Menu
أوريدو

تأريخ آخر لفلسطين: غسان كنفاني وتحريض التاريخ

غسان كنفاني

رلى ابو دحو

ان تحاول البحث عن غسان كنفاني على ارفف المكتبات، او عبر الانترنت فهي من أسهل المسائل، فكنفاني حاضرا بقوة في ذاكرة الكثيرين، في مواقع وصفحات الاحزاب، والمنتديات الثورية، وايضا بأكثر من لغة عالمية. وأيضا عندما تبحث في الصفحات البحثية المتخصصة تجد كنفاني، لن يكون من الصعب ان نجد مائة تحليل ادبي لرجال في الشمس او عائد الى حيفا، وبدرجة اقل ام سعد وما تبقى لكم. وفي الصفحات السياسة سنجد كنفاني في الفكر الصهيوني وثورة 36-39. ويمكن ان نذهب ابعد الى اقصى الشرق لنرى في جامعة طوكيو قسم عن دراسات غسان كنفاني. وان تبحث في كتب وصفحات التاريخ، ستجد كنفاني اسما آخر لشهيد فلسطيني اغتالته الموساد الاسرائيلي.
هنا، سأحاول القفز عن الادب والسياسه نحو التاريخ ليس لأنه منفصل عنهما، ولكن هو وجه آخر وقراءة أخرى لغسان كنفاني ولفلسطين عبر بوابة الادب وليس احداث التاريخ الجامدة التي نتلقنها في المدارس الرسمية. ورغم ان المعظم تحدث عن روايات كنفاني وارتباطها بالتاريخ، ولكن السؤال الذي ينتصب امامي لماذا كنفاني، وما أهمية من يكتب التاريخ وكيف تكون القراءة مختلفة عن ما هو مكتوب ومحكي في الرواية التاريخية الرسمية. هذا بعض ما ستوضحه عناوين الدراسة المخلتفة. فالورقة ليس في تحليل ادب كنفاني ويوجد منه الكثير، بقدر ما هي الاجابة عن كيف يكون التاريخ مختلفا عندما يكون المؤرخ هو ايضا مختلف عن المؤرخين وكتبة التاريخ. 

في الثقافة،الأدب والتاريخ
يقول عبد الرحمن منيف(1993: 6) ان " ثقافة اي شعب تمثل السمات الاساسية التي تكون وجدانه، وتعكس مدى صلابته، وتحدد كيف يفكر ويواجه الازمات واخيرا كيف يعبر عن موقفه." وان كانت الثقافة كذلك فإن احدى اشكالها وتجلياتها وتعبيراتها يكون الادب والكتابة الادبية، حيث يشكل النص الادبي سواء كان شعرا او نثرا صورة عاكسه للواقع ومحاوره ولقضاياه المختلفة. والرواية تعد شكل من اشكال الوعي الاجتماعي وحسب تعبير لوكاش(1980) فهي تعد بمثابة وثيقة تاريخية عن عصر انقضى.
وبنظرة عن قرب لفلسطين، نرى في تصفح سريع ان الرواية الفلسطينية شكلت توثيق للتاريخ الفلسطيني تحديدا الرواية المعاصرة التي عايشت النكبة وما بعدها حتى اليوم وعالجت قضايا المراحل المختلفة من التشريد والتهجير الى المقاومة واسئلة الهوية، ويمكن ان نرى حتى في الدراسات الادبية تحقيب للرواية تبعا للتاريخ الفلسطيني ( الجيوسي، 1997). 
وان كانت الرواية العربية بشكل عام تحمل هذا السياق وهي قد سبقت الرواية الفلسطينية. فإن تاريخ الهزيمة لفلسطين يتحول هو ايضا تاريخ جديد للرواية العربية بشكل عام (دراج، 1996)، والفلسطينية بشكل خاص. بل ويذهب دراج في سرد علاقة التاريخ الفلسطيني بالرواية ليكتشف ان الرواية الفلسطينية خاصة بخصوصية الوضع الفلسطيني فهي ليست ادب فقط ولكن ايضا هي بمثابة التحريض على الواقع من اجل خلق مستقبل ايضا. وبهذا المعنى اضحت الرواية الفلسطينية وحسب تعبيره الدقيق:"بالمعنى المسيطر هي الرواية عن فلسطين- الفكرة، لا عن فلسطين – البشر" (دراج، 1992: 34)، وهذا يمكن ان نراه في روايات غسان كنفاني الذي عمل ان تكون فلسطين هي محور روايته في المكان والزمان وان كان البشر هم المعبرون عن هذه الفلسطين!. 
ان الرواية الرسمية للتاريخ لا تعمل ولا تساهم في اعطاء فرصة التعبير والتمثيل للشعب، وهنا يعتقد دراج(1996) على المستوى الفلسطيني بأن وعي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لم تستطع ان يأتي بجديد فكري ونوعي لأنه كان كجزء من الثقافة القائمة. بالمقابل فإن قضية فلسطين كما يعتقد Ashcroft (2004) من التعقيد ما تجعل الامور مختلفة في التأكيد على العلاقة ما بين الكاتب والواقع المعاش. لذا يبدو ان كنفاني اراد ان يخلق معادلة تساعده ان يخرج من ثوب الثقافة الرسمية ويرى خصوصية فلسطين بنفس الوقت، وقد يكون ذلك واضحا في كتابه ادب المقاومة فهو يعتبر من المهم لكي تسطيع ان تكتب عن فلسطين وعن المقاومة ان تكون جزءا منها( كنفاني، 1966)، فلا غرابة من ذلك وكنفاني كان جزءا منها. وان موقف الكاتب نفسه هو الذي يعكس بالضرورة موقفه. ولكن السؤال هو في المقاومة ولكن في اي موقع من المقاومة اي هل لموقع كاتب التاريخ اهمية من صياغة احداثه وتفسيراته المختلفة؟! 
اي ان الرواية الفلسطينية تقترن بالتأريخ لفلسطين ونكبتها وتشريد شعبها فمقاومتها الى يومنا هذا، وايضا الرواية تقترن بكاتبها، فليس كل من كتب عن فلسطين استطاع ان يجسد واقع ما يحدث. وليس كل من كتب استطاع ان يبشر بالقادم او يحرض عليه. قله هم من عبروا هذا الحد بين الحياة الشخصية للكاتب/ وموقفه، ورؤيته، وتحريضه على المستقبل. غسان كنفاني، محمود درويش، سحر خليفه، من هذه الاسماء التي استطاعت ببراعة جراج ماهر في فتح كوة لنا لنشاهد فلسطن ونكبتها وواقعها كما لو انها المرة الاولى وكما لو اننا نرى فلسطين بكل تداعياتها للمرة الاولى، وكأننا نرى انفسنا للمرة الاولى وبصورة مغايرة!. 
كنفاني مؤرخا من الموقع الآخر
يقول فالتر بنيامين حول فكرة التاريخ : "التاريخ هو موضوع لبناء معين المكان الذي لا يخلق من زمن متماثل وفارغ، انما- بذلك يكون مملوءا بالحاضر". ويضيف انها" قفزة النمر في الماضي، تحت السماء الحرة للتاريخ، هي تلك القفزة الديالكتيكية التي هو الثورة في فهم ماركس"( بنيامين، 1985 :203).
ويبدو ان تاريخ كنفاني مملوءا بحاضر وواقع الفلسطيني وكنفاني نفسه، واقع النكبة في 1948 والهزيمة في 1967 ورحلة اللجوء والمنافي والمقاومة، واخيرا مرساته التي رست على شاطئ المقاومة لتكون قفزته الديالكتيكية. وحين بدأ يكتب عن فلسطين، يبدو وكأن ملاك فالتر اخذ يلاحقه بقوة بين الماضي- التاريخ، والحاضر- اللجوء ولاحقا المقاومة. 
وبالتالي من يكتب التاريخ يؤرخ له ويحدد الاحداث والصياغات التي ستوضع تحت الضوء. من هنا تكمن اهمية كتابات وادب كنفاني ليس لأنها ارتبطت بالتاريخ الفلسطيني، ولكن لأنها ارخت للاحداث من موقع غسان كنفاني كلاجئ وكمقاوم كمثقف، وكصاحب فكر وايدولوجيا وانتماء طبقي. 
في كنفاني يتحول اللاجئون من مجرد ارقام في تقارير الامم المتحدة او في كتابات الباحثين، الى شخوص وحياة وقضايا، إلى وجه فلسطين ونكبتها ومقاومتها. وهذا ما لا نراه في كتب التاريخ عن فلسطين، هنا يحضرني مقوله المناضل الاممي يوليوس فوتشيك والذي قتل في زنازين النازية ابان الحرب العالمية الثانية حيث اعتبر ان التاريخ سيذكر القادة والعظماء، ولكن يعتبر هو ان معاناة اصغر الناس شأنا لا تقل بطولة عن هؤلاء القادة . وهنا كأن كنفاني حسم امره منذ البداية باتجاه هؤلاء " أصغر الناس".
ادب كنفاني: التقاط اللحظة التاريخية وانحياز لفلسطين وفقراءها
في هذا القسم ستتشابك الامور والقضايا بين التاريخ الشخصي لكنفاني، وادبه، وتاريخ فلسطين كأحداث حصلت. 
ان استعراض تاريخ كنفاني والذي يمكن الحصول عليه من مراجع كثيرة، تاريخ ليس لفلسطين فحسب، ولكن قد يفسر لنا هذا كيف ارخ لفلسطين من الموقع الاخر.
يقول كنفاني في مقدمة رويته "ام سعد" : " نحن نتعلم من الجماهير ونعلمها، ولكن يبدو لي اننا لم نتخرج بعد من مدرسة الجماهير". هكذا يعلن منذ اللحظة الاولى انحيازه التام للجماهير من الموقع الاخر للتاريخ - وإن كان هو نفسه الموقع الاساسي لصناعة التاريخ. والتقاط اللحظات الاولى وتكثيفها لدى كنفاني هي كثيرة في كتاباته، وهذا قد يكون من احدى النقاط الذي جعلت من ادبه مرآة عاكسه لتاريخ فلسطين!
راويته" ارض البرتقال الحزين" كانت اولى اللحظات فهي تصور وبدقة لحظة اللجوء، بين ان يكون الانسان في بيته ووطنه وبين ان يصبح لاجئا ويضيع الوطن. فاللحظة الاولى كانت له اللحظة التي صار فيها الفلسطيني لاجئ بين عشية وضحاها. وخلال فقرات قليلة يشرح فيها شكل اللجوء يصل كنفاني للحظة الحقيقة التاريخية ويدرك بمجرد الوصول الى لبنان بأن كل شيء تغير وتحولنا الى لاجئين : " وعندما وصلنا صيدا، قي العصر، صرنا لاجئين..." (كنفاني، 1987: 367).
في العام 1948 هو العام الذي كان على الانتداب البريطاني ان ينسحب لصالح دولة فلسطينية، شنت العصابات الصهيوينة هجومها الكبير- وبالتعاون والتواطؤ مع البريطانيين- على فلسطين ارتكبت المجازر ودفعت الناس للهرب واللجوء سواء عبر البحر، او البر مع حدود الدول العربية خاصة لبنان، النقطة الاقرب لمدن الساحل الفلسطيني( كناعنة، شريف، 1989) . وقد ادت النكبة الى تشريد حوالي 800 الف فلسطيني، حيث تحولوا في اقل من اسبوعين الى لاجئين. لقد تهدمت البنية الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين بسرعة فائقة، امحت قرى بأكملها عن الخارطة واليوم تعرف باسم القرى المدمرة ( الخالدي، 1997). وكان الفلسطينييون يعتقدون ان الخروج من المنزل مؤقتا، فسرعان ما ستدخل الدول العربية وتعيد الامور الى نصابها، فأخذوا ما استطاعوا على عجل لسفر لن يطول ومفتاح الدار في تأكيد للعودة مع دخول الدول العربية الى فلسطين، وفيما عززت بلاغات الجيوش العربية هذا الاعتقاد(شوفاني،1998)، كانت الحركة الصهيونية تضع أولى تواريخها الحديثة كدولة حيث اعلنت 15 ايار يوم الاستقلال واقامة دولة اسرائيل. 
في عام النكبة كان كنفاني ما زال طفلا لا يتجاوز 12 عاما، ولكن بعين الطفل استطاع ان يلتقط اللحظة ويعبر عنها بجرأة، كيف لا وهو الذي عاشها واصبح لاجئ في لبنان. يطلب منه ابوه في 15 ايار الخروج فجيوش الدول العربية ستدخل، وسيعودون، ولكن تحول المشهد الى مجرد ركض ولهاث وراء السيارات التي اعتقدوا خطأً انها ذاهبة لرأس الناقورة، ولم يكن لا دخول للجيوش ولا عودة لللاجئين. هنا يلتقط كنفاني اللحظة ويكثفها " وانتهت السيارات فجأة.. وعدنا للدار منهوكين نلهث بصفير خافت.. وكان ابوك صامتا لا يتكلم، وكنا نحن ايضا لا نقوى على الكلام.. وعندما اضاءت وجه ابيك سيارة عابرة كانت الدموع تملاْ وجنتيه... بعدها، مضت الامور ببطء .. لقد خدعتنا البلاغات ثم خدعتنا الحقيقة بكل مرارتها" (كنفاني، مصدر سابق: 370).
فيما حاولت الدول العربية ان تبرر الهزيمة وتقتسم ما تبقى حيث الحقت الضفة الغربية بالنظام الاردني فيما قطاع غزة ذهب للسيطرة المصرية. كان الفلسطيني في مواجهة مباشرة مع الحقيقة، ان لا عودة وان الجيوش العربية قد خذلته، هي لحظة المرارة بالنسبة لكنفاني. المرارة هي اللحظة والسمة التي ستدمغ كتاباته حتى انطلاق المقاومة الفلسطينية. 
لقد كانت ارض البرتقال الحزين ورجال في الشمس اولى كتابات كنفاني الروائية ولم يكن يتجاوز 23 عاما من عمره. 
واختار منذ اللحظة الاولى ان يكون في موقع اللاجئ وعين اللاجئ لا عين الجيوش والقيادات العربية التي خذلته. غسان اللاجئ الذي يتحول الى استاذ مدرسة في سن جدا صغيرة فيما يصارع ابوه المحامي من اجل توفير لقمة عيش للعائلة في اللجوء بين لبنان وسوريا، يدرك منذ اللحظة الاولى اللجوء القاسي بتفاصيله اليومية. ولكن وهو من موقع الاستاذ اي من موقع طبقي قد يبدو افضل من بقية اللاجئين اللذين يدرسهم في مدارس وكالة الغوث الدولية. ان موقعه لا يعّبر الا ان بعضا من الغباء وبعضا من التفاهة وبعضا من الانسلاخ عن واقع هو جزء منه، في رواته اطفال غسان كنفاني، يكتشف لحظة اخرى بالتاريخ: الفارق الطبقي وانعكاساته على اللاجئ، يطلب من طلابه ان يرسموا موزة وتفاحة، فلم يتمكن الاطفال من ذلك، وعندها ادرك ببساطة اللجوء المقترن بالفقر والواقع الطبقي المسحوق فالاطفال في مخيم اللاجئين بكل بساطة لم يشاهدوا تفاحة في حياتهم لأنهم لا يستطيعوا دفع ثمنها! اما الدرس الثاني الذي تعلمه ان الطفل عندما ينام في الدرس فهي ليست مسألة شخصية بينه وبين المعلم، ولكن لأنه ببساطه يعمل بعد الظهر حتى الليل يبيع الكعك ليعيل الاسرة فيأتي منهكا في الصباح للمدرسة، هو لا يكتشف فقط بل ويعلن انحيازه لكل هؤلاء الفقراء اللاجئين، لينتقل بعد ذلك من رواية الى اخرى يتحدث عن هؤلاء الفقراء من شعبه، اللذين قاتلوا من أجل ان لا تسقط فلسطين في أيدي العصابات الصهيونية، واليوم يصارعوا بالبقاء والاستمرار، ابطاله كلهم الناس والفقراء، لا النظام او القائد العظيم. " عن الرجال والبنادق" هي رواية تتحدث عن الفلاحين اللذين قاتلوا للدفاع عن القرى العربية، عن صفد والجليل وعكا:" الرجال الذين يزحفون تحت صدر العتمة ليبنوا لنا شرفا نظيفا غير ملطخ بالوحل" (كنفاني، المصدر السابق: 615).
في الخمسينات تسجل صفحات التاريخ لحظة اخرى للفلسطيني انها حالة الضياع التي عاشها الفلسطيني في اللجوء، ومحاولات البحث عن الحل وسط حالة من الهزيمة والاحباط الذي كان سائدا في تلك المرحلة. كنفاني الذي بدأ يخط خطواته الاولى في عالم الضياع ويهاجر الى الكويت من اجل العمل فيها، وبالمقابل يبدأ نشاطه السياسي وينضم لحركة القوميين العرب ويبدأ في الكتابه بقوة في الجرائد والمجلات يتحدث عن فلسطين وعن النكبة، ويفكك ويعيد تركيب الاحداث ويعطي ابعادا مختلفة في كل مرة لحالة الفلسطيني. يعيد مرة اخرى التقاط اللحظة التاريخية في روايته" رجال في الشمس" لا يكتفي بتكثيف النكبة ومأساتها، وحالة الضياع التي يعيشها الفلسطيني وفيها يحاول البحث عن حل فردي لمأساته كما هي حال ابطال الرواية اللذين ينتمون الى جيل النكبة. هنا كنفاني لا يشخص فقط حالة الفقر والضياع والانسحاق الانساني للفلسطيني اللاجئ. وهو منحاز له، ولكن ينتقل خطوة جديدة ليعلن لحظة قادمة. كنفاني ينشط سياسيا ويبدأ في بلورة افكاره ويسير بخطى ثابته لانحياز نحو الفكر الماركسي واليساري وفي جوهره طبقي وثوري. لينتقل من حالة البكائية والشكوى على الواقع في رواياته عن النكبة، الى ان يستبق اللحظة والتحريض على اللحظة القادمة. هنا كنفاني يخرج من حالة التوصيف الى حالة التحريض، رجال في الشمس تنتهي بالصرخة التاريخية التي يقف عندها كل قارئ ومحلل ودارس لكنفاني : " لماذا لم تقرعوا الجدران". من هذه اللحظة نكتشف قراءه جديدة لفلسطين ولكنفاني، ادب لا يؤرخ فقط ولكن يرفض واقع الحال ويحرض عليه. في قصته القصيرة ابعد من الحدود( كنفاني، المصدر السابق : 275-288) يرفض كنفاني واقع التشرد واللجوء ويحاول التمرد عليه يدرك ان فلسطين تحولت " لحالة تجارية" و"سياحية" وفلسطين اصبحت "للاستخدام السياسي" اي لخطابات الدول العربية، هكذا هو وضع اللاجئ في البلدان العربية. لكن مع الاكتشاف يبدأ فعل التمرد والذي يعتبره كنفاني لحظة الحقيقة" تيقنت اكثر من اية لحظة مضت بأنها كانت لحظة العقل الوحيدة في حياتي" (كنفاني، المصدر السابق: 280).
