يُنصب في غير موضعه، أو في ظروف تفتقر إلى الحرية والنزاهة والشمول، لا يمنح الشرعية بل يستهلكها، ولا يجمع الفلسطينيين بل قد يدفعهم أبعد في اتجاه الانقسام.
انتخابات تُوحِّد ولا تُفرِّق
المطلوب انتخابات تقوم على أسس وطنية جامعة، تصون التعددية السياسية وتكرّس مبدأ الشراكة، ولا تتحول إلى أداة لإقصاء طرف أو لتثبيت هيمنة طرف آخر. فالتعددية ليست ترفاً ديمقراطياً، بل هي ضمانة الصمود في مشروع تحرري يواجه أعتى أشكال الاحتلال والاستيطان، ولا يحتمل أن يُدار بمنطق اللون الواحد.
والمطلوب كذلك انتخابات تُجرى في ظروف وبيئة سياسية وأمنية تمنحها أرضية صلبة، وتعيد الاعتبار للنظام السياسي الفلسطيني بمؤسساته كافة، وتحفظ كيانية منظمة التحرير الفلسطينية ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني أينما وُجد، في الوطن والشتات. فإما أن تكون الانتخابات مدخلاً لإنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي، وإما أن تُرجأ حتى تتوافر شروط ذلك، لأن انتخابات تُعمِّق الانقسام أسوأ من غيابها.
قرار التأجيل: ترحيب مقرون بالمسؤولية
من هذا المنطلق، نرحّب بقرار تأجيل الانتخابات المستند إلى مبادرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، القائمة على إطلاق حوار وطني شامل يمهّد البيئة لإجرائها على أسس سليمة. وهو قرار يعكس قراءة مسؤولة للمشهد، ويؤكد أن الاحتكام إلى الصندوق لا يكتمل إلا باحتكام مسبق إلى الإجماع الوطني على قواعد اللعبة وضماناتها.
والترحيب هنا ليس تسليماً بالتأجيل ولا تبريراً له، بل رهان على أن يكون ما بعده مختلفاً عمّا سبقه. فتجربتنا مع الحوارات المتكررة علّمتنا أن الحوار الذي لا تحكمه إرادة سياسية وأدوات تنفيذ يتحول إلى غطاء لإدارة الانقسام لا لإنهائه. ولذلك فإن الترحيب بالقرار هو في جوهره التزام بمتابعته ومساءلة كل من يتخلف عن استحقاقاته.
من القرار إلى الفعل: لا مكان للمماطلة
المرحلة المقبلة لا تحتمل بيانات النوايا ولا الوعود المفتوحة. المطلوب الانتقال الفوري من القرار إلى الخطوات العملية، وهذا يعني:
جدولاً زمنياً واضحاً ومعلناً للحوار الوطني الشامل، بمحطات محددة ومواعيد لا تُترك لتقدير أي طرف منفرداً.
آليات متابعة وتنفيذ ملزمة لمخرجات الحوار، تضمن ألا تبقى التفاهمات حبراً على ورق.
مشاركة حقيقية لجميع القوى والفصائل والمؤسسات والفعاليات المجتمعية، بلا إقصاء ولا اشتراطات مسبقة تُفرغ الحوار من مضمونه.
وضوحاً في الأجندة، بحيث تشمل قواعد العملية الانتخابية وضماناتها، والمرجعيات الوطنية، وسبل التعامل مع القيود الميدانية.
إن نجاح الحوار لا يُقاس بعدد جلساته ولا بحسن بياناته، بل بقدرته على إنتاج ما يمكن البناء عليه على الأرض.
الواقع الميداني: حقيقة نواجهها لا ذريعة نتوارى خلفها
لا يمكن لأي حوار وطني أن يتجاهل الواقع الذي يعيشه شعبنا. ففي قطاع غزة حرب إبادة خلّفت دماراً هائلاً وموجات نزوح متكررة وانهياراً في مقومات الحياة، وفي الضفة الغربية بما فيها القدس عدوان متواصل يتجسد في الاقتحامات والاستيطان والاعتقالات والتضييق على الحركة والعمل السياسي. وهذه الظروف تفرض تعقيدات جدية على أي عملية انتخابية، ولا يجوز التقليل من شأنها.
لكننا ندرك في الوقت نفسه أن هذا الواقع لن يتبدل جذرياً في المدى المنظور. ومن الخطأ أن نبني قرارنا الوطني على رهان تبدّله، فمن يعلّق حقوقه على متغيرات لا يملك التحكم بها يتنازل عن دوره لصالح من يصنع الوقائع بدلاً منه. المطلوب ألا نسأل متى تتحسن الظروف لنتحرك، بل كيف نتحرك ونحن نعيش هذه الظروف.
