Menu

الهدف تحاور د.سعيد ذياب

الحكيم جورج حبش وحركة القوميين العرب: امتداداتها ونشاطها في الأردن 

أحمد بدير

الحكيم جورج حبش

عمَّان _ خاص بوابة الهدف

13 عامًا على رحيل مُؤسّس حركة القوميين العرب، ومؤسّس الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، والأمين العام السابق للجبهة الحكيم جورج حبش ، هذا الدكتور الصلب، والثائر الفلسطيني العربي الأممي الذي ما ترك يومًا إلّا وكانت بوصلته فلسطين.

رحل حكيم الثورة تاركًا خلفه إرثًا نضاليًا ورفاقًا ما حادوا يومًا عن الطريق، قابضين على المبادئ، مستمرين على ذات الطريق الذي أسّسه مع رفاقه من أجل أن يمضي شعبنا نحو فلسطين، كل فلسطين، مُحرّرة من براثن الاستعمار الصهيوني، ولنلتقي جميعًا يومًا ما تحت سماء الحريّة، وعلى أرض مدينة اللد مسقط رأس الحكيم.

في هذه الذكرى تلمسّنا بذور النشأة والتأسيس لحركة القوميين العرب، وحول دور الحكيم البارز في تأسيس هذه الحركّة التي تشعّبت بعد ذلك وخرّجت آلاف المناضلين على امتداد الجغرافيا العربيّة وغيرها من ساحات المقاومة. حاورنا في هذه المناسبة الوطنيّة الأمين العام لحزب الوحدة الشعبيّة الديمقراطي الأردني، د.سعيد ذياب.

النكبة الفلسطينيّة وتأثيراتها

بدأ ذياب حديثه مع "بوابة الهدف الإخباريّة"، بالتأكيد على أنّ "شخصيّة الحكيم جورج حبش ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بواقع النكبة الفلسطينيّة، وتأثّر كثيرًا بها، حيث تركت بصمة كبيرة جدًا في شخصيّته وفي طريقة تفكيره، وهذا التأثير تجلّى من خلال رؤيته منذ البدايات أنّ هذا العدو لا يمكن مواجهته بأطرٍ محدودة، ولابدّ من تجاوز واقع المُخيّم، بل حتى تجاوز الواقع الفلسطيني بإطارٍ قوميٍ أكبر وأوسع باعتبار أنّ هذا المشروع الصهيوني العنصري الاستيطاني يستهدف الأمّة العربيّة بالإضافة إلى استهدافه للشعب الفلسطيني وفلسطين".

ولفت إلى أنّه "من هنا كان الانشداد، وكل المحاولات للعمل كانت تأخذ طابعًا قوميًا إلى أن تبلوّرت الصيغة النهائيّة لحركة القوميين العرب كإطارٍ قوميٍ واسعٍ يضم في صفوفه النشطاء القوميين والمناضلين القوميين الذين تشاركوا مع الرفيق الحكيم في الرؤية والتصوّر، كما كان هناك قناعة لدى الحكيم حول هذا العدو والقوى التي سهّلت لقيامه، وأنّ الأنظمة العربيّة الرجعيّة يجب أن يكون التعامل معها من خلال المقاومة، وهذا كان له بعض التجلّيات والممارسات في بدايات تشكيل الحركة".

وأشار ذياب إلى أنّ "الحضور الشخصي للحكيم في الأردن وعمله المباشر في مهنته كطبيب كان له بالإضافة للرفيق الراحل وديع حداد دورٌ كبيرٌ في بلورة وتأسيس فرع القوميين العرب في الأردن، ما قوبل بتجاوبٍ كبيرٍ في الأردن من قِبل العديد من الرموز الوطنيّة التي رأت في هذه الحركة الإطار الصلب والأكثر تعبيرًا عن طموحاتها، والأكثر مصداقيّة، ما شجّعها للانخراط في حركة القوميين العرب".