ان كانت رواياته ما بعد النكبة بطعم الهم، والاحباط والهزيمة المرة كما هي ارض البرتقال الحزين، رجال في الشمس، عالم ليس لنا... فإن اللحظة تتغير مع بدايات الفعل الثوري في منتصف الستينات ومن ثم بعد هزيمة 67. وهنا المفارقة في التاريخ. فإن كانت هزيمة النكبة حملت معها التشرد والضياع والتعامل مع الدول العربية كطوق نجاة ثم خيبة الامل. فإن الاحداث في الستينات سـتأخذ الوجهة الاخرى : التحدي والتمرد وبدايات العمل الثوري، ما هزيمة 67 الا موعد انطلاق علني وقوي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني المعاصرة. 
في هذه الحقبة كنفاني يتحول لعضو في حركة القوميين العرب، ومؤسس ورئيس تحرير لصحيفتها "الحرية" لاحقا اصبحت لسان الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. فمؤسس بعدها "للهدف" ويرأس تحريرها حتى استشهاده على ايدي الموساد الاسرائيلي في العام 1972. هذا الانحياز الفكري الماركسي والثوري يحول كنفاني لآلة عمل لا تكل ليل نهار ما بين الاجتماعات الحزبية، والكتابة في المجلة التنظيمية، والصحف اللبنانية، أما الاهم نضوج قلمه الادبي والروائي وغزارة انتاجه. تأتي رواية " ما تبقى لكم" لتحوز عن جدارة اعجاب النقاد من حيث كتابته وتحليله وربطه وتصويره لتعقيدات المسألة الفلسطينية. 
كنفاني: اللحظة التاريخية سقوط الاقنعه والانحياز لخيار المقاومة 
كنفاني في روايته القصيرة " ورقة من غزة وقد كتبها في العام 56 (كنفاني المصدر السابق :341-350) ، يحاول الوعي للذات ويطرح مفهوم للنهوض من الهزيمة وبلورة موقف، ورفض للهروب، ليطالب في نهاية القصة من البطل بالعودة، كما الحال في صرخة رجال في الشمس الاخيرة. كنفاني ينتقل في هذه المرحلة لمستويين التقاط اللحظة التاريخية المقترنه بوعي النكبة والهزيمة اولا، والانتقال الى موقع المحرض والمتمرد ثانيا. كيف لا! وحياته في تلك اللحظة كانت في حالة تحريض وتمرد وفعل سياسي وثوري. 
في العام 1962 يكتب قصته القصيرة "الاخضر والاحمر" وهي ضمن مجموعة ارض لبرتقال الحزين، يلتقط كنفاني لحظة النكبة ايار ولكن بعد 14 عاما ، فيعيد بناء الاحداث، وبالنهاية يتحرك وينحاز للموقف فيطلق تمردا جديدا، ينال الكثير من التحليل لدى الدارسين" لا تمت قبل ان تكون ندا" تلخص لحظة الهزيمة والاحساس بالضعف، ولكن التمرد عليه، والنضال. وهذا يرتبط بقوة بحياة كنفاني الذي تحول في تلك الفترة من عضو لقيادي في حركة القوميين العرب، ويخوض النقاشات الداخلية حول مسار الحركة نحو تبني الكفاح المسلح من اجل تحرير فلسطين، ويمكن ان نتلقى اشارات كثيرة لموقف كنفاني نحو الانحياز للنضال الثوري، فها هو يكتب في اهداءه لرواية ما تبقى لكم في العام 1962" الى خالد.. العائد الاول الذي ما زال يسير"، والمفارقة –الصدفة انه في العام 1963 يستشهد خالد ابو عيشه :اول شهداء حركة القوميين العرب /فلسطين- الجبهة الشعبية لاحقا. وخالد الاسم نفسه الذي استخدمه في روايته عائد الى حيفا في اشارة لابن سعيد. س الذي التحق بالثورة. وابو خالد هو اسم جمال عبد الناصر في زمن تصاعد المد القومي العربي.
ان القضية الفلسطينية التي تحولت الى مصدر خطابات وحالة تجارية وسياحية للدول العربية حسب تعبير كنفاني، تتوج بهزيمة العام 1967 وضياع البقية الباقية من فلسطين لصالح الاحتلال الصهويني. يومها سقطت كل الاقنعه وبانت الانظمة العاجزة عن تحرير اي شبر من فلسطين بل وتسببت في ضياع ما تبقى منها.
في عائد الى حيفا.. استطاع بقوة ان يلتقط اللحظة التاريخية ، لكن هذه المرة كنفاني لا يلتقط ما يحدث ولكن يعيد صياغته كما هو دون اقنعة وخطابات الزعامات وبعيد عن كتب التاريخ الرسمية. يعيد صياغة معاني مثل الوطن والانسان والمكان والهوية ويعترف بالحقائق، ايضا يحرض وينحاز للخيار الثوري. 
عائد الى حيفا كتبت في العام 1969، اي ما بعد الهزيمة بعامين، فتحت الحدود بين شقي فلسطين، والتقى الفلسطنيين الاقارب ببعضهم البعض، وعاد الكثيرون ليروا منازلهم التي تركوها، وهناك حكايات الذاكرة والالم والتحسر على الماضي، وايضا صعوبة اللحظة وادراك الهزيمة حينها ، في هذا العام كنفاني كان قد اصبح عضوا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية فصيل فلسطيني يساري ماركسي، ناطقا باسمها، ومؤسس ورئيس تحرير مجلتها "الهدف". وفي العام نفسه بدأ وديع حداد المسؤول العسكري للجبهة الشعبية سلسلة عمليات خطف الطائرات 1972. وفي العام 1969 ايضا يحدث التحول على منظمة التحرير الفلسطينية وتسيطر عليها الفصائل الفلسطينية حديثة التشكيل وعلى رأسها فتح وياسر عرفات، في بداية لمحاولة الخروج من تحت عباءة الانظمة العربية التي حاولت في العام 1964 احتواء العمل الثوري المتصاعد للفلسطينيين بأنشاء منظمة التحرير افلسطينية. والمفارقة الاخيرة في نفس العام 1969 تم اعطاء واضفاء الشرعية على المقاومة الفلسطينيه وسلاحها في لبنان في اتفاق القاهرة والذي رعاه وساهم به الزعيم التقدمي اللبناني كمال جنبلاط، ولتدخل المقاومة الفلسطينية في تحالف مع القوى التقدمية واليسارية اللبنانية ، كان كمال جنبلاد عمودها الفقري الاول. 
في هذا العام يكتب كنفاني "عائد الى حيفا" و"ام سعد" في ذروة عمله الثوري والسياسي والفكري يكتبها ليس فقط كأديب ولكن كمحترف ثوري عقائدي وماركسي، في الروايتين تختصر كل اللحظات التاريخية المهمة وتؤسس وتبشر بالقادم. 
عائد الى حيفا... تختصر اهم لحظتين تاريخيتين لفلسطين العام 1948 والعام 1967. يقرر سعيد .س بطل القصة وهو لاجئ من حيفا في رام الله بالعودة لرؤية منزله في حيفا بعد ان فتحت الحدود اي بعد الاحتلال الكامل لفلسطين. ورغم ان القصة عن احداث في العام 1967 الا ان احداث العام 1948 تسيطر عليها تماما. ولكن هذه المرة ليست كارض البرتقال الحزين، فيها طعم المرارة، ولكن فيها مواجهة الذات والحقيقة ومحاولة اسناد الظهر لا احناءه كما في وصف الرجال في رواياته التي كتبها قبل العام 1967. منذ لحظة دخوله الى مشارف حيفا يكتشف ان حيفا كما تركها قبل عشرين عاما! ورغم انه كان يعتقد وطوال العشرين عاما ان البوابة يجب ان تتفتح من اتجاه رام الله في اشارة لعودة اللاجئين وتحرير فلسطين، الا انها فتحت من الجهة الاخرى في اشارة لاحتلال كامل فلسطين الا ان تفتح من الاحتلال، كانت هذه اول لحظة حقيقة يواجهها و يحسم النتيجة مع ذاته مباشرة: ان فتح البوابة لا يعني انهاء الاحتلال: " ..طوال عشرين سنه كنت اتصور ان بوابة مندلبون ستفتح ذات يوم ،ولكن ابدا لم اتصور انها ستفتح من الناحية الاخرى. لم يكن يخطر لي على بال، ولذلك حين فتحوها هم بدا ان الامر مرعبا وسخيفا والى حد كبير مهين.. قد اكون مجنونا لم قلت ان كل الابواب يجب الا تفتح الا من جهة واحدة، وانها اذا فتحت من الجهة الاخرى فيجب اعتبارها مغلقة لا تزال، ولكن تلك هي الحقيقة (كنفاني، 1986: 343). انه الدرس الاول له بالتاريخ، فالابواب تفتح بالثورات لتسحق العدو خلفها وتصنع التحرير والانتصار ولكن بوابته فتحت من الجهة الاخرى اي من جهة العدو. لذا يحدد موقفه هذه المرة بوضوح فالبوابة بالنسبة له ما زالت مغلقة ما لم تتم مهمة التحرير بعد. 
اما لحظته ودرسه الثاني فكان ادراكه ان الصراع مع الاحتلال ليس مجرد خروج من البيت ليومين ثم العودة كما حصل في العام 48، بل انه معركة الهوية والوجود والحرب المفروضة على الفلسطيني، وهي سلسلة مستمرة، صراع على الارض، الارض اهم الاساطير الضهيونية المؤسسة " ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" يقول عن ذلك" لقد فتحوا الحدود فور ان انهوا الاحتلال فجأة وفورا، لم يحدث ذلك في اي حرب في التاريخ، اتعرفين الشيء الفاجع الذي حدث في نيسان 1948، والآن، بعد لماذا؟ لسواد عينيك وعيني؟ لا. ذلك جزء من الحرب. انهم يقولون لنا : تفضلوا انظروا كيف اننا احسن منكم واكثر رقيا. عليكم ان تقبلوا ان تكونوا خدما لنا، معجبين بنا.. ولكن رأيت بنفسك لم يتغير شيء كان بوسعنا ان نجعلها احسن بكثير.." (كنفاني، المصدر السابق : 344).
كنفاني في هذه اللحظة التاريخية يسقط الهالة العظيمة التي صنعتها الصهوينية حول نفسها وصدّقها الفلسطينيين والعرب، "بالنهاية هؤلاء ليسوا افضل منا!!!" وكان يمكن ان نصنعها افضل. نعم، فقد كانت حيفا عشية الاحتلال مدينة فلسطينية ساحلية جميلة ومتطورة فيها الميناء بوابة العبور للغرب والشرق، فيها انابيب النفط، فيها الكليات، والاندية والجرائد. وهي لم تتغير. اذن يحسم كنفاني خياره بثقة اننا يمكن ان نجعلها افضل، وقد يكون للواقع النضالي الذي يعيشه يعطيه كل هذه الدفعة.
الحوار طويل وجميل ومعقد على طول صفحات الرواية ويعكس المعضلة الاساسية في علاقة الاحتلال والفلسطيني مع الارض والمكان والزمان والهوية. لا يتسع المقام هنا لتحليل الرواية بكاملها ولكن نسجل هنا بعض اللحظات التاريخية والدروس بعد كل الحوار ما بين سعيد وابنه خلدون الذي تركه قبل عشرين عاما والان اصبح دوف اليهودي. 
"كان يجب ان لا نترك" اكتشف في لحظة واحدة وواضحة حقيقة وعبثية الجدل مع من كان ابنه، فالحوار تلخصه حقيقة القوة التي تصنع التاريخ. وبالتالي بالنسبة لكنفاني كان يجب ان نبقى "قوة نصنع التاريخ" ونغيره اي نبقى على الارض لا ان نصبح لاجئين. وان كل سنوات اللجوء العشرين ونحن نحاول ايجاد مبررات للهزيمة كلٍ على حدى، وكأن الحل الفردي هو افضل الطرق للهرب من مواجهة الحقيقة. الحقيقة التاريخية بالنسبة لكنفاني ان فلسطين ليست قضية فردية اي ليست مجرد طفل ترك قبل عشرين عاما، وانما هي قضية هوية ووطن وارض لا يملك ان تسترد بمجرد حوار بل تحتاج لنضال :" لقد اخطأنا حين اعتبرنا ان الوطن هو الماضي فقط، اما خالد فالوطن عنده المستقبل، وهكذا كان الافتراق، وهكذا اراد خالد ان يحمل السلاح. عشرات الالوف مثل خالد لا تستوقفهم الدموع المفلولة لرجال يبحثون في اغوار هزائمهم عن حطام الدروع وتفل الزهور، وهم انما ينظرون للمستقبل، ولذلك هم يصححون اخطائنا واخطاء العالم كله. ان دوف هو عارنا وخالد هو شرفنا الباقي ، الم اقل لك من البدء انه كان يتوجب علينا الا نأتي.. ان ذلك يحتاج الى حرب".(كنفاني المصدر السابق: 412).
فيما كان الفلسطينيون يتوجهون لرؤية منازلهم، كانت فلسطين تصحو على حقيقة الاحتلال بلا مواربة او هروب نحو صحراء الخليج!! ، هنا كنفاني يحسم امره، المسألة جماعية وليست فردية، جيل 48 جيل الهزيمة وتبريرها، ما اليوم فجيل 67 هو جيل الرفض والمقاومة، ومرة اخرى لا ينسحب كنفاني من روايته والقارئ دون ان يلقى تعويذته الاخيرة، وهذه المرة يود ان يعود لرام الله فيجد خالد وقد التحق بالمقاومة، اذن هي دعوة مفتوحه للكفاح المسلح والنضال الوطني وهي عودة للحظة التي انطلق منها العام 1967 حيث المقاومة الفلسطينية آخذه بالاتساع. ليس كثير من الكتاب امتلكوا الوضوح بالرؤية والصلابة والجرأة بالموقف كما امتلكها غسان. 
ام سعد... لحظة تاريخية من النقد الذاتي واقتران الثوري بالطبقي. منذ اللحظة الاولى كنفاني يشهر انحيازه الطبقي وموقفه عندما يكتب في الاهداء: " الى ام سعد، الشعب المدرسة". لم تعد الهزيمة لها طعم الذل، الطعم اليوم المقاومة وليست اية مقاومة انها الشعب. ومنذ الكلمات الاولى للرواية يعلن كنفاني لحظة حقيقة تاريخية اخرى، ان الواقع المعاش والحقيقة والمدرسة هي الجماهير المسحوقة في المخيمات :" لقد كان صوتها بالنسبة لي هو صوت تلك الطبقة الفلسطينية التي دفعت ثمن الهزيمة غاليا.. والتي تقف الآن تحت سقف البؤس الواطيء في الصف العالي من المعركة، وتدفع وتظل تدفع اكثر من الجميع". هذا الانكشاف في لحظة يعكس ليس فقط حقيقة ان الجماهير الفلسطينية الكادحة واللاجئة هي التي تدفع الثمن, ولا عجب ان المقاومة الفلسطينية تركزت في المخيمات، ولكن هي لحظة انكشاف يعترف فيها الفلسطيني المثقف بأن تشاؤم عقول المثقفين وترددهم، هو نقيصة امام الفقراء والكادحين الذين لا يملكون ولا يربون على الامل حسب تعبير محمود درويش. وصوت المثقف دائما حاضر في روايات كنفاني فهو سعيد س. وهو الاستاذ في اطفال غسان كنفاني، واليوم هو ابن العم في ام سعد. ففي الوقت الذي يعيش فيه انقباض وترقب وحالة من التوتر بسبب القصف ام سعد تأتيه بعرق داليه ناشف، وفيما هو غير الخبير بالارض والزراعة وانما بالكتب ومتابعة الاخبار لا يرى فيه الا عودا ناشفا، تدرك ام سعد بخبرتها وانتماءها للارض ان الدالية لا تحتاج لكثير من الماء وستبرعم. 
في رواية "ام سعد" لا يوجد مواربة لاية لحظة تاريخية هي رواية تحريضية بجدارة وهي رواية تعلن عن انتماء صاحبها وموقفه الطبقي والثوري. وهي تبشر بالمقاومة كطريق للتحرير، وهي تنتقل من انتظار ان تفتح البوابة كما في عائد الى حيفا، الى فتح البوابة ومن الجهة التي يعتقد كنفاني انها يجب تفتح.. من الحدود وعبر النضال، حيث يتسلل سعد ورفاقه في اولى عملياته العسكرية الى الارض المحتلفة – فلسطين. 
هي تحريضية حاسمة لا تحتمل اللون الرمادي، لونها بلون النضال وتعلن عن لحظة تاريخية يأخذ بها المكان والزمان بعدا آخر، على لسان ام سعد يقول كنفاني " خيمه عن خيمه بتفرق" لم يختلف النقاد والدارسين على تفسيرها فخيمة اللجوء ليست كخيمة الفدائيين، هذا صحيح ولكن في وضوحها السهل الممتنع، فهو ليس مجرد فرق بل هو اختصار اللحظة التاريخية بين النكبة واللجوء وبين التمرد والثورة ، بين ان تكون لاجئا ذليلا في الدول العربية تعمل وتنافس على لقمة العيش، وينظر اليك كغريب، وبين ان تنفض الهزيمة وتواجهها بحسم نحو التغيير ليس الفردي – الصحراء والخزان، وانما الجماعي- النضال والمقاومة. بين ان تنتظر لكي تاتي الجيوش العربية، وبين ان تقوم انت لتخترق الحدود. بين ان تظل طلية "عشرين عاما.. تصحو وتقول يارب". وبين ان يحسم الفلسطيني نفسه ويلتحق بالنضال" اذا لم يذهب سعد فمن سيذهب.."!!!