ومن هنا، فإن على الحوار الوطني الشامل أن يجيب عن سؤال المواجهة: كيف نتعامل مع الإجراءات الأمنية والقيود الميدانية وتعقيداتها، وما الآليات العملية للتغلب عليها؟
حين يحاول الاحتلال التعطيل: معركة سياسية بصف واحد
علينا أن نتوقع، لا أن نفاجأ، بأن يحاول الاحتلال تعطيل الانتخابات في ساحة أو أكثر، وفي مقدمتها القدس، عبر المنع والاعتقال والتضييق ومصادرة الحق في الترشح والاقتراع. وهذا بحد ذاته ليس مبرراً لتأجيل جديد ولا فرصة لتكريس الانقسام، بل هو ميدان اشتباك سياسي يجب أن نخوضه موحدين.
فتحويل محاولات التعطيل إلى معركة سياسية وقانونية وشعبية ودبلوماسية يتطلب أن يتفق الفلسطينيون مسبقاً، لا بعد وقوع المنع، على:
بدائل وطنية تحفظ حق المواطنين في الترشح والاقتراع في كافة أماكن التواجد الفلسطيني، وفي القدس على وجه الخصوص، بحيث لا يتحول أي منع إلى حرمان فعلي.
خطة موحدة للتحرك مع الأطراف العربية والدولية، لتوفير الحماية والضمانات اللازمة لإجراء الانتخابات وكشف أي عرقلة وتحميل مسؤوليتها لمن يقف خلفها.
أدوات قانونية وإعلامية وشعبية جاهزة للاستخدام الفوري، تجعل كل محاولة تعطيل كلفةً سياسية على الاحتلال بدلاً من أن تكون هزيمة لنا.
وحين يدرك الاحتلال أن منعه لن يُنتج تأجيلاً ولا انقساماً، بل مزيداً من الإصرار الفلسطيني والضغط الدولي، تتراجع قدرته على استخدام التعطيل سلاحاً.
«مجلس السلام» وغزة: موقف وطني لا يحتمل الالتباس
في قلب هذه التحديات تبرز الترتيبات المفروضة على قطاع غزة، وفي مقدمتها ما يسمى «مجلس السلام». وهي ترتيبات لا تنفصل عن مصير الانتخابات، لأن أي إدارة بديلة تُفرض على القطاع تمس جوهر الحق في التمثيل، وقد تتحول إلى أداة لفصل غزة عن بقية الوطن وتكريس واقع سياسي وإداري مختلف عن الضفة والقدس.
ولذلك على الحوار الوطني الشامل أن يخرج بموقف موحد وصريح منها، يقوم على:
رفض أي وصاية أو إدارة بديلة عن التمثيل الفلسطيني، والتمسك بوحدة الأرض والشعب والنظام السياسي في الضفة والقطاع والقدس.
التأكيد على مرجعية المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وعلى أن القرار في نهاية المطاف للشعب وممثليه المنتخبين.
تحديد كيفية التعامل مع الواقع القائم بما يخدم أولوية الإغاثة وإعادة الإعمار وحماية أهلنا، دون أن تتحول هذه الأولوية الإنسانية إلى غطاء لتمرير ما يمس وحدة التمثيل.
ضمان ألا تصبح هذه الترتيبات عائقاً أمام الانتخابات أو ذريعة لاستبعاد غزة منها.
فالموقف الذي نحتاجه ليس رفضاً شكلياً يتجاهل معاناة الناس، ولا قبولاً مجانياً يفرّط بالحق السياسي، بل موقف وطني ناضج يحمي أهلنا ويحفظ وحدتنا في آن واحد.
خاتمة: محطة في طريق الوحدة لا غاية في ذاتها
الانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل محطة في مسار استعادة الوحدة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والتمثيل الحقيقي. وإذا أُحسن استثمار الحوار الوطني بإرادة سياسية صادقة وخطوات عملية وموقف موحد من التحديات، أمكن تحويل لحظة التأجيل من محطة انتظار إلى نقطة انطلاق جديدة.
أمام الفلسطينيين اليوم خياران: أن يتركوا الواقع المعقد يفرض عليهم أجندته ويُبقي الانقسام قائماً، أو أن يتعاملوا معه بوعي ومسؤولية، فيحوّلوا التحديات إلى أدوات توحيد، والعراقيل إلى معارك سياسية يخوضونها بصف واحد. وبين الخيارين، فإن الطريق الوحيد الجدير بتضحيات شعبنا هو الذي ينتهي بإنهاء الانقسام وإعادة الكلمة لأصحابها: الشعب الفلسطيني وممثليه المنتخبين.