تعطيل وفرملة الأحلاف

وشدّد ذياب أنّ "حضور الحركة كان لافتًا، حيث شاركت في الانتخابات البرلمانيّة الأردنيّة عام 1957 باعتبارها الانتخابات الأكثر شهرة، ولم يحالف الحظ بعض الرموز في هذه الانتخابات بما فيهم الرفيق الحكيم الذي ترشّح للانتخابات، حيث تم تشكيل حكومة وطنيّة برئاسة سليمان النابلسي وجرى الانقلاب على هذه الحكومة وإعلان الأحكام العرفيّة وجرت الاعتقالات والملاحقات، ولكن حركة القوميين العرب نجحت بتأسيس وجود قوي وفاعل، بحيث أصبح فرع الحركة في الأردن يُنافس الاتجاهات السياسيّة الأخرى سواء الحزب الشيوعي الأردني أو حزب البعث الاشتراكي، إذ كانت هذه الأحزاب الثلاثة هي التي تشكّل العامود الفقري للحركة الوطنيّة الأردنيّة"، مُؤكدًا أنّ "حركة القوميين والأحزاب الأخرى نجحوا في معاركهم الكبرى في التصدي للأحلاف التي عُرضت على المنطقة وتحديدًا على الأردن من حلف بغداد، والحلف الإسلامي، نجحوا فعلاً في تعطيل وفرملة هذه الأحلاف وقطع الطريق على المشاركة الأردنيّة فيها".

كما بيّن أنّ "النشاط والفعل الجماهيري لحركة القوميين العرب في الخمسينات والستينات ساهم في هذا التصدي، وحالة المد الجماهيري الذي تناغم مع رؤية التصدي للأحلاف وتحديدًا حلف بغداد، حيث كان هناك معارضة جماهيريّة واسعة لهذا الحلف".   

أين وصلت التجربة؟، وماذا بشأن دور الجبهة العربيّة التقدميّة إزاء حالة الهبوط والهرولة المُتسارعة نحو الكيان الصهيوني للتطبيع معه من قِبل بعض الأنظمة العربيّة الرجعيّة على حساب حقوق الشعب الفلسطيني التاريخيّة، رأى ذياب في هذا الجانب أنّ "تجربة حركة القوميين العرب واجهت عدّة مشكلات، وذروة الإشكاليات كانت بحل الحركة في العام 1967 نتاج صراعات أيديولوجيّة داخل الحركة، وتم حلّها وتحويلها إلى فروعٍ مستقلة، لكن ما يميّز الحركة رغم حلها أنّ كل ما يمكن أن نسميه من مظاهر أو قوى يسار في الوطن العربي هي امتداد لحركة القوميين العرب بشكلٍ كبيرٍ جدًا، سواء كان في عُمان أو في البحرين أو حتى الظاهرة التقدميّة في الكويت، وفي لبنان وفي أماكن أخرى، وهذه المجموعات أخذت أسماءً أخرى فيما بعد، حتى على المستوى الفلسطيني اليسار بشقيه: الجبهة الشعبيّة والجبهة الديمقراطيّة".

وأردف ذياب خلال حديثه في هذا الجانب: "ما وصلنا إليه -ليس فقط في حركة القوميين العرب فحسب، ولا حتى في الجبهة الشعبيّة- هو بفعل أنّ الواقع الفلسطيني مأزوم، والواقع العربي كذلك، إذ يعيش أزمة كبيرة جدًا ترتبط بالذات والعامل الذاتي لهذه القوى اليساريّة التي عجزت عن التصدي للمهمات الوطنيّة والقوميّة التي فرضتها طبيعة المواجهة، وهذا العجز له أسبابه المتعدّدة، منها: طبيعة الواقع الأيديولوجي لهذه الحركات، وجزء من أسباب الأزمة الفلسطينيّة هو غياب الوعي الحقيقي لطبيعة المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري، وهذا التحليل يأتي استنادًا إلى أنّ غياب هذا الوعي هو الذي فتح المجال للرهانات على الحوارات والتسوية مع هذا العدو، ولو كان لدينا وعيٌ حقيقي بطبيعة هذا العدو والتزامٌ حقيقيٌ لما ذهبت بعض أطراف اليسار لأن تختار ما يمكن أن نُسميه البحث عن تسوية مع هذا العدو، وهذا جزء بسيط من الأزمة، بالإضافة إلى ذلك انعكاسات الواقع الدولي...إلخ".