ام سعد ليست ككل النساء اللواتي نقرأ عنهن بالروايات، وام سعد ليست مجرد امرأة فلسطينية، هي صوت كنفاني وانحيازاته الطبقية والاجتماعية. لم يأتي المخيم بروايته عابرا ولم تكن ام سعد خيارا عشوائيا، كان انحياز فكري ايدولوجي نحو الطبقة الكادحة ونحو المرأة . عندما انطلقت فصائل المقاومة كانت اهم شعاراتها كل الجماهير في المعركة النضالية، فقامت فتح على سبيل المثال بعقد دورات اميّة سلاح في المخيمات الفلسطينية في لبنان في العام 1969 (ابو دحو، 2005). وفي هذا العام ايضا كانت امنيه دحبور وليلى خالد ورفاقهم من الجبهة الشعبية يخطو الدرب الى مدرج الطائرة بتوجيه من وديع حداد، فالجبهة الشعبية تبنت الفكر الماركسي والذي يؤمن ليس فقط بتحرير فلسطين، ولكن ايضا بالتحرر الاجتماعي والمرأة على رأس هذه الهرم من التحرر. فليس صدفة ان يختار كنفاني المرأة وهو المنحاز لها منذ بداية رواياته وهي التي تحملت صدمة النكبة اكثر مما تحمل رجالها (ارض البرتقال الحزين). 
هي ام سعد، امرأة، ومن المخيم، وكادحة، تعمل من اجل ان تعيل اطفالها فيما ابو سعد زوجها ما زال يتجرع ويلوك مرارة الهزيمة ويهرب نحو الدخان والقهوة. لم تتعلم ولكن لديها من التجربة الحياتية ما يضع ابن عمها- كنفاني في خانة المتردد والجبان امام خياراتها الطبقية والثورية والاجتماعية. فأم سعد ترفض ان تتسبب في طرد امرأة لبنانية من العمل فوحدة الهم الطبقي فوق اي اعتبار، وكأن في حالته يصرخ كنفاني " يا عمال العالم اتحدوا". كيف "تقطع رزقها" كلبنانية فقيرة، ولنا ان نذكر "ام سعد" كتبت في نفس العام الذي ساند به اللبنانيين التقدميين الثورة وساهموا باشهار علنيتها. ام سعد تدرك ان ذهاب سعد للمقاومة سيجعلها ترى فلسطين من جديد ويتغير واقع الحال، بل وتذهب ابعد من ذلك تود لو تشارك الفدائيين عيشتهم. واخيرا ام سعد، تغيرها الثورة ولكن بشكل فطري ولا يحتاج لكل معادلات ابن العم المثقف الذي يحسبها وفقا لتصريحات الراديو!! فتقرر ان تغير حجابها من ايام فلسطين بحجاب جديد- رصاصة ارسلها لها سعد من معسكره. اما اهم لحظة يعود فيها كنفاني مرة اخرى لأيام فلسطين فهي لحظة المقارنة بين جيل الآن والجيل السابق، بين سعد يحمل السلاح، وبين كل تلك القيادات والمخاتير التي لم تحرك ساكنا، بل ان تحركت فلكي تجهض عمل المناضلين. 
في العام 1935 كان القسّام يعلن التمرد ويبشر بالنضال من اجل استقلال فلسطين، في الارياف وفي الجبال، فيما كانت القيادات الفلسطينية التقليدية وعلى راسها الحاج امين الحسيني يحاول البحث عن طرق للحوار، وتجاهل دعوات القسام له بالالتقاء والنضال، بل ولقد تجاهلت القيادة العربية في البداية اسشتهاد عز الدين القسام واضطرت ان تركب الموجه اخيرا بعد حالة الالتفاف الشعبي في الريف الفلسطيني حول عز الدين القسام حتى بعد استشهاده، وذلك خوفا من ان يسحب البساط من تحت ارجلهم.
كأن كنفاني رصد اللحظة التاريخية في العام 1935، ورأها في التسينات مع محاولة احتواء النضال الوطني. ليدفعهم رزمة واحدة عبر ام سعد. " والان عبد المولى مرة اخرى؟ كيف يمكن لذلك ان يحدث" . مرة اخرى يختار كنفاني الحسم والتحريض على واقع لا يريده ان يتكرر. فالانظمة كانت تتأمر لسحق المقاومة، ففي العام 1968 بدأ التوتر بين النظام الادرني والمقاومة الفلسطينية انتهى في العام 1970 مع احداث جرش وخروج المقاومة الى لبنان. ولكن ايضا مع تصاعد التوتر بدا يظهر الاختلاف في الموقف السياسي ما بين اليسار الفلسطيني تحديدا الجبهة الشعبية وبين فتح ممثلة للطبقة البرجوزازية حسب تحليل الجبهة الشعبية او ما يعرف تاريخيا باليمين الفلسطيني. بالنسبة لكنفاني الخطر من الانظمة او من المساومة الداخلية تهدد بأن يعيد التاريخ نفسه وتجهض المقاومة. وهو يريد ان يصرخ به ويحاول ايجاد طريقة لذلك . مع ذلك وهو المثقف في لحظة يتردد مرة اخرى لاشهار ذلك، تدفعه ام سعد للقول، وهو صامت في اشارة من كنفاني للدور الذي تلعبه النخبة مقابل الجماهير :" لم يقل احد ذلك كله لفضل المسكين .. فلماذا لا تقوله انت الآن، انت الذي تعلمت من الكتب والمدارس، لماذا لا تقوله لأهل ليث؟"(كنفاني،المصدر السابق: 310).
يسدل كنفاني الستارة عن روايته ام سعد في الجزء التاسع " البنادق في المخيم"، يعطي رسالته الاخيرة وليضع آخر الرتوش على لوحته ورؤيته القادمة، فالبنادق انهت لحظة ومرحلة تاريخية بدأت في العام 1948 ، مرحلة اليأس والاحباط والضياع والبحث عن الحلول الفردية للفلسطيني، الى اليوم بعد 1967 حالة الثورة والمقاومة والتحول الى المستقبل حيث شعار الحرية والعودة، ابو سعد اصبح يرى ام سعد اي يرى الواقع افضل " فجأة تغير كل شيء، كف ابو سعد عن الذهاب للقهوه وصار حديثه مع ام سعد اكثر ليونه، بل انه سألها هذا الصباح ان كانت ما زالت تتعب.." (كنفاني المصدر السابق: 331).
اخيرا استوعب الفلسطيني الدرس جيدا، ولكن دفع ثمنه غاليا ، اليوم بعد عشرين عاما ومع انطلاقة الكفاح المسلح يدرك انه كان يجب ان يقاتل ولا يرحل ، يقاتل كشعب دون انتظار جيوش الدول العربية او القيادات:" لو هيك من الأول.. ما كان صار لنا شيء" تغير ابو سعد " وصار للعيشه طعم الآن. 
لقد شكل الكفاح المسلح الفلسطيني في نهاية الستينات والسبيعينات، رافعة قوية ليس للفلسطينيين فحسب، ولكن ايضا لحركات تحرر عديدة، وجاء الكثيرين من انحاء العالم لينضموا لهذه المقاومة المتأججه، وكثيرين استشهدوا واعتقلوا من عرب وغيرهم كفدائيين فلسطينيين، كان للجبهة الشعبية نصيب كبير منهم، فهي تنظيم يساري، شعاراته كفاحية، ماركسية، جذبت تحديدا اليساريين من اوروبا وامريكا اللاتينية وحتى اليابان. في تلك الايام كان كنفاني كناطق باسم الجبهة يدير ما يعرف اليوم بالعلاقات العامة، كان يتحدث الانجليزية بطلاقة ، وسيم، جذري، شاب، متحدث قوي، شكّل حلقة وصل وجذب للكثير من هؤلاء الثوريين الاممين. اخيرا كنفاني يعلن بداية الطريق نحو العودة لفلسطين في رمزية جميلة وسلسله:" لقد برعمت الدالية". في اشارة واضحة للنضال الوطني الفلسطيني كطريق للعودة والحرية.
كنفاني مؤرخا.. روائيا.. محرضا..ثوريا..وشهيداً
لا يكفي ان تحمل القلم وتكتب، الكثيرين كتبوا عن فلسطين، ويبدو لي ان الكثير من الكتب يبهت لون غلافها ولم تقرأ بعد، او لا تستحق القراءة. وليس كل من حمل القلم وكتب تحول الى شهيد.

اي قوة هذه التي يمتلكها كنفاني ليهدد فيها أمن العدو، وبقاءه، فيسارع العدو الى تحويل جسده شظايا ممزقة. لقد اقدمت الموساد الاسرائيلي على اغيتال غسان كنفاني في 2/7/1972 هو وابنة اخته لميس. 
كان كنفاني مناضلا وكاتبا وانسانا استثنائيا، لم يكتب فقط ليمدنا بالمعلومات، ولا تعامل مع الرواية تحت شعار" الفن للفن" بل اعتبر الرواية وسيلة لتاريخ فلسطين، ليس ليتعلمها الاطفال مادة جامدة في كتب التاريخ المدرسي الرسمي، بل لتكون ذاكرة حية للتاريخ، ودرس، وتحريض وفعل ثوري.
فلا نعجب ان يكون سياسيا وحزبيا ومؤدلجا، و روائيا، جمع كل هذا فخرج التاريخ في صفحات رواياته تاريخا لشعب فلسطين، وفقراءه. جاءت روايته توثيقا وتحليلا لاحداث، ومحاولة لتفسيره بعيدا عن المجاملات والتبريرات، حلل واكتشف حقائق بجرأة الذي يريد ان ينفض الغبار عنه، لا بمن يريد ان ينفض مسؤولية الهزيمة عن ظهره. فتحول من مجرد روائي الى قنبلة موقته بالنسبة للعدو فكنفاني في كل مكان، وكلماته اصبحت منثورة، والجميع اصبح يبحث عن خيمته التي حرض لها كنفاني.
اخيرا ان تكون في الموقع الطبقي والفكري وان تحسم امرك لصالح الجماهير، يصبح معك التاريخ حيا يتحرك وفيه نرى انفسنا كالمرآه بجمالها وقبحها بروعتها وازماتها. من هنا كنفاني كان مؤرخا للجماهير لا للنخبة، صوتا لا يمكن الاحتفاظ به على ارفف مكتبات الزعماء والقيادات. وان اصبح اليوم دمه والشهداء وسيلة يتجمل بها السياسيين في المناسبات الرسمية في محاولة لاخفاء هزيمتهم ومساوماتهم وسيفهم المثلوم.

المراجع
ابو دحو، رلى (2005). النساء في قيادة حركة المقاومة الفلسطينية: بين اجنحة اليسار المحلقة ورمال المواقع المتحركة. رسالة ماجستير. جامعة بيرزيت.

بنيامين، فاتر (1985). حول فكرة التاريخ. مجلة الكرمل. العدد17. 

الجيوسي، سلمى الخضراء (1997). موسوعة الادب الفلسطيني المعاصر. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.

الخالدي، وليد(1997). كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها اسرائيل سنة 1948 واسماء شهدائها. مؤسسة الدراسات الفلسطينية. بيروت.

دراج ، فيصل (1992). راوية التنوير وتنوير الرواية. في قضايا وشهادات : الثقافة الوطنية(3): الادب الواقع والتاريخ. كتاب ثقافي دوري العدد 6 شتاء 1992. 

دراج، فيصل (1996). بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية. دار الآداب. بيروت.

شوفاني، الياس (1998). الموجز في تاريخ فلسطين السياسي: منذ فجر التاريخ حتى سنة 1949. مؤسسة الدراسات الفلسطينية. بيروت.

كناعنه، شريف (1989). الشتات الفلسطيني: هجرة ام تهجير. مركز شمل لدراسات اللاجئين. رام الله.

كنفاني، غسان (1986). عائد الى حيفا. الاثار الكاملة- الروايات. المجلد الاول. مؤسسةالابحاث العربية. بيروت.

كنفاني، غسان (1987). ارض البرتقال الحزين. في الآثار الكاملة – القصص القصيرة . المجلد الثاني. مؤسسة الابحاث العربية. بيروت.

لوكاش، جورج (1980). الادب والفلسفة والوعي الطبقي. دار الطليعة للطباعة والنشر. بيروت.

منيف، عبد الرحمن (1992). الثقافة الوطنية واقع وتحديات. في قضايا وشهادات : الثقافة الوطنية(3)/ الادب الواقع والتاريخ. كتاب ثقافي دوري العدد 6 شتاء 1992.

Ashcroft, Bill (2004). Representation and its discourse: Orientalism, Islam, and the Palestinian crisis. Vol 34, Issue 2, April 2004, Pages 113-121.