Menu
حضارة

مروان عبد العال يكتب للهدف : الانتفاضة الكبرى والقتل بسردية مضادة

مروان عبد العال

انتفاضة.jpg

خاص بوابة الهدف

اندلعت انتفاضة الحجارة في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر عام ١٩٨٧، واشتعلت فوانيسها كروح من عشاق الأرض ولكنها تعانق السماء ! وفاضت الشوارع بسيل مدفون في ثنايا الصدر، كأنها تقول أن كل من لا يتمرد لا يقدر أن يكون ثورياً، وكل طفلٍ يلتزم البيت لا يمكن ان يكون فلسطينياً ! وصدى الحجارة العابرة للمدن و للحدود، تؤدي ثورتها في الأكف الطرية، فتحمل مفرداتها إلى كل اللغات و كل الجغرافيا وكل السياسة.

غارنيكا فلسطين

تلك التي رسمت 'غارنيكا' فلسطين برمل غزة التي كانت يومها فرن الانتفاضة ومن طعم ملحها وأزرقها، وبزيتون جبل النار وبرتقال يافا ورخام بيت لحم ونبيذ الخليل وصخور جنين وحنون الجليل وقباب القدس ، كلها في لحظة تاريخية عقدت ميثاقاً ثورياً مع الثورات والهبات والانتفاضات منذ ثورة البراق إلى ثورة ال٣٦ إلى النكبات والنكسات والثورة المعاصرة بخيباتها وهفواتها وحصاراتها وإبادة مخيماتها وصناعة أبطالها. في الجدلية الكفاحية والجدارية الفنية اختلط 'ديسمبريو' جباليا بديسمبريي 'كومونة باريس'، ووسمت ' القيادة الوطنية الموحدة' نداءها الجديد بهجوم سفينة اورورا . ورجموا بالحجارة وبلا كلل إبليس 'الباستيل'، وانتصبت المقاليع شامخة خلف الحشود تطلق كراتها الحارقة نحو قصر الفرساي ، جيل 'سييرا مايسترا' والحلم الغامض بين ثورة 'اليعاقبة' والهجوم على 'المونكادا'، الرصاص المطاط ممزوجاً بالعبارة الساحرة الحرية والاستقلال وتحت العلم الوطني بألوانه الحارة وكوفية الثورة المرقطة وفتيات بالثوب المطرز، وفي جهة أخرى دهس وحرق، ثم فضائيات تبث مشهداً لجنود مدججين يضربون ويسحلون ويقتلون ويكسرون الأذرع!

تقديس العفوية

أكد درس الانتفاضة الثمين أن الفعل العفوي لا يمكن أن يتقدم ويحقق غايته دون انتفاضة ثقافية، لا يكفي الوضع الثوري ليمدها بعوامل الاشتعال ولكن الديمومة تكمن في منع إسقاطها أو قطفها في غير أوانها أو درء عناصر فشلها وأن ندعها تنتصر، وهذا لا يعتمد على الإكتفاء بمقولة ( لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة )، بل إن صوت الحقيقة لا يعارض صوت الحق، و الخطأ يحتاج لرجمٍ آخر أو لنقدٍ للذات كذلك، والانتفاضة ليست فوق النقد حتى لا تبتلعها كما حصل بعض من الثقافة السلطوية والتقليدية السائدة والمهيمنة. فالثورات تنفجر عفوياً وقد يتوقعها الناس كإحتمال، كونها حالة تفاعل اجتماعي يتم التبشير بها، ولكن النبوءة ترتبط عادةً بعلاقة افتراضية للحدث المحتمل وليس بتوقيت حدوثه.

عندما سئل الدكتور جورج حبش : "هل فوجئتم باندلاع الانتفاضة ؟ فأجاب: لا أستطيع الإدعاء إننا كنا نتوقع حدوث الانتفاضة بهذا الزخم والاستمرار والشمول، وليس صحيحاً إدعاء أي قائد أو قوى فلسطينية أنها فجرت الانتفاضة. كانت الانتفاضة من فعل الجماهير وإبداعها، ولم تستأذن الجماهير هذا القائد ولا ذاك الفصيل عندما فجرت انتفاضتها في وجه الاحتلال ". ليؤكد في مكان آخر على خلفية عفوية الفعل، لكن على أساس اعتماد البنية التنظيمية والشعبية والسياسية والكفاحية، بعيداً عن تقديس العفوية واستمرارها في إدارة الصراع.

أنسنة الحجر

أحدثت الانتفاضة ثورة عاطفية وروحية في السلوك والمفاهيم من قيم إيجابية مثل التكافل الأسري والمواجهة الشعبية والوحدة الشاملة بين الداخل والخارج، والداخل وداخل الداخل، والتضحية بلا حدود، والتمرد والتفاؤل والأمل والإبداع الثوري والأدبي والفني والتشكيلي والموسيقي، التي عبر يوماً عنها محمود درويش في رسالة للعالم : "إن الانتفاضة أمس واليوم وغداً، هي التعبير الطبيعي المشروع عن مقاومة العبودية المتمثلة في احتلال يتسم بأبشع أشكال الفصل العنصري". وأطلق قصيدته (محمد) الذي اختار من شهيدها محمد الدرة أسطورة ثورية. كما اقترن اسم سميح القاسم بقصيدته 'تقدموا' وكذلك نزار قباني منبهراً: "بهروا الدنيا /وما في يدهم إلا الحجارة/ وأضاءوا كالقناديل/ وجاءوا كالإشارة". وصل صداها إلى العواصم، فعقدت مؤتمرات فكرية وثقافية، ومنتديات ونصوص ومقالات ولوحات ومعارض فنية، وجميعها توغلت في البحث والأسئلة والتصفيق وأنسنة الحجر.