عدوٌ وهمي لتبرير الخيانة!

وحول دور الجبهة العربيّة التقدميّة، فلا يعتقد ذياب أنّها "الإطار القادر على مواجهة طبيعة هذه المرحلة، إذ أنّها حتى اللحظة لم تنجح في استقطاب كافة القوى العربيّة المعنيّة بمواجهة هذا المشروع، لكنّ المطلوب إطار ينطلق بالأساس من قوى اليسار القومي الذي من الممكن أن تتسّع دائرته ليصل إلى إطار قومي ذو مضمون يساري يحسم مسألة من هي القوى المُعادية لنا بشكلٍ جدّي، وهذا يتطلّب منّا استحضار القراءات الأولى لطبيعة العدو والمواجهة، والتجربة دلّلت أنّ المطلوب ليس فقط هزيمة الشعب الفلسطيني ولا المقاومة الفلسطينيّة، وإنّما هزيمة قوى التحرّر العربي والهيمنة على الوطن العربي ونهب ثرواته الوطنيّة، وهذا ما بدا لنا بشكلٍ واضح الآن من خلال التطبيع الذي يجري على قدمٍ وساق بين بعض الدول العربيّة، وهذا نتيجة -مع التأكيد أنّها أنظمة عميلة وتابعة- أنّها لا تمتلك الحد الأدنى من الوعي لطبيعة العدو والمواجهة، وإلّا لما دخلت في هذا الاصطفاف مع عدوٍ هي ستكتشف بعد فترة ليست ببعيدة أنّه سيعمل على امتصاص ثرواتها والسيطرة الكاملة عليها، وكشفت هذه الأنظمة فعلاً عن تبعيّتها وجهلها من خلال البحث عن أعداء وهميين لتبرّر تحالفُها مع العدو الأساسي".

وجدّد ذياب تأكيده على أنّ "قناعة الحكيم كانت واضحة للغاية، إذ كان دائمًا يقول لو كان لدينا فهمٌ حقيقيٌ وعميقٌ للعدو الصهيوني لما قبلت بعض الأطراف الفلسطينيّة وحتى عربيّة روّجت للتسوية والحلول على أرض 67، والوهم الذي سيطر على الذهن الفلسطيني حول إمكانية انسحاب الاحتلال من الضفة الغربيّة، وتبيّن بعد كل هذه السنين أنّ أوهامهم كانت سراب. هذا عدو يتعامل معنا كشعبٍ فلسطيني وأمّةٍ عربيّة من خلال الإلغاء الجسدي أن بمنطق العبوديّة والسيطرة علينا".

الوفاء بمواصلة ذات الطريق

وفي ختام حديثه، بيّن أنّ "الرفيق جورج حبش أرسى الكثير من القيم النضاليّة والإنسانيّة الاجتماعيّة، والوفاء للحكيم يكون من خلال التمسّك بالمنطلقات النضاليّة التي بدأها، وأن نعمل على حماية هذه القوّة السياسيّة التي ناضل فيها الحكيم ومن أجلها، وعلينا التمسّك بأنّ هذا العدو لا مُهادنة معه ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال مُهادنته، أي أن يظل النضال مُستمرًا، وأنّ المواجهة ليست مواجهة فلسطينيّة فقط، بل مواجهة عربيّة، وهذه من المنطلقات الأساسيّة التي تحدّث بها الحكيم الذي كان يساريًا قوميًا وربط بين هاتين المسألتين، والعهد والوفاء يكون بالسير في هذا الدرب بعيدًا عن الغزل، وهذه القناعات تشكّل دائمًا بالنسبةِ لنا نقطة انطلاق للنهوض الوطني والقومي".