اختطاف الانتفاضة

وعندما نرى أنفسنا بعد هذه السنوات من التّذكر والاستذكار لنكتشف أننا نقف على الضفة الأخرى، من حقنا أن نسأل: من اختطف؟ وكيف سُرقت الانتفاضة؟

هذا السؤال هو مطالبة بفهم وقراءة معضلة الانتفاضة، بل تفكيك ومساءلة ما آلت إليه من الموقع الثقافي و في ذكرى انطلاقتها الحادية والثلاثين، إنصافاً لتضحياتها ووفاءً لأبطالها شهوداً أحياء أو شهداء، يحتاج إلى الاعتراف بأن أزمة المشروع الوطني التي نعيشها الآن قد بدأت تداعياته منذ أن اختطفت الانتفاضة الأولى، ومحاولات استعادتها في انتفاضات وهبات لاحقة ما هي إلى محاولات للخروج من الأزمة.. فحوى الدرس الثقافي أن الانتفاضة لم تتحول إلى إنجاز وطني، بل إن استثمار رصيدها السريع وقبل أوانه أفضى إلى إقامة جهاز السلطة، كتعبير عن استمرار الاحتلال باسم آخر وبشروط أفضل وتكلفة أقل.

سردية مضادة

بعد كل سنوات القمع لكسر الانتفاضة، وضبط المجتمع، وترويض الشعب، فهي لم تحقق النتائج المرجوة، قامت بقوننة الحرب من خلال اعتبار رمي الحجارة يساوي حرب عسكرية جربت زرع الرعب و بالقوة الصلبة، وفشلت مجدداً، وكذلك استخدمت شتى الأسلحة من الهراوات، والرصاصات، وحواجز وعقوبات جماعية، وتكسير العظام، وهدم بيوت، واعتقالات، والمستعربين، والجواسيس، والغاز المسيل للدموع بكل أنواعه، التحدي ولّد مزيداً من التحدي، وارتفعت دعوات العصيان المدني. بدأت مراكز التخطيط في دوائر الأمن القومي الصهيوني تدرس كيفية إنهاء الانتفاضة بوسائل تقنية وثقافية وعلمية جديدة.

فلسطنة الحرب

في وثيقة استراتيجية صهيونية استخدم اسحق رابين تعبير "فلسطنة الحرب"، تيمناً بالطريقة الأمريكية لمواجهة فيتنام الشمالية عبر فيتنام الجنوبية، أي إقامة نظام يقاتل بالوكالة عنها ومدعوم منها. هذا يحتاج للدخول المباشر في عملية تسوية تقطع الطريق على الانتفاضة، لقد وصف أحد المحللين العسكريين يومها أن "الجيش الاسرائيلي" قد فقد القدرة على الإبداع في مواجهة الشعب الفلسطيني، فلا بد من استخدام الحرب الناعمة، واستخدام الثقافة السلبية المهيمنة في المجتمع لإعادة إنتاج القديم. لنكتشف أن اتفاق أوسلو منذ أن وقع، ليس إلا التجسيد الأمثل لفلسطنة الحرب، من حيث إنه حقق غايته بؤد الانتفاضة وأعاد تقسيم الشعب وعزله عن أرضه ووطنه وأمته؛ وكما نعيش وقائع تآكل البنى والهياكل والقيم، ليظهر إن واقع أوسلو هي وظيفة ثقافية بديلة أكثر منه اتفاقاً سياسياً.

عبقرية ثورية

درس الانتفاضة الأولى أن احتلال الإرادة يبدأ من احتلال الثقافة، ليتحول إلى جسد بدون عقل. ليس هناك تنظيم بلا مثقفين، على حد قول "انطونيو غرامشي"، لأن البديل الثوري لا يمكن أن يقوم بدون المثقف الجمعي الذي يلعب دوراً في الحركة الشعبية وينقلها من العفوية إلى التنظيم، ومن النظرية إلى الممارسة، بما يسهم في تأصيل الصراع من خلال المقاومة الثقافية. وكي لا ننسى درس سقوط الكومنونة، كان في الثورة الناقصة والسردية المضادة. وفي زمن مشروع معادي بأبعاده العلمية والثقافية والاستراتيجية يسعى للسيطرة على الوعي أولاً…

قيل: لا حركة ثورية بدون فكر ثوري، حين يكون للانتفاضة عقلها وفكرها وثقافتها هي الإدارة الأنجع لصراع مديد، وفي سبيل حماية ذاتها وأهدافها وغايتها النبيلة، والأهم كي تنتصر، وأن لا تقتل برصاص السردية المضادة..! لذلك يجوز القول: لا بديل ثوري جديد بلا إبداع ثوري و بلا عبقرية ثورية.

*مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